النحلة الطنانة
عملية "النحلة الطنانة"
(من ملفات المخابرات المصرية – قصة مختصرة)
تمهيد: الرجل الذي لم يكن موجوداً
في صيف 1982 بعد حرب لبنان بشهور
تلقى العميد عزمي، رئيس فرع العمليات الخاصة بالمخابرات المصرية، رسالة مشفرة من مصدر في أوروبا الشرقية:
«السويدي يبيع العسل في فيينا.
ثمن البرطمان: مليون دولار. النحلة طنانة لكنها حقيقية».
"السويدي" كان اسمًا رمزيًا لمهندس باكستاني يدير ملفات سرية في مشروع "الطائرة الإسلامية" بمساعدة تقنية من عدة دول.
المشروع كان طموحًا لتطوير طائرة مقاتلة متوسطة
لكن الأهم أن فيه تقنيات غربية مسروقة ومعدلة.
وكانت إيران هي المشتري الخفي.
أما "النحلة الطنانة" فكانت شريحة إلكترونية صغيرة بحجم ظفر الإصبع تتحكم بنظام تحديد الأهداف في أحدث صاروخ جو-جو غربي.
هذه الشريحة كانت ممنوعة تماماً على مصر بعد كامب ديفيد
لكنها كانت حاجة ماسة لتحديث صواريخ الميج-21 المصرية.
وضع العميد عزمي الملف أمامه.
لم يصدق سهولة العرض.
مهندس باكستاني يبيع أسرار برنامج طائرات إسلامي؟ لإيران؟
ثم يعرضها على مصر؟ قال لمساعده وهو يفكر بعمق:
«إما هذا فخ إسرائيلي، أو هو مجنون.
أو الأفضل من الاثنين:
رجل يريد المال ولا يهمه من يشتري».
وبعد قتله من التفكير
قرر إرسال أفضل ضابط لديه.
رجل لم يظهر اسمه الحقيقي في أي وثيقة.
اسمه الحركي: "حازم".
مهندس إلكترونيات سابق، متخصص في الاختراق التقني.
هادئ، لا يلفت الانتباه، لكنه يتحدث الفارسية والباكستانية بطلاقة.
كان سلاحه ليس مسدساً، بل قدرته على جعل الرجال يثقون به.
بدأت العملية.
الفصل الأول: الخلية
اللقاء الأول – فيينا
في مقهى صغير في حي "ليوبولدشتات" التركي
جلس حازم في انتظار رجل لم يره قط. المكان مختار بعناية:
بعيد عن السفارات، قريب من مسجد، حيث يشعر "السويدي" بالراحة.
دخل رجل في الخمسين، نحيف، بلحية كثيفة، يرتدي بدلة بنية اللون رخيصة وعيناه قلقتان.
جلس مباشرة وقال دون مقدمات:
«أنت من يريد شراء النحلة؟»
ابتسم حازم ابتسامخ باهته وقال:
«أنا من يريد التأكد من أنها تطير أولاً».
أخرج الرجل علبة سجائر ومن تحت البطانة شريحة صغيرة ملفوفة بغلاف بلاستيكي.
وضعها على الطاولة وكأنها عود ثقاب
وقال بثقة:
«هذه عينة. خمسة في المئة فقط من المخططات.
أعطوني عشرة آلاف دولار، وخلال أسبوعين أحضر لكم الباقي.
أو لا صفقة».
فحصها حازم تحت الطاولة بعدسة مكبرة مدمجة في قلمه.
عرف على الفور أنها أصلية.
كان هذا إما أحمق يبيع بلاده أو عميل مزدوج ولكنه طرد تاكو الأفكار سريعا وهو يقول له:
«أحتاج إلى ضمانات.
أعطني اسم وسيطك في طهران».
تجهم وجه الباكستاني فجأه وقال بغضب:
«أنت لست مشترياً. أنت مخبر»
وقام ليغادر.
لكن حازم أمسك بذراعه بهدوء وقال بحزم:
«اجلس. أنا لست مخبراً.
أنا من سيدفع لك مليون دولار
لكني لا أدفع لقرد في غابة.
أريد أن أعرف من أنت».
كانت هذه الخطوة التي غيرت اللعبة. جلس الباكستاني ونظر له بصمت للحظات ثم همس:
«اسمي ظافر. كنت كبير مهندسي الاختبارات في البرنامج.
طردوني بتهمة الاختلاس 'السرقة' التي سرقتها منهم لا تساوي شيئاً مقارنة بما أعرفه.
أريد الخروج من هذه اللعبة.
مليون دولار، وأختفي في البرازيل».
نظر حازم في عينيه طويلاً.
فرأى مزيجاً من الجشع والخوف والإحباط.
كان هذا رجلاً محترقاً وهؤلاء هم أخطر من يُجندون.
وهنا قال له حازم:
«سأعطيك عشرة آلاف اليوم. وفي خلال عشرة أيام، تلتقي بي في اسطنبول ومعك باقي العينة.
إذا ثبتت صحتها، نتفق على طريقة التسليم النهائي والسعر».
تصافحا.
خرج ظافر أولاً
اما حازم فإنتظر عشر دقائق ثم غادر. في الطريق إلى الفندق، أبلغ القاهرة برسالة مشفرة:
"النحلة حقيقية. السويدي لاذغ.
لكنه يريد أن يلسع من باعوه.
نحن بحاجة إلى خلية نحل كاملة."
جمع العسل
في الأيام التالية
اكتشف حازم الخلفية الكاملة لظافر. كان الرجل عبقرياً إلكترونياً
لكنه كان مدمناً للقمار. خسر ثروات في كازينوهات لندن فسرق أموال المشروع
ثم هرب قبل أن يكتشفوا.
الآن هو مطارد من الباكستان ومن إيران ومن شركة أمنية أوروبية تحمي حقوق التقنيات المسروقة.
يريد الهروب نهائياً.
هذه النقاط الضعف جعلته خطراً
لكنها جعلته أيضاً قابلاً للاستغلال. أرسل حازم إلى القاهرة توصية:
"لا ندفع مليوناً.
ندفع ثلاثمئة ألف فقط، ونقدم له لجوءاً سياسياً وهمياً في دولة أفريقية
ثم نأخذ كل شيء ونتخلى عنه.
الرجل سيوافق لأنه لا خيارات لديه".
وافقت القاهرة. لكنهم طلبوا إضافة: بدلاً من أن نشتري الشريحة فقط، لماذا لا نستغله للحصول على قائمة العملاء الإيرانيين للتقنيات المسروقة؟
هذه القائمة ستكون سلاحاً للضغط مستقبلاً.
وهكذا تحولت العملية من شراء بسيط إلى عملية تجسس معقدة.
الفصل الثاني: المتاهة
الكمين في اسطنبول
التقيا في فندق عائم على البوسفور.
كان ظافر متوتراً يمسك حقيبة جلدية وكأن فيها قنبلة وهو يقول:
«لدي كل شيء. المخططات الكاملة للشريحة، دليل التشغيل، ورموز البرمجة.
لكني أريد أن أرى اللون الأخضر أولاً».
"اللون الأخضر" كان يعني النقود.
اخرج حازم حقيبة صغيرة وفتحها أمامه.
تحتوي على مئة ألف دولار نقداً.
«هذه دفعة أولى. الباقي عند تسليم القائمة أيضاً».
تغير وجه ظافر فجأه وقال بحنق:
«ما القائمة؟ لم نتفق على هذا».
أخرج حازم ورقة ووضعها على الطاولة
وقال بحزم:
"أريد أسماء كل من اشترى هذه التقنية في الشرق الأوسط. الإيرانيين بالتفصيل. مواعيد التسليم. أرقام الحسابات".
ضحك ظافر ضحكة عصبية وقال:
«هذا انتحار.
إذا عرفوا أني سربت هذا سأجد رصاصة في رأسي قبل أن أصل إلى البرازيل».
رد حازم ببرود:
«وإذا لم تعطني، ستجد رصاصة في رأسك قبل أن تغادر هذا الفندق.
ليس مني بل من عملاء إيران الذين يعرفون أنك هنا في اسطنبول.
نحن فقط من يستطيع حمايتك».
كانت هذه لحظة الحقيقة.
ظافر أدرك أنه وقع في فخ أعمق مما ظن.
ليس مع مصر فقط
بل مع كل من لعبه.
ولم يكن أمامه سوى التعاون.
بكى الرجل.
نعم بكى مثل طفل.
ثم كتب القائمة بخط يده المرتجف.
الانعطاف
نقلت القائمة إلى القاهرة عبر قنوات آمنة.
تحليلها كشف شبكة واسعة من المهربين التكنولوجيين يعملون بين أوروبا وإيران وباكستان.
لكن الأهم:
واحد من الأسماء كان تاجر أسلحة مقيم في دبي
وكان يتعامل أيضاً مع إسرائيليين.
هذا الاكتشاف غير الهدف من العملية.
لم تعد مجرد الحصول على شريحة
بل أصبحت محاولة لاختراق شبكة التاجر الإسرائيلي باستخدام ظافر كورقة ضغط.
أرسل العميد عزمي تعليماته الجديدة لحازم:
«لا تدفع الباقي. أمسك ظافر.
اجعله يوافق على التعاون المزدوج. سيتصل بالتاجر الإسرائيلي كأنه يريد بيع الشريحة له
بينما نراقب كل شيء. هذا أهم من الشريحة نفسها».
حازم عرف أن هذا يعني أن ظافر أصبح فريسة محتومة.
لن يصل إلى البرازيل أبداً
شعر بقليل من الشفقة
لكنه تجاهل هذا فوراً.
في هذه المهنة الشفقة تقتل.
الفصل الثالث: سقوط الستار
المؤامرة في دبي
تم نقل ظافر إلى دبي تحت حراسة مشددة، في شقة آمنة.
جلس حازم معه وأخبره بالخطة الجديدة
رفض ظافر بشدة وصرخ:
«هذا انتحار مؤكد! أنتم تستخدمونني كطعم!»
رد حازم بهدوء:
«نعم، أنت طعم.
لكنك طعم محمي.
أما إذا رفضت، فسنتركك في الشارع، وسيكون الإيرانيون أو الباكستانيون أو الإسرائيليون في انتظارك.
اختر.»
لم يكن هناك خيار. وافق ظافر على الاتصال بالتاجر الإسرائيلي، واسمه "إيلي دفير"، وعرض عليه شراء الشريحة مقابل 700 ألف دولار.
وافق دفير بحماس، وطلب معاينة العينة في دبي.
تم ترتيب اللقاء. حازم وزملاؤه وضعوا كاميرات في كل زاوية.
كان الهدف الحقيقي ليس القبض على دفير
بل تصويره وهو يتعامل في تقنيات مسروقة
لاستخدام ذلك كورقة ضغط عليه مستقبلاً.
الكشف
يوم اللقاء، جاء دفير برفقة اثنين من حراسه الشخصيين.
لم يكن يعلم أن الغرفة مراقبة. ظافر قدم له العينة وفحصها دفير بطرف عينه
ثم قال بالخبث اليهودي المعهود:
«جيدة
لكني أريد أن نغير مكان التسليم النهائي.
في عمان بعد أسبوعين».
وافق ظافر بلسان مرتعش.
عندها التقطت الكاميرات لقطة واضحة لدفير وهو يدفع مبلغ 50 ألف دولار "عربوناً".
بعد مغادرة دفير، هرع حازم إلى غرفة المراقبة. شاهدوا اللقطات.
كانت كافية لابتزاز دفير أو كشفه إذا أرادوا.
لكن المفاجأة كانت على النقيض. بعد ساعات، اتصل دفير على هاتف ظافر وقال بصرامه:
«الصفقة ملغاة.
لقد عرفنا أنك تعمل مع المصريين. لسنا أطفال يا هذا
مستوى أمانك أصبح صفراً.
إختفي فوراً إذا كنت تعرف ما هو جيد لك».
تم اختراق العملية.
كيف عرف دفير؟ تحليل لاحق أظهر أن جاسوساً إماراتياً في الفندق لاحظ الكاميرات الخفية وأبلغ دفير مقابل رشوة.
الهروب الأخير
في تلك الليلة، هرب ظافر من الشقة. لم يعرف حازم كيف
لكنه تمكن من الفرار ربما كان لديه خطة احتياطية خاصة به.
اختفى أثره تماماً. لم يعثر عليه المصريون ولا الإيرانيون ولا الباكستانيون.
أما إيلي دفير
فقد أوقفته السلطات الإماراتية بعد عام بتهمة غسل أموال
لكن تم الإفراج عنه بعد ضغوط أمريكية.
التداعيات
فشلت المرحلة الثانية من العملية
لكن الأولى نجحت. الشريحة التي حصل عليها حازم في فيينا وصلت إلى القاهرة
وبعد تحليلها استطاع المهندسون المصريون تطوير نظام توجيه مشابه محلياً خلال 18 شهراً.
كان هذا انتصاراً تقنياً.
لكن فقدان ظافر - وعدم معرفة إن كان حياً أم ميتاً - ظل لغزاً.
بعض المصادر قالت إنه شوهد في البرازيل بعد سنوات.
أخرى قالت إن إيران اغتالته.
لم يُعرف الحقيقة أبداً.
أما حازم، فقد عاد إلى القاهرة، وكتب تقريره النهائي بعنوان:
«النحلة طارت بلا عسل».
قرأه العميد عزمي وابتسم وقال:
«لا يا حازم النحلة وصلت.
العسل الذي أردناه كان في جوفها
أما بقية الخلية فستأتي يوماً».
لم تأتِ أبداً.
خاتمة سريعة
ثلاثة أشخاص تورطوا في العملية:
· ظافر : مهندس خائن، اختفى مثل الغبار.
دفير: تاجر إسرائيلي، واصل تجارته القذرة في الخفاء.
حازم: ضابط مجهول، لا يُذكر اسمه في أي وثيقة رسمية.
وظلت "عملية النحلة الطنانة" واحدة من أنجح عمليات الاختراق التقني للمخابرات المصرية، وأيضاً واحدة من أكثرها غموضاً.
ععلم بها القليل، وما عُلم كان كافياً لبناء فيلم أكشن قصير.
لكن الواقع، كما تعلم، أطول وأكثر تعقيداً من أي فيلم.
وبعض الأبطال لا يحصلون على نهاية سعيدة.
بعضهم يختفي ببساطة.
كما اختفى ظافر. وكما اختفى حازم بعد تقاعده في مدينة ساحلية هادئة، حيث لا يعرف جيرانه أنه كان يوماً
"النحال" الذي استخرج العسل من لسعات الأفاعي.
النهاية
بقلم
محسن سالم