الفصل الثالث عشر
مرام
وصلت البيت وأنا ألهث، دخلت من الباب الخلفي وسكرته بـ مهد قفل الحديد وأنا حاطة ظهري عليه وأتنفس بـ صعوبة. فصخت البشت والشماغ وطاحوا مني على الأرض، ورحت ركض لغرفتي وفتحت المشد بـ سرعة وأنا أحس إني كنت بـ أموت من كتمة الصدر والخوف.
جلست على الأرض وأنا أرتجف وأبكي بـ صوت مكتوم: "يا ربي وش هالمصيبة.. ذياب ذكي و عيونه كأنها تقرأ اللي بـ داخلي، لو رجع وسأل بـ الحارة بـ يكتشف إن سيف ما عنده عيال عيال، وعنده بس مرام المنبوذة.. يارب تستر علي وتعدي ه الأيام على خير".
ما أمداني أهدأ، إلا وأسمع صوت حركة قوية بـ الصالة، وصوت خالتي غالية وهي تتكلم بـ عصبية مع أبوي سيف: "أقولك يا سيف، البنات شافوا سيارات فخمة عند حارة الشباب، ويقولون رجال كشخة يسألون عن واحد اسمه فارس! أنت وش مهبب؟! لا يكونون ذول من عايلة ملاذ وجايين يفتشون ورا البنت؟"
أبوي سيف رد عليها بـ صوت يرجف من الخوف والغضب: "انطمي يا غالية! آل عساف لو عرفوا مكاننا بـ يذبحوني بـ سبب القضية القديمة وبـ سبب اللي سويته بـ ملاذ.. أنا كلمت أبو مشعل، ويقول بكرة بـ الليل فيه عملية نقل أخيرة، وبـ ناخذ فلوسنا ونحاش من ه الديرة كلها لـ مكان محد يعرفنا فيه!".
سمعت كلامهم وجمد الدم بـ عروقي.. أبوي يبي يهرب، ويبي ياخذني معاه لـ جهنم ثانية! والأقشر من كذا، إن ذياب وعايلتي بـ الرياض صاروا قريبين مننا بـ حارة واحدة بس.
..................................................:
في نفس الوقت بـ الرياض (قصر الجد عساف)
كانت الأجواء بـ القصر مليانة غموض و ترقب. شذى كانت قاعدة بـ غرفتها، تروح وتجي بـ توتر، ومسكت جوالها و دقت على حمد.
أول ما رد حمد، شذى بـ لهفة وخوف: "حمد! تكفى قولي وش صار معكم بـ الديرة؟ ذياب لقى الشاب الملثم؟ وش قال له؟"
حمد بـ تحلطم وقهر: "إي لقاه يا شذى، وطلع الولد يشتغل مع عصابة المخدرات بـ الفعل، وطلع ولد سيف النذل اللي عمتي ملاذ كانت متزوجته! بس ذياب طول معاه بـ السيارة ولما نزل الولد كان يركض وهو يبكي.. وذياب من بعدها وهو قالب وجهه وما ينطق بـ كلمة، كأن الولد سحر له بـ عيونه!".
شذى بـ صدمة وقلبها يدق: "ولد سيف؟! يبكي؟! حمد تكفى، الولد هذا ملامحه وشلونها؟ صدق إنه مجرم؟"
حمد: "ما شفنا وجهه، لساته متلثم وما يبان منه شيء.. بس ذياب يقول بكرة بـ ينهي ه السالفة بـ نفسه".
قفلت شذى الجوال وهي بـ حالة ضياع، وهمست بـ دموع: "أنت مين يا فارس؟ كيف تكون ولد سيف المجرم وتنقذ حياتي بـ ه الشجاعة؟ مستحيل تكون مجرم.. مستحيل!".
أما خلود، فـ كانت قاعدة بـ الصالة الثانية مع أمها فوزية، وتسمع كلام حمد بـ مكر، وقالت لـ أمها: "يمه.. ذياب بـ يروح بكرة الديرة عشان ينهي السالفة.. وش رايك نخليه يروح و نرسل معاه أغراض لـ أهل الديرة بـ حجة الصدقة؟ عشان أقدر أركب معاه بـ السيارة وأكون قريبة منه بـ ه الرحلة ومحد يشك فيني!".
فوزية بـ خبث: "كفو يا بنيتي، الحين أروح لـ ورود وأقنعها بـ السالفة".
..................................................:
يوم الثلاثاء (المغرب في ديرة مرام)
كنت قاعدة بـ المطبخ أصلح العشاء لـ خالتي غالية وبناتها، ودموعي تنزل بـ صمت مع كل حبة بصل أقطعها. العنود ولينا دخلوا المطبخ وناظروني بـ قرف كالعادة.
لينا بـ غطرسة: "هييه أنتِ يا مسترجلة.. خلصينا بـ العشاء، نبي نلحق نقعد بـ الحوش الجو حليو اليوم".
العنود بـ شماتة: "أصلاً شكلها بـ تموت من الخوف، لأن أبوي يقول بكرة بـ ننقل من ه الخرابة ونروح مكان بعيد.. يعني بـ تظلين تخدمينا طول عمرك ولا بـ تشوفين الشارع مرة ثانية!".
طالعتهم بـ برود وسكت، ما تدري بـ المصيبة اللي فوق رؤوسنا كلنا.
مر الوقت وصارت الساعة تسع بـ الليل. الجو كانأبشري من عيوني يا مرام، الحماس الحين وصل لأعلى مرحلة! ذياب صار عنده فضول وشك مو طبيعي، ومرام رجعت للبيت وهي ميتة خوف من أن تنكشف الحقيقة.
...............................:
مرام
كنت أركض وأنا أتعثر بثوبي وبشتي، والدموع مغرقة وجهي من تحت الشماغ. أنفاس ذياب ونظراته الحادة كانت كأنها تلحقني بالظلام. دخلت الحارة ركض ومن الباب الخلفي للبيت صكيته بكل قوتي وسندت ظهري عليه وأنا ألهث وأصيح بصوت مكتوم.
فسخت البشت والشماغ وجلست على الأرض الباردة وأنا أرتجف، طالعت في المراية المكسورة اللي بالصالة الطينية، ومسكت وجهي: "يا ربي.. ذياب كان بيفك الشماغ! كان بيعرف إني بنت! لو عرف إني مرام وش ب يسوي؟ ب يكرهني لأن أبوي سيف دمر عائلته وقتل أهله!".
مسحت دموعي بسرعة لما سمعت صوت كشكشة برا، قمت بسرعة ودخلت غرفتي وفكيت المشد القاسي عن صدري، وحسيت كأن روحي ردت لي بعد كتمة طويلة. لبست جلال الصلاة وقعدت بالزاوية وأنا أسمع صوت أبوي سيف وهو يدخل البيت ومعه خالتي غالية وبناتها العنود ولينا، وكانوا يتكلمون بصوت واطي وفي حركتهم ارتباك وخوف.
أبوي سيف كان يصارخ بـ وجه غالية: "أقولك آل عساف بالديرة! ذياب وصقر عيال عساف يدورون وراي! البارح كانوا عند المصنع المهجور واليوم شفت سيارتهم اللكزس واقفة عند استراحة عيال الحارة! أكيد يدرون عني وعن الشحنة!".
غالية شهقت بخوف: "يمه منك يا سيف! وش جابهم هنا؟ لا يكون ذياب يبي ينتقم لأبوه وأمه؟! حنا وش دخلنا.. أنت اللي ورطت نفسك مع رئيس العصابة الكبير!".
أبوي سيف دفها بغضب: "انثبري ياحرمة ولا تصيحين! حنا لازم نطلع من الديرة هذي ب أسرع وقت، بكلم رئيس العصابة يتدبر لنا مكان نختفي فيه، ولازم ناخذ البنت (مرام) معنا عشان لو ذياب مسكنا، نساومه ب بنت عمته ملاذ!".
أنا بـ غرفتي تجمد الدم ب عروقي! أبوي يبي يهرب ب هالسلاسة، ويبي يخليني رهينة أو وسيلة ضغط على ذياب وآل عساف! سكرت فمي ب يديني وأنا أبكي ب قهر.. هذي العائلة اللي عشت معهم عمري كله، يعاملوني كأني ولد، والحين يبون يبيعوني عشان ينقذون رقبة أبوي المجرم!
..................................................:
في نفس الوقت (داخل سيارة ذياب)
ذياب كان يسوق وهو ساكت، وعيونه الحادة مركزة على الطريق وملا محه كانت قاسية ومتوترة ب شكل غريب. صقر وحمد كانوا راكبين وراه بسيارتهم ولحقوه لين وقفوا عند أطراف الديرة تحت نخلة قديمة.
نزل ذياب ونزلوا صقر وحمد وجوا عنده.
حمد بقهر: "ذياب! وش صار معك؟ وش قال لك ه البثر فارس؟ وليش خليته ينزل وينحاش ب ه السهولة؟!"
ذياب ناظر حمد بـ نظرة حادة خلت حمد يسكت، وتنهد ذياب ب ضيق وقال: "الولد هذا.. قال إنه ولد سيف من زوجته الثانية غالية، ويقول إن مرام أخت الصغيره من زوجته الأولى المطلقة (ملاذ)".
صقر عقد حواجبه ب ذكاء: "ولد سيف وغالية؟! ذياب.. عمتي ملاذ لما تطلقت من سيف وهربت، حنا نبشنا ورا سيف، والمعلومات اللي عندنا تقول إن سيف ما جاب من زوجته الثانية إلا بنتين! (العنود ولينا).. ما عنده ولد اسمه فارس أبدًا!".
ذياب أول ما سمع كلام صقر، لف عليه ب سرعة وجمدت عيونه ب صدمة: "وش تقول يا صقر؟! متأكد إن ما عنده عيال أولاد؟!"
صقر ب إصرار: "والله العظيم متأكد يا ذياب! سيف عقيم ما يجيب أولاد، وبناته ثنتين بس من غالية، ومرام هي بنته الوحيدة الكبيرة من عمتي ملاذ! يعني ه الفارس هذا.. كذااااب! وقاعد يصرفك!".
ذياب تذكر دموع "فارس" لما كان بالسيارة.. وتذكر كيف كان يرتجف لما ذياب قرب يبي يفك الشماغ.. وتذكر جسمه النحيف وضآلة حجمه ورقة عيونه اللي فيها بريق يذبح.. وفجأة طرأت على بال ذياب فكرة مجنونة، فكرة خلت قلبه يدق ب قوة جنونية و و وجهه يتغير!
طالع في صقر وهمس ب صوت يرتجف من الصدمة: "صقر.. معقولة.. معقولة فارس هذا.. يطلع.. يطلع بنت؟! معقولة فارس هو نفسه.. مرام؟!".
..................................................:
حمد طارت عيونه وصاح بـ أعلى صوته: "بنتتتت؟! تستهبل يا ذياب! هذا فارس اللي كسر خشمي بالدباب وهزمني قدام العرب يطلع بنت؟! لا مستحيل! وين عضلاته وصوته الخشن وبشته؟!".
صقر مسك كتف ذياب وهو مذهول: "ذياب.. كلامك خطير.. لو طلع فارس هو مرام، يعني بنت عمتنا ملاذ عايشة ب الديرة ب صفة ولد؟ وليه تسوي كذا ب نفسها؟!".
ذياب وعيونه تلمع ب ذكاء وإصرار مرعب: "سيف مجرم.. وأكيد يعاملها كذا عشان يخفيها عن عيوننا، أو يبي يتاجر فيها.. وتذكرت كلام أخوياه بالاستراحة، يقولون كتموم وما يرضى يفك لثامه عند أحد ويختفي ب الليل! أنا لازم أتأكد ب نفسي.. بكرة الصباح بنهجم على بيت سيف ونكشف المستور كله!".
..................................................:
يوم الثلاثاء (الصباح في بيت مرام)
صحيت وأنا حاسة ب كتمة ب صدري، الوضع بالبيت كان قايم قاعد. غالية والعنود ولينا يجمعون ملابسهم ب أكياس كبيرة وبشنط قديمة وبحالة رعب.
أبوي سيف دخل الصالة وهو يشيل سلاحه الرشاش ويصرخ: "بسرعة! رئيس العصابة أرسل لنا سيارة جمس و واقفه ورا الحارة، بنطلع الحين قبل لا يصحون أهل الديرة!".
خرجت من غرفتي ب لبسي العادي، وطالعت فيهم ب برود: "وأنا؟".
أبوي سيف مسكني من يدي ب قوة وسحبني: "أنتِ ب تجين معنا يا مرام! وفصخي ملابس العيال هذي، البسي عباية وتلثمي كأنك بنت، ما نبي شوشرة ب الطريق!".
طالعت فيه ب قهر وقهرني ب كلامه: "الحين تذكرت إني بنت؟ طول عمري تقص شعري وتخليني مسترجلة، والحين تبيني ألبس عباية عشان سواد عيونك؟!".
أبوي سيف عطاني كف قوي على وجهي طيحني الأرض وصرخ: "انثبري يالكلبة والبسِ واخلصي علينا!".
قمت وأنا عيوني تطلع شرار، دخلت غرفتي وأخذت عباية قديمة حقت غالية، لبستها وتلثمت، وطلعت معهم. خرجنا من الباب الخلفي للبيت ب حذر، والظلام لسى جالي ب أطراف الديرة لأن الشمس لسى ما اشرقت تماماً.
وصلنا ورا الحارة وشفنا سيارة "جمس سوداء ومظللة" واقفة وباني عليها الخوف. فتح الحارس الباب وركبنا كلنا ب سرعة، وأبوي سيف قال للسواق: "حرك ب أسرع وقت يالطيب، اطلع من الديرة صوب الخط السريع!".
الجمس تحركت بسرعة جنونية وقامت تغبر بالمكان.. وأنا كنت أطالع من الشباك المظلل ب حزن وقهر، وأقول ب قلبي: