عندما سامحت نفسي
📖
في بعض المعارك...
لا يكون العدو شخصًا آخر.
ولا تكون المشكلة في الظروف.
ولا حتى في الماضي.
أحيانًا...
تكون المعركة بين الإنسان ونفسه.
وهذه كانت أصعب معركة خاضتها أسماء.
مرت الشهور.
وأصبحت حياتها أكثر هدوءًا.
عادت إلى دراستها.
اقتربت من عائلتها أكثر.
وأصبحت صلاتها جزءًا لا يتجزأ من يومها.
كل شيء كان يتحسن.
لكن رغم ذلك...
كان هناك شيء صغير ما يزال يؤلمها.
شيء لم يره أحد.
شيء كانت تخفيه في أعماق قلبها.
اللوم.
كانت قد سامحت الكثير من الأشخاص.
سامحت من خذلها.
وسامحت من جرحها.
وسامحت من رحل دون تفسير.
لكنها لم تكن قد سامحت نفسها بعد.
وفي إحدى الليالي...
كانت جالسة وحدها في غرفتها.
والهدوء يملأ المكان.
فتحت نافذتها.
ودخل هواء الليل البارد.
رفعت رأسها نحو السماء.
وبدأت تفكر في كل ما مر بها.
الأيام الجميلة.
والأيام الصعبة.
الضحكات.
والدموع.
الأشخاص الذين بقوا.
والأشخاص الذين رحلوا.
ثم توقفت عند سؤال واحد فقط:
"لماذا ما زلت أعاقب نفسي؟"
ساد الصمت.
وكان ذلك السؤال أثقل من كل الأسئلة السابقة.
كم مرة قالت لنفسها:
"لو أنني لم أفعل ذلك."
"لو أنني انتبهت أكثر."
"لو أنني اخترت طريقًا آخر."
"لو أنني كنت أذكى."
لكنها فجأة أدركت شيئًا مهمًا جدًا.
أنها كانت تحاسب طفلة...
بعقل فتاة ناضجة.
كانت تلوم نفسها على أشياء حدثت عندما لم تكن تملك الخبرة التي تملكها اليوم.
كانت تطلب من نفسها القديمة أن تعرف ما تعرفه الآن.
وذلك لم يكن عادلًا.
أبدًا.
شعرت بدموع دافئة تتجمع في عينيها.
لكنها لم تكن دموع حزن.
بل دموع فهم.
فهمت أخيرًا أنها كانت إنسانة.
وأن الإنسان يخطئ.
ويتعلم.
وينضج.
ولا يولد كاملًا.
وضعت يدها على قلبها.
وأغمضت عينيها.
ثم قالت بصوت مرتجف:
"لقد تعبت من لوم نفسي."
لأول مرة...
اعترفت بذلك.
اعترفت أنها حملت فوق كتفيها ذنبًا أكبر من حجمه.
واعترفت أنها كانت قاسية على نفسها أكثر من أي شخص آخر.
وفي تلك الليلة...
وقفت للصلاة.
وبعد أن انتهت...
جلست على سجادتها.
رفعت يديها إلى السماء.
وقالت:
"يا رب...
إذا كنت قد غفرت لي...
فعلمني كيف أغفر لنفسي."
ثم بكت.
بكت طويلًا.
لكن تلك الدموع كانت مختلفة.
كانت تشبه المطر بعد سنوات من الجفاف.
وكان قلبها يخف مع كل دمعة.
وكأن حملًا قديمًا يغادرها أخيرًا.
مرت الأيام بعد ذلك.
وأصبحت تنظر إلى نفسها بطريقة جديدة.
لم تعد ترى أخطاءها فقط.
بل أصبحت ترى قوتها أيضًا.
ترى الفتاة التي نهضت بعد سقوطها.
وترى الفتاة التي ابتعدت عن كل ما يؤذيها.
وترى الفتاة التي عادت إلى ربها رغم كل شيء.
وترى الفتاة التي لم تستسلم.
وفي إحدى الأمسيات...
وقفت أمام المرآة.
كما فعلت مرات كثيرة من قبل.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
ابتسمت لنفسها.
ابتسامة صادقة.
ثم قالت:
"أنا فخورة بك."
لم تكن جملة كبيرة.
لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يرتاح.
لأنها أخيرًا...
سامحت نفسها.
وأدركت أن الماضي لم يعد سجنًا.
بل أصبح درسًا.
وأدركت أن الله لم يكتب لها كل تلك التجارب لتضيع.
بل لتتعلم.
وتكبر.
وتصبح أقوى.
وفي تلك اللحظة...
شعرت ملاك أن بابًا جديدًا انفتح أمامها.
بابًا يقود إلى مستقبل مختلف.
مستقبل لا تحكمه الذكريات.
ولا الخيبات.
ولا الخوف.
بل الأمل.
وكان ذلك الأمل...
بداية ملاك الجديدة.
🌷