الفصل الرابع عشر
مرام
الخوف والارتباك ملأ سيارة الجمس. خالتي غالية وبناتها العنود ولينا بدوا يصرخون ويبكون برعب من شوفة الأسلحة وذياب اللي واقف بـ هيبته قدام السيارة كأنه أسد يحمي عرينه. أبوي سيف كان يرجف من الغضب والخوف، وعيونه تدور بالمكان كأنه جرد محشور في زاوية.
أبوي سيف صرخ بـ جنون على السواق: "ادعسسسس! ادعسه يالحمار لا توقف! اقلب السيارة فوقهم!"
السواق التفت وهو ميت رعب ويدينه ترتجف على المقود: "أنت صاحي يا سيف؟! هذا ذياب آل عساف ومعه رجال وسلاح! لو تحركت خطوة واحدة بـ يرمينا بالرصاص ويموتنا كلنا بالسيارة!"
ذياب مشى بخطوات ثقيلة وواثقة لين صار جنب شباك السواق، وضرب بالرشاش على القزاز بقوة صدمت السواق، وصاح بصوت رجولي حاد هز أركان الجمس: "افتح الباب يا سيف وانزل.. والله العظيم لو ما نزلتوا بـ كرامتكم لأقلب ه الجمس قبر لكم كلكم اليوم! انزل يالنذل!"
أبوي سيف لما شاف إن ما فيه مفر، التفت علي وعيونه حمراء كأنها جمر، ومسكني من العباية بقوة وسحبني لـ جهته، ورفع سلاحه الرشاش وحطه على رأسي!
أنا انخرشت وثبت بمكاني، وقلبي يدق بقوة لدرجة حسيت أنفاسي انقطعت.
غالية صرخت بـ رعب: "سيف! وش قاعد تسوي بـ البنت يالمجنون؟!"
أبوي سيف وعابه الكبرياء والشر، صرخ بـ غل: "انطمي! هذي الورقة الرابحة اللي بـ تطلعني من هنا! هذي بنت عمتهم ملاذ، وبـ نشوف ذياب بـ يطلق علي وهي بـ حضني؟!"
فتح أبوي باب الجمس ونزل وهو ماسكني من رقبتي بـ يده القوية وضاغط بالسلاح على رأسي، ومخليني واجهة قدامه عشان يحتمي فيني.
أول ما نزلنا، طاحت عيني بـ عين ذياب. ذياب أول ما شافني بـ العباية والشماغ ملفوف على وجهي، جمدت عيونه وتغيرت ملامحه من الغضب إلى صدمة وخوف حقيقي أول مرة يبان بـ عيونه!
صقر وحمد رفعوا أسلحتهم بـ سرعة وصقر صاح بـ تهديد: "نزل سلاحك يا سيف! نزل السلاح ولا تلعب بالنار!"
أبوي سيف ضحك بـ جنون وهو يرجع لـ ورا وسحبني معه: "تخسون أنتم وياه! خطوة واحدة زيادة وبـ أفرغ الرشاش براس بنيتكم مرام! ذياب.. تبي رأس أبو مشعل والعصابة؟ خذهم واشبع فيهم، بس خلوني أمشي أنا وبناتي، وإلا والله العظيم بـ تذبحون بنت عمتكم بـ يدكم!".
حمد طارت عيونه وبهمس لصقر: "مرام؟! يعني فارس طلع هو مرام بـ الفعل؟! بنت عمتي ملاذ هذي؟!"
ذياب كان واقف ومثبت نظراته بـ عيوني.. العيون الباكية والخائفة اللي طالعت فيه بـ رعب. ذياب نزل سلاحه بـ بطء، ورفع يده بـ هدوء وقال بـ صوت دافئ وحاد بـ نفس الوقت، نبرة هزت كياني: "سيف.. اترك البنت.. مشكلتك وأخذ تارك معي أنا.. البنت ماله دخل بـ قذارتك وسوالفك.. اتركها وواجهني كـ رجال!".
أنا كنت أطالع بـ ذياب والدموع تنزل من عيوني غصب عني، وكنت أقول بـ قلبي: "يا ليتني مت قبل ه اللحظة ولا أشوف نفسي رخيصة بـ يد أبوي ومصدر تهديد
..................................................:
أبوي سيف كان يشد على رقبتي لـ درجة حسيت إني بـ أختنق، وصوته كان يصارخ بـ أذني: "أقولك وخرررر يا ذياب! خل السواق يحرك الجمس وبناتي يركبون، وأنا بـ أخذ مرام معي لـ برا الديرة، ولما أضمن إني أمنت عمري بـ أرميها لك بـ الطريق! غير ه الكلام ما عندي!".
ذياب ناظر صقر بـ لمحة عين سريعة وخفية يفهمونها عيال عساف بـ الطاير. صقر بـ ذكاء بدأ يتحرك بـ خطوات خفيفة وبطريقة دائرية عشان يصير ورا ظهره سيف بدون ما يحس. حمد بدأ يتكلم بصوت عالي عشان يشتت انتباه أبوي: "اسمع يا سيف! حنا عايلة آل عساف، لو لمست شعرة من البنت والله العظيم لو تروح لـ آخر الدنيا بـ نجيبك ونقطعك! نزل السلاح واطلب الكفن لـ نفسك أفضل لك!".
أبوي سيف التفت بـ غضب على حمد وصاح: "انطم أنت و..."
وفي ه اللحظة اللي تشتت فيها انتباه أبوي، ذياب بـ سرعة البرق وفزعة عيال عساف، هجم لـ قدام وبـ حركة محترفة وسريعة مسك ماسورة الرشاش حق أبوي ورفعها لـ فوق!
طلقت رصاصة عشوائية بالهواء لعلعت بالبر وهزت المكان!
أنا استغليت الفرصة وطحت بالأرض ركض عنهم، وصقر بـ نفس اللحظة هجم من الخلف على أبوي سيف وطرحه بالأرض وثبت يدينه بـ قوة، وحمد جاء يركض وسحب الرشاش من يد أبوي ورماه بـ عيد.
أبوي سيف كان يصارخ ويسب بـ جنون وهو مثبت بالأرض تحت يدين صقر وحمد.
أما أنا.. فـ كنت طايحة على الرمل وأبكي بـ هستيريا وخوف من ه الموقف المرعب، والشماغ طاح من وجهي وبان وجهي الحقيقي بـ الكامل بـ ضوء الشمس الدافئ اللي بدأ يشرق على البر.. وجهي الأسمر الخفيف، وعيوني الواسعة المليانة دموع وحزن، وشعري البوي القصير المتناثر على جبهتي.
ذياب ترك أبوي وجاء يركض يمي، ونزل على ركبه بـ الأرض عندي، ووجل ملامحه الحادة كانت مليانة خوف وقلق مو طبيعي. مد يدينه الثقيلة والدافية ولمس كتوفي بـ حنان، وصوته الرجولي كان يرجف بـ نبرة أول مرة تطلع منه: "مرام.. مرام أنتِ بخير؟ جاك شيء؟ أمك ملاذ بـ انتظرك بالرياض.. خلاص انتهى الكابوس يا بنيتي..".
طالعت بـ عيونه القريبة مني، ولأول مرة حسيت بـ الأمان اللي انحرمت منه طول عمري ٢٠ سنة.. حسيت إن ه الرجل بـ يكون سندي وحمايتي..
بس بـ نفس الوقت، تذكرت قذارة أبوي والسر الكبير، وغمضت عيوني وطحت بـ حضن ذياب مغمى علي من كثر التعب والخوف والكتمة..
ذياب شالني بـ يدينه بـ قوة وحضني لـ صدره، وصاح بـ صقر: "صقرررر! اربطوا سيف وخذوا الجمس وأهله، وأنا بـ أخذ مرام بسيارتي اللكزس وبـ نطير لـ مستشفى الرياض بـ أسرع وقت! البنت تعبانة!".