الفصل الثاني عشر
مرام
مشيت ورا "ذياب" بـ خطوات ثقيلة كأني أمشي لـ حبل المشنقة. الشباب (بدر وطارق وراكان وذيب) كانوا واقفين عند باب الاستراحة بـ حالة صدمة وذهول مو طبيعية، يناظروني بـ نظرات عتب وخوف.. ما لومهم، صدمتهم فيني كبيرة بعد ما سمعوا طاري المخدرات من رجال بـ هيبة ذياب آل عساف.
ذياب فتح لي الباب الأمامي لـ سيارته اللكزس السودة بـ برود قاسي، ركبت وأنا أسمع صوت ركبتي وهي ترتجف غصب عني. ركب ذياب بـ هيبته و صك الباب بـ قوة هزت السيارة، وحرك بـ هدوء بدون ما ينطق بـ كلمة واحدة. صقر وحمد ركبوا سيارتهم الجيب ومضوا ورا الفروة يراقبون من بعيد بـ طلب من ذياب عشان يعطيه مساحة يحقق معي.
الهدوء داخل السيارة كان يذبح.. صوت التكييف البارد وريحة العطر الفخم حقت ذياب ملأت المكان. أنا كنت ضامة يديني لـ صدري (المشدود بـ قوة) وطالعة من الشباك بـ برود، بس من داخلي كنت أحترق وأدعي بـ قلبي: "يا ربي سترك.. لا تخليه يكتشف إني بنت.. لا تخليه يشيل الشماغ!".
بعد عشر دقائق من المشي، وقف ذياب بـ مكان مقطوع بـ أطراف الديرة، بين طعوس الرمل والهدوء القاتل. طفى السيارة، والتفت بـ جسمه كله يمي، وسند ظهره على الباب وهو يتأملني بـ عيون حادة مثل السكاكين.
ذياب بـ صوت رجولي حاد وهادي: "الحين حنا لحالنا.. فك اللثام يالطيب عشان نعرف نتكلم وجيه بـ وجيه".
خشنت صوتي بـ كل ما أوتيت من قوة وقلت بـ جمود: "أنا ما أفك لثامي عند أحد.. قفل السالفة وقول وش عندك، ماني فاضي لك".
ذياب ضحك بـ استهزاء وعيونه تطلع شرار: "مشالله.. راعي مخدرات، وتهاجم الناس بـ الليل، ولسانك طويل بعد؟! اسمعني زين يا فارس.. البارح بـ المصنع المهجور، أنا شفتك بـ عيني وأنت تنبه أبو مشعل وعصابة المخدرات! أنت تدري ه العصابة مين؟ هذي العصابة اللي قتلت أمي وأبوه بـ دم بارد من سنين! وأنا حالف يمين ما أرتاح لين أجيب وجيهم تحت رجلي.. أنت وش علاقتك بـ أبو مشعل؟ ومنهو رئيسكم الكبير الكشخة اللي كان لابس بدلة البارح؟ انطق!"
أنا حسيت بـ غصة بـ حلقي.. يعني أبوي سيف وعصابته هم اللي قتلو أهل ذياب! طالعت في عيونه الحادة وشفت فيها كمية وجع وقهر على أهله خلت قلبي يعورني عليه.. بس ما أقدر أتكلم! لو تكلمت بـ أنكشف وأبوي بـ يذبحني وذياب بـ يكرهني.
قلت بـ صوت خشن ونبرة باردة: "أنا مالي شغل بـ قتل أحد.. أبوي سيف غصبني أروح البارح مع أبو مشعل عشان أنقل كراتين.. أنا مجرد عامل عندهم، ولا أعرف منهو رئيسهم ولا أعرف قضية أهلك!".
ذياب أول ما سمع اسم "سيف"، جمد في مكانه كأنه انصعق بـ كهرباء! عيونه طارت وتقدم يمي بـ سرعة ومسكني من كتوفي بـ يدينه الثقيلة وهو يصارخ بـ صدمة هزت السيارة: "أنت ولد سيف؟! سيف الـ*** اللي ساكن بـ ه الديرة؟! تكلم!"
أنا انخرشت من ردة فعله وهزيت رأسي بـ رعب: "إي.. أنا ولده".
ذياب رجع لـ ورا وهو يتنفس بـ صعوبة ويناظرني بـ نظرات غريبة.. نظرات مختلطة بـ صدمة وقهر وذهول، وهمس لـ نفسه: "ولد سيف؟.. عمتي ملاذ تقول إن سيف ما عنده إلا بنت اسمها مرام تركها بالديرة.. أنت من وين طلعت؟! سيف عنده ولد اسمه فارس؟!"
..................................................:
عند سيارة صقر وحمد (واقفين من بعيد)
حمد كان يطالع بـ سيارة ذياب بـ حماس ويتحلطم: "يا صقر، ذياب طول مع ه البثر! تهقّى يضربه؟ والله ودي لو كنت معه عشان أبرد حرتي من السالفة حقت الدباب".
صقر وعيونه على السيارة بـ قلق: "انثبر يا حمد.. ذياب مو رايح يطقطق، ذياب يدور ورا قضية عمره.. بس تدرين وش اللي محيرني؟"
حمد: "وشو؟"
صقر: "الولد هذا (فارس).. ملامحه وجسمه ونحفه.. فيه شيء غلط! والبارح لما انحش بين البيوت الطينية، انحش بـ ممرات ضيقة صوب بيت سيف بـ الضبط.. تهقّى يكون ولد سيف من زوجته الثانية غالية؟"
حمد بـ عدم اهتمام: "ما همني ولد مين، المهم إن ذياب يربيه ويعرفنا وين مكان العصابة".
..................................................:
داخل سيارة ذياب
أنا (مرام) جمدت من الخوف لما سمعت ذياب ينطق بـ اسم أمي (عمتي ملاذ) واسمي الحقيقي (مرام). عرفت إن الخيوط بدأت تنكشف، لو ذياب راح لـ بيت أبوي سيف بـ يسأل عن "فارس" وغالية بـ تقول له ما عندي ولد اسمه فارس! وحقيقتي بـ تطلع على طول.
حاولت أداري توتري، وخشنت صوتي وقلت بـ برود يقهر: "أنا ولد سيف.. وأمي غالية.. ومرام هذي أختي الكبيرة من زوجة أبوي الأولى اللي هجت وتركتها.. ارتحت الحين؟ اتركني أنزل".
ذياب ظل يناظر عيوني بـ شك مو طبيعي. تقرب مني أكثر، لـ درجة إن أنفاسه الحارة جت على شماغي المتلثمة فيه، ورفع يده بـ بطء متجهة لـ وجهي وقال بـ نبرة حادة و دافية بـ نفس الوقت: "كلامك ما دخل رأسي.. عيونك هذي.. عيونك مو عيون ولد! عيونك فيها بريق غريب ونظرات شفتها بـ البر بـ وجه الولد اللي أنقذ شذى.. وفيها حزن يكسر الخاطر.. أنا بـ فك الشماغ هذا وبـ شوف وجهك بـ نفسي!".
أنا بـ ه اللحظة انخرشت ودموعي تجمعت بـ عيوني من الرعب غصب عني، وسحبت نفسي لـ ورا وصحت بـ صوت مخشن ومبحوح من الخوف: "لا تلمسنيييي! والله لو لمستني لـ أذبح نفسي الحين!".
ذياب جمدت يده بـ الهواء لما شاف دموعي تلمع من ورا اللثام.. حس بـ غصة بـ قلبه ورعشة غريبة هزت كيانه.. ليش ه الولد الملثم يخليه يضعف كذا؟ ليش يحس بـ رغبة بـ حمايته بدال ما يذبحه وهو يشتغل مع العصابة؟
نزل يده بـ تنهيدة قوية وفتح قفل الأبواب وقال بـ صوت حاد: "انزل.. انزل يا فارس.. الحين بـ أخليك تروح.. بس والله ثم والله، لو عرفت إنك تكذب علي بـ كلمة واحدة، أو إنك تساعد أبو مشعل بـ شحنة ثانية، لأكون أنا أول واحد ينهي حياتك بـ يدي هذي.. امشِ من قدامي!".
فتحت الباب بـ سرعة ونزلت وأنا أتعثر، ورحت أركض بـ البر متجهة لـ حارتنا والدموع مغطية وجهي.. كنت أركض وأنا أقول بـ قلبي: "يا ربي.. ذياب شك فيني.. وعيلتي يدورون علي.. وأبوي يبي يوديني لـ جهنم.. أنا وين أروح بـ نفسي؟!".
ذياب ظل يناظرني من شباك السيارة وأنا أركض في الظلام، وحط رأسه على المقود وهو يتنفس بـ قوة وهمس: "مين أنت يا فارس؟.. مين أنت؟!".