الفصل السادس عشر
شذى صرخت بـ صدمة وفرح: "الملثم!! فارس طلع هو مرام!!".
عمّ السكون الصالة لثوانٍ، كل الأنظار كانت معلقة على وجهي.. وجه مرام البنت، بملامحها الناعمة اللي كانت مخبأة تحت البشت والشماغ طول سنين. البنات تقدموا وهم مش مصدقين، شذى غطت فمها بـ يدينها والدموع بـ عيونها: "أنتِ.. أنتِ اللي أنقذتيني بالبر؟ أنتِ فارس اللي كنا نشوفه أقوى ولد؟".
أنا هزيت رأسي بـ هدوء مكسور، والتفتّ لـ ذياب اللي كان يطالع فيني بـ نظرة فخر وهيبة، وكأنه يقول للكل: "هذي بنت عمتكم اللي رفعت رأسنا".
الجدة ورود تقدمت بـ خطوات ترجف، ودموعها تبلل شيلتها، سحبتني لـ حضنها بـ قوة وصرت أشم ريحتها الدافية.. ريحة الجدة اللي انحرمت منها. كانت تبكي وتدعي على سيف بـ قهر: "حسبي الله ونعم الوكيل فيه.. ظلمك وظلم طفولتك يا بنيتي، لكن الحين أنتِ في حمانا".
أمي ملاذ كانت تطالع فيني بـ انكسار، تحاول تلمس يدي، لكني رجعت خطوة لـ وراء بـ دون شعور.. الغصة اللي بـ قلبي من سنين البُعد كانت أكبر من أن تختفي بـ لحظة. ذياب لاحظ حركتي، وعرف بـ ذكائه إني أحتاج وقت وأني تحت ضغط كبير.
تقدم ذياب بـ خطوتينه الواثقة، ووقف بيني وبينهم وقال بـ صوته الرجولي الحازم: "يا جماعة، مرام تعبانة الحين وتوها خارجة من المستشفى.. عايلتها والكل على عينا ورأسنا، بس البنت تحتاج ترتاح. شذى، خذي بنت عمتك لـ جناحها الخاص اللي جهزناه، وخلوها تاخذ ريست".
الجد عساف هز رأسه بـ حكمة: "كلام ذياب زين العقل.. ارتاحي يا بنيتي، والبيوت كلها بيوتك، والحق بـ يرجع لك وافي وغير منقوص".
مشيت مع شذى ولمار، وكانوا يطالعون فيني بـ حب مدموج بـ دهشة. شذى كانت تمسك يدي بـ قوة وكأنها خايفة أختفي: "والله العظيم يا مرام، من اليوم ما راح تذوقين الهم.. إحنا خواتك، وكلنا فداكِ".
دخلت الجناح الخاص فيني.. كان عبارة عن جنة! سرير ملكي كبير، ألوان دافية، وملابس من أفخم الماركات تملأ الغرفة. شذى ولمار تركوني بـ هدوء عشان أرتاح بعد ما ضَموني بـ حنان.
رميت نفسي على السرير الواسع، وأنا أطالع بالسقف الفخم.. مو مستوعبة! قبل ٢٤ ساعة كنت فارس اللي يركض بالتراب وتحت تهديد السلاح، والحين أنا مرام بـ قصر الجد عساف. نزلت دمعة حارة من عيني، وتذكرت حضن ذياب بـ المستشفى.. دقات قلبه السريعة وكلامه: "والله العظيم وطالما ذياب عساف عايش على وجه الأرض، محد بـ يتجرأ يلمسك
مرّت ثلاثة أيام وأنا بـ القصر، كنت قليلة الكلام، أجلس معهم بـ العباية واللثام الخفيف لأني لسه مو متعودة على كوني "بنت" قدام الأعمام وعيالهم. أمي ملاذ كانت تحاول بـ كل الطرق تتقرب مني، تطبخ لي بـ يدها، وتجلس عند رجولي تبكي وتطلب السماح، وقلبي بدأ يلين لها بـ الفطرة، بس الخوف لسه بـ داخلي.
بـ اليوم الرابع، العصر..
كنت جالسة بـ حديقة القصر الكبيرة عند النافورة، لفتّ الشال حول كتوفي وأنا أتأمل الهدوء. وفجأة، سمعت صوت خطوات ثقيلة ومألوفة.. صوت هيبة يزلزل الأرض.
التفت وشفت ذياب.. كان لابس ثوبه الأبيض وشماغه بـ كشخته المعتادة، وعيونه الحادة تطالع فيني بـ هدوء.
وقف قدامي، وحط يدينه بـ جيوبه وقال بـ نبرة دافية: "كيفها بنت عمتي اليوم؟ عساكِ صرتِ أحسن؟".
وقفت بـ احترام: "الحمد لله يا ذياب.. بـ فضلك وبـ فضل الجد، أنا بـ خير ونعمة".
ذياب ابتسم ابتسامة خفيفة تذوب الصخر، وقعد على الكرسي المقابل لي: "مرام.. أنا جيت أقول لك شيئين. الأول: سيف بـ المقابلة الرسمية اعترف بـ كل شيء، والحكم بـ ينزل عليه بـ السجن المؤبد لـ قضايا المخدرات والتعنيف، يعني ارتاحي.. ه الكابوس انتهى لـ الأبد ومحد بـ يقرب منك".
أنا تنهدت بـ راحة ودمعت عيوني: "الحمد لله يا رب.. والثاني؟".
ذياب سكت لـ ثوانٍ، ونظراته صارت أعمق وأكثر حدة، وقال بـ صوت رجولي هز كياني: "والثاني.. الجد عساف يبي يجمع العايلة كلها بكرة بـ الليل، ويبي يعلن عن موضوع يخصك ويخصني.. مرام، أنا طلبت يدك من الجد ومن أمك ملاذ، وبكرة بـ نملك (نكتب الكتاب).. أبي أسمع رأيك أنتِ، لأنك من اليوم ورايح، صاحبة القرار بـ حياتك".
أنا جمدت بـ مكاني، وقلبي دق بـ سرعة جنونية.. ذياب؟ ذياب عساف الشيخ والهيبة يطلب يدي أنا؟ أنا اللي عشت كـ ولد؟!
طالعته بـ صدمة وعيوني وسيعة، وهو كان ينتظر ردي بـ كل هدوء وثقة..