ياغروري الي من شافها ذاب ونسى كل العالم - الفصل الثامن - بقلم مرام محمود | روايتك

اسم الرواية: ياغروري الي من شافها ذاب ونسى كل العالم
المؤلف / الكاتب: مرام محمود
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن

الفصل الثامن

مرام ​مرت الساعات بعد ما طلع أبو مشعل من بيتنا وأنا جالسة في غرفتي، ضامة رجولي لصدري وأسمع صوت دقات الساعة اللي بالصالة وكأنها دقات قلبي اللي تبي تطلع من مكانها. الخوف كان يأكلني أكل، هذي أول مرة أنجبر أدخل في قذارة أبوي وشغله بالمخدرات. كنت أفكر: "يا ربي لو انمسكت وش بيمسح عاري؟ أنا بنت مو ولد.. لو كشفوا حقيقتي في السجن أو عند الشرطة وش ب يسير فيني؟" ​قمت وأنا أرتجف، رحت للمراية المكسورة اللي بغرفتي، طالعت في عيوني.. العيون اللي قالوا عنها كل العائلة إنها تشبه عيون أمي "ملاذ" اللي تخلت عني. تنهدت بقهر ودموعي نزلت غصب عني، مسحتها بقسوة وخشنت ملامحي. أخذت المشد ولفيته على صدري بقوة أكبر من كل مرة لين حسيت إن عظام صدري بتنكسر وأنفاسي ضاقت، بس ما همني، الوجع الجسدي أرحم بكثير من وجع الروح. لبست الثوب الواسع، وفوقه البشت الأسود اللي يغطي نحفي، ولفيت الشماغ على وجهي بإتقان ما يظهر إلا عيوني الحادة والباكية. ​طلعت من باب الخلفي كالعادة الساعة تسعة ونص بالليل. الجو بالديرة كان مظلم وظلامها دامس يخوف، والبيوت الطينية والخرابات كأنها وحوش واقفة. مشيت بخطوات ثقيلة ومرتبكة متجهة للمصنع المهجور اللي بأطراف الديرة. هذا المصنع مسكر من سنين، ومحد يقرب منه لأن الناس تقول عنه مسكون، بس طلع مسكون بعصابات أبوي. ​وصلت وشفت سيارة "هايلوكس" قديمة ومطفية أنوارها واقفة بظلال الجدار الطيني. نزل منها أبو مشعل وهو يدخن سيجارته، والتفت علي وبصوت خافت ومرعب قال: "جيت يا فارس؟ زين إنك ما تأخرت، لأن رئيس العصابة الكبيرة بنفسه بيشرف على هالشحنة.. اسمع، الحين بتوصل سيارة فخمة، فيها الشحنة الكبيرة، حنا بننزل الكراتين من سيارتهم ونحطها بـ هايلوكس حقتنا، وأنت وظيفتك تقعد مراقب عند البوابة الكبيرة، لو شفت أي حركة أو نور سيارة غريب تصفر وتجي تركض، فاهم يادلوخ؟" ​هزيت رأسي وأنا كاتمة صوتي: "فاهم". رحت وقفت عند البوابة الحديدية المصداية، وقلبي يدق بقوة، ويديني من تحت البشت من كثر التوتر والبرودة كانت ترتجف. ​..................................................: ​في نفس الوقت بالديرة (سيارة اللكزس السودة) ​ذياب كان يسوق بهدوء ومطفي أنوار السيارة، ومعه صقر بالمرتبة اللي جنبه. كانوا واقفين في مكان مرتفع يشرف على مدخل الديرة. صقر وهو يناظر من الدربيل (المنظار): "ذياب، أنا ماني مرتاح.. الديرة هذي هادية بزيادة، وأخويا فارس قالوا إنه يجي من هنا.. بس شف، فيه سيارة هايلوكس دخلت قبل شوي صوب المصنع المهجور اللي هناك". ذياب التفت بحواجب معقودة ونظراته الحادة مثل الصقر: "المصنع المهجور؟ هذا المكان حنا نراقبه من فترة من ضمن الأماكن اللي تتنقل فيها العصابة اللي نبيها.. صقر، تتوقع خوينا فارس له علاقة؟" صقر: "ما أدري يا ذياب، بس كل شيء جايز.. تبي نروح نشوف؟" ذياب دعس بنزين خفيف وتحركت اللكزس بسكون كأنها شبح بالظلام: "بنقرب من المصنع ونمشي كاعيين (مشي على الأقدام) عشان محد يحس بنا.. الليلة بنكشف المستور". ​..................................................: ​عند المصنع المهجور ​مرت عشر دقائق، وفجأة سمعت صوت سيارة فخمة جاية من بعيد. انكمشت ورا الجدار وأنا أطالع، وصلت سيارة "جيمس سوداء" ومظللة بالكامل. وقفت عند أبو مشعل ونزل منها رجال لابس بدلة سوداء وشكله ذو منصب و هيبة، ومعه اثنين حراس مسلحين! أبو مشعل نزل رأسه باحترام: "أهلاً يا سيدي.. الشحنة جاهزة؟" الرجال صاحب البدلة بصوت حاد: "جاهزة.. هذي أكبر شحنة مخدرات تدخل المنطقة، انقلوها بسرعة وبدون شوشرة، والفلوس بتتحول لحسابكم بكرة". ​بدوا الحراس يفتحون دبة الجيمس ويطلعون كراتين مغلفة بقوة ويحركونها لسيارة أبو مشعل. أنا كنت أطالعهم ومذهولة من حجم الإجرام.. أبوي وسيف وكل هالعالم عايشين على تدمير الشباب. وفجأة.. وأنا أطالعهم، لمحت بظلال الليل، عند السور الخارجي للمصنع، حرككة غريبة! فيه شخصين قاعدين يقربون بخطوات سريعة وخفيفة، ومعاهم سلاح! انخرشت وقفلت عيوني وفتحتها.. ركزت بالنظر مع ضوء القمر الخفيف، وصدمتي كانت زلزال هز كياني! الرجل اللي متقدم ولابس ثوب أسود وعيونه حادة مثل السيف.. هذا هو نفسه الرجل اللي كان بالبر وجمدت عيوني بعيونه! هذا "ذياب عساف"! ومعه صقر! ​وش جابهم هنا؟! هل هم من الشرطة؟ أو يبون العصابة؟ عرفت إنهم لو تقدموا أكثر، الحراس المسلحين اللي مع راعي البدلة بيشوفونهم وبيطلقون عليهم النار ويموتون! بدون ما أفكر، وبدافع خوف غريب على ذياب وصقر، نسيت الخطة، وطلعت من ورا الجدار وصرخت بأعلى صوتي المخشن: "هيييييييه! انحش يا أبو مشعل! فيه كبسة! فيه أحد براااااا!" ​الكل فز! راعي البدلة صرخ: "تباً! الحراس اطلقوا النار!" بدأ إطلاق النار العشوائي بالمكان، وصوت الرصاص يلعلع بالجو! أبو مشعل ركب الهايلوكس ودعس وهو يصيح: "اركب يا فارس!" لكني ما لحقت عليه، الهايلوكس مشت بسرعة جنونية وقامت تغبر بالمكان. الجيمس السوداء حقت العصابة كمان حركت وطارت بالجهة الثانية. ​أنا قمت أركض بكل قوتي متجهة للظلام ورا المصنع عشان أنحاش، وفجأة.. حسيت ببدن ضخم يهجم علي من الخلف وطحت على الرمل بقوة، وفيه يد قوية مثل الحديد مسكت يديني وثبتتني بالأرض، وجسم ثقيل صار فوقي كبس على أنفاسي! رفعت عيوني المخنوقة بالخوف، وشفت وجه ذياب قريب مني لدرجة أسمع أنفاسه الحارة وهو يصارخ فيني بغضب وعيون حمراء: "مسكتك يالكلب! الحين بتقول لي مين أنت وش علاقتك بالعصابة اللي قتلت أهلي!"