X اكـــس - هدوء مزيف - بقلم زينب الكولالي | روايتك

اسم الرواية: X اكـــس
المؤلف / الكاتب: زينب الكولالي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: هدوء مزيف

هدوء مزيف

طن… طن… طن… الإضاءة البيضاء القوية انعكست فوق الجدران الهادئة، بينما تسللت أصوات خطوات الأطباء من خلف الباب بين الحين والآخر. على السرير، بدأت الفتاة تتحرك ببطء. جفناها ارتجفا قليلاً قبل أن تفتح عينيها أخيراً. نظرت حولها بتشوش. السقف الأبيض. الستائر الرمادية. ورائحة الأدوية الثقيلة التي ملأت المكان. حاولت أن تعتدل في جلستها، لكن ألماً حاداً ضرب جسدها فجأة، لتتشنج ملامحها بصمت بينما خرج من بين شفتيها أنين منخفض. وضعت يدها على رأسها لثوانٍ، ثم نظرت إلى الإبرة المغروسة في يدها. ثبّتت عينيها عليها للحظة… ثم نزعتها بعنف. في نفس اللحظة، فُتح الباب بسرعة. دخلت الطبيبة بخطوات متوترة وهي تقول: — "آنسة، يفضّل أن ترتاحي، لا تحاولي الوقوف الآن." لكن الفتاة لم تهتم كثيراً. زفرت بضيق، ثم مررت يدها داخل شعرها الأسود الفوضوي وأعادته إلى الخلف بعصبية خفيفة. كانت ملامحها شاحبة قليلاً بسبب التعب، لكن حدّة عينيها بقيت واضحة رغم الإرهاق. قالت الطبيبة بنبرة أكثر هدوءاً: — "إن أردتِ… يمكنني الاتصال بعائلتك." رفعت الفتاة نظرها إليها بسرعة. وفي لحظة تغيّرت ملامحها تماماً. توتر. خوف مفاجئ. — "لا… لا، إياكِ والاتصال." توقفت الطبيبة باستغراب. — "حسناً…" ساد صمت قصير. ثم قالت الفتاة وهي تحاول النهوض: — "أنا من سأتصل… هل يوجد هاتف عمومي هنا؟" — "نعم، في حديقة المستشفى، لكن يُفضّل ألا تتحركي الآن يا آنسة." رفعت حاجبها قليلاً. — "حقاً؟" ثم أطلقت ضحكة خافتة ساخرة ونهضت رغم الألم. — "يا آنسـ…" لكنها لم تستمع لبقية كلام الطبيبة. كانت تتحرك ببطء، يدها تستند للحائط للحظات، لكنها تُجبر نفسها على الوقوف وكأنها ترفض أن تبدو ضعيفة. ثم توقفت فجأة واستدارت نحو الطبيبة. — "آه، قبل أن أنسى… هل يمكنني طلب ملابس؟ سأدفع ثمنها طبعاً." بدت الطبيبة مترددة. ملامحها أوحت بأنها تريد قول شيء آخر. — "أنا فقط…" ضيّقت الفتاة عينيها قليلاً. — "فهمت… لا تثقين بي. لا مشكلة، سأطلب من شخص آخر." — "لا، لا، ليس هذا ما أقصده!" — "إذن ماذا؟" تنهدت الطبيبة أخيراً وقالت: — "الطبيب المسؤول أوصى بألّا تغادري الغرفة، وحالتك ليست مستقرة تماماً… كما أن عائلتك يجب أن تعلم بما حدث." ساد الصمت للحظة. ثم قالت الفتاة بهدوء أخف هذه المرة: — "أمي تعاني من مرض في القلب… ولا أريد أن أصدمها بأي شيء الآن." انخفض صوتها قليلاً. — "سأخبرها في الوقت المناسب." تبدلت نظرة الطبيبة. وكأن شيئاً من القسوة اختفى منها فجأة. تنهدت بهدوء، ثم أخرجت هاتفها. — "انظري… هذا تطبيق لطلب الملابس. سيصل الطلب بسرعة." أخذت الفتاة الهاتف. — "فهمت." ®®® بعد خمس ساعات… كانت السماء ملبدة بغيوم خفيفة، والهواء بارداً بشكل لطيف. خرجت الفتاة من باب المستشفى بهدوء. كانت ترتدي سروالاً رمادياً رسمياً مع سترته الأنيقة، وقميصاً أبيض بسيطاً، وكعباً أبيض زاد من حضورها اللافت. رغم التعب الذي ما زال واضحاً في خطواتها، بقيت ملامحها قوية. بشرتها الطبيعية الهادئة، شعرها الأسود الطويل الذي انسدل فوق كتفيها، وعيناها الداكنتان الحادتان… جعلتاها تبدو كشخص يصعب كسره بسهولة. حديقة المستشفى كانت واسعة وهادئة. أشجار خضراء تتحرك مع الرياح الخفيفة. مقاعد خشبية موزعة قرب الممرات الحجرية. وصوت عصافير متقطع وسط هدوء الصباح. في زاوية بعيدة، كان هناك هاتف عمومي أحمر قديم. لكن أحدهم كان يستخدمه. رجل يتحدث بحماس واضح: — "نعم حبيبتي… بالطبع سأشتريه لكِ، ههه، قلت لكِ لا تقلقي!" وقفت الفتاة واضعة يدها على خصرها. قدَمها تهتز بسرعة بنفاد صبر واضح بينما الرجل مستمر في حديثه وكأن العالم توقف لأجله وحده. تنهدت بضيق. ثم تقدمت فجأة وسحبت السماعة من يده. — "أنتِ مجنونة؟!" قالها الرجل بصدمة وهو يحاول استرجاع الهاتف. لكنها جذبته أكثر وقالت ببرود: — "منذ ساعة وأنت تتحدث، ألا تراعي أن هناك غيرك؟" — "اتركي الهاتف!" — "إذن أنهِ مكالمتك بسرعة." أفلت الرجل السماعة أخيراً وهو يتمتم شتائم غاضبة قبل أن يبتعد. أما هي… فوضعت السماعة على أذنها وكأن شيئاً لم يحدث. رنّ الهاتف للحظات. ثم جاء صوت امرأة: — "مرحباً، من معي؟" أغمضت الفتاة عينيها للحظة قصيرة. — "أمي…" في الطرف الآخر، اعتدلت إيفا بسرعة. — "إلينا؟! أين أنتِ؟ لقد أقلقتِني كثيراً!" كانت كلارا تجلس أمامها في المطبخ وهي تقول بسرعة: — "اسأليها لماذا لم تأتِ ليلة البارحة!" رفعت إيفا الهاتف أكثر. — "إلينا، لماذا لم تأتي أمس؟" تنهدت إلينا بخفة وهي تنظر إلى الأشجار أمامها. — "بصراحة… صديقتي تعرضت لحادث، وأنا معها في المستشفى." صمت قصير. ثم إيفا بقلق: — "هل أنتِ بخير؟" — "أنا بخير." وفي الخلفية، قالت كلارا بصوت مرتفع قليلاً: — "اسأليها إن كنا سنأتي إليهما!" ابتسمت إلينا ابتسامة خفيفة لأول مرة. — "هل هذه خالتي كلارا؟" — "آه نعم." — "أعطيني الهاتف." ناولتها إيفا السماعة وهي تقول: — "إلينا تريد التحدث معكِ." أخذت كلارا الهاتف بسرعة. — "مرحبا إلينا." — "مرحباً خالتي." — "حبيبتي، أنتِ بخير حقاً؟" — "بخير، لا تقلقي." تنهدت كلارا براحة خفيفة. ثم قالت: — "اسمعي… أرسلي لنا الموقع وسنأتي أنا ووالدتك." تغيرت ملامح إلينا فوراً. — "لا، لا داعي لذلك… سأعود أنا قريباً." :::بعد مدة قصيرة من انتهاء المكالمة… خرجت إلينا من المستشفى الوطني بهدوء. انغلقت الأبواب الزجاجية خلفها ببطء، بينما استقبلها هواء المساء البارد مباشرة. كان الجو هادئاً بشكل غريب، والشارع شبه فارغ إلا من بعض السيارات القليلة التي تمر بين الحين والآخر. مرّت نسمة خفيفة جعلت شعرها الأسود الطويل يتطاير حول وجهها للحظات، أو بالأحرى غطّى جزءاً من ملامحها المتعبة. وقفت قرب الرصيف بصمت. عيناها تتحركان ببطء في الطريق الممتد أمامها، بينما كانت تحاول تجاهل الألم الخفيف في عنقها وكتفها. مرّت عشر دقائق تقريباً. ثم توقفت حافلة صغيرة قرب المحطة. صعد رجلان أولاً، تتبعهما امرأة تدفع طفلها الصغير بعربة خفيفة. دفعت ثمن التذكرة ودخلت وهي تحاول تهدئة طفلها الذي بدأ يتذمر بصوت منخفض. وفي اللحظة نفسها، تبعتها إلينا بسرعة. صعدت إلى الحافلة دون أن تدفع. توقفت للحظة قصيرة بعد دخولها، وكأنها استوعبت ما فعلته للتو. هذا لم يكن من عاداتها أبداً. لكن عقلها كان مرهقاً أكثر من أن يفكر في الأمر. تقدمت بهدوء وجلست قرب النافذة. الحافلة كانت هادئة بشكل مريح. فقط بعض نبرات الصوت المتقطعة تمر أمامها، وصوت المحرك القديم الذي يهتز تحت المقاعد. أما هي… فكانت تنظر عبر الزجاج بشرود. الأضواء تمر سريعاً. والمباني تختفي واحدة تلو الأخرى. همست لنفسها بصوت خافت: — "أتمنى ألا تلاحظ أمي شيئاً… أتمنى ذلك." رفعت يدها ببطء، ثم سحبت شعرها إلى الأمام لتخفي تلك الندبة الخفيفة الممتدة قرب عنقها. بعد مدة… توقفت الحافلة أخيراً. نزلت إلينا بهدوء، ثم سارت عبر الشارع حتى وصلت إلى المنزل. وقفت أمام الباب للحظات قصيرة. ثم دخلت. — "أمي…" رفعت إيفا رأسها بسرعة من داخل الصالة. — "إلينا!" وفي اللحظة التالية، خرجت كلارا من المطبخ وهي تبتسم براحة واضحة. — "تفضلي، ارتاحي أولاً." ابتسمت إلينا بخفة. — "شكراً." جلست على الأريكة وأرخت جسدها بتعب واضح، قبل أن تقترب منها إيفا وتسألها بقلق: — "كيف حال صديقتك الآن؟" رفعت إلينا زاوية فمها بابتسامتها المقلوبة المعتادة. — "أفضل مما كانت عليه." تنهدت إيفا براحة، ثم التفتت نحو المطبخ قائلة: — "كلارا، أحضري الغداء بسرعة." جاءها صوت كلارا باستغراب: — "الآن؟" — "نعم." — "دعيني فقط أعيد تسخينه كي لا يكون بارداً." — "هيا بسرعة." تنهدت كلارا باستسلام ودخلت إلى المطبخ. وبقيت إلينا مع إيفا في الصالة. سألتها إيفا وهي تراقبها باهتمام: — "كيف وقع الحادث أساساً؟" ترددت إلينا لثانية قصيرة. ثم قالت بهدوء: — "على حد علمي… كان حادث سيارة. والد صديقتي كان يقود بسرعة." وضعت إيفا يدها على فمها بصدمة خفيفة. — "يا إلهي… كان يجب أن يكون أكثر حذراً." أومأت إلينا بهدوء دون إضافة شيء آخر. وفجأة… فُتح باب المنزل بسرعة. دخلت فتاة تحمل مفاتيحها بيدها وهي تقول بحماس: — "مرحباً!" أمالت إلينا رأسها بهدوء فور رؤيتها. — "آه… هذه فيكي." توقفت الفتاة مكانها بانبهار واضح. — "إلينا؟! هل أتيتِ أخيراً يا ابنة خالتي؟!" أشاحت إلينا وجهها قليلاً مصطنعة الجدية. — "لا تخافي… إن أردتِ سأرحل فوراً." — "ماذا؟!" ركضت فيكي بسرعة من خلف الأريكة وعانقت إلينا بقوة. — "ما الذي تقولينه أساساً؟! لن أسمح لكم بالرحيل أبداً، فهمتِ؟" تعالت ضحكاتهم داخل المنزل. لكن بعد ثوانٍ، دوّى صوت كلارا من المطبخ بنبرة غاضبة قليلاً: — "فيكي! تعالي وساعديني!" أطلقت فيكي تنهيدة طويلة. — "آه يا أمي… لقد وصلت للتو!" — "تعالي فوراً، وكفى تذمراً!" ضحكت إلينا بينما ركضت فيكي نحو المطبخ باستسلام. وبقيت هي وإيفا تتبادلان الضحك بهدوء. ®®® بعد قليل… اجتمعوا جميعاً حول المائدة. الجو أصبح أكثر دفئاً. أصوات الملاعق. الضحكات الخفيفة. ورائحة الطعام الساخن التي ملأت المكان. وفي النهاية، اتكأت إلينا على الكرسي وهي تضع يدها فوق بطنها بتعب مصطنع، بينما تركت شعرها ينسدل خلف المقعد. — "آه… أشعر أنني انفجرت من كثرة الطعام." ضحكت فيكي فوراً: — "ليست مشكلتنا أنك تأكلين كثيراً!" تعالت ضحكات الجميع. أما إلينا فوقفت باشمئزاز مصطنع وهي تشير إليهم بملل: — "استمروا بالضحك… ثقيلون جداً." ثم أضافت وهي تتمدد بتعب: — "سأذهب للنوم، أنا مرهقة… وعلى أي حال، الأسبوع القادم سأعود إلى إيطاليا." اختفت الابتسامات قليلاً. قالت فيكي بحزن واضح: — "إلينا… لماذا ترحلين دائماً بهذه السرعة؟ ابقي قليلاً." نظرت إليها إلينا لثوانٍ. ثم قالت ببرود ساخر: — "لأن البقاء معكم أكثر من هذا قد يقتلني." ساد الصمت لثانية… ثم انفجر الجميع ضاحكين بصوت أعلى من السابق. وفي تلك الليلة… نام المنزل أخيراً بهدوء. لكن إلينا… لم يكن عقلها هادئاً كما بدا للجميع. :::