السنونو الاعرج
عملية "السنونو الأعرج"
(من ملفات المخابرات المصرية) (٢٨)
---
ثلاث رسائل
في صباح ضبابي من يناير 1998
كان العميد سمير وجيه يرتب أوراقه على مكتبه الخشبي الضخم ذلك المكتب الذي ورثه عن ثلاثة رؤساء قبله
وكان يحتفظ في درجه السري بمسدس رولز الذهبي الذي لم يستخدمه قط
وفجأة انطلق جهاز الفاكس العتيق في ركن الغرفة وهو جهاز لم يستخدم منذ أشهر لإن الجميع تحول إلى البريد الإلكتروني
خرجت منه ورقة بيضاء ساخنة كتب عليها بخط مزخرف غريب:
السنونو الذي لا يهاجر في الشتاء يكسر جناحه عمداً ليخدع الصياد ثم يزحف على بطنه إلى القش
قرأها سمير مرتين ثم اتصل بمساعدته إيمان الجندي قال لها بلهجة آمره:
تعالي واصطحبي معك طارق الرشيدي وليأت بقارئ الطالع الخاص به لأن هذه المرة الريح لا تهب من الشرق ولا الغرب بل من أعماق البحر
دخل طارق بعينه الواحدة كعادته دون استئذان
أخذ الورقة وشمها ثم وضعها تحت مجهر متنقل أخرجه من جيب معطفه بعد دقيقة قال بصوت آلي:
الورق صنع في سويسرا الحبر فرنسي الصنع
لكن طريقة الكتابة عسكرية روسية الرسالة ليست طلب شراء ولا تهديد ولا حتى عرض تعاون هي اعتراف
سأله سمير وهو يعقد حاجبيه:
إعتراف بماذا؟
أجاب طارق ممسحاً عينه الزجاجية بقطعة قماش سوداء:
شخص ما في هذا البلد يريد أن يخون جهازه
لكنه يخاف فكتب لغزاً لينظر من يقرأه الأحمق سيرميه
والقارئ الجيد سيجري بحثاً عن سنونو أعرج في فبراير
هنا تدخلت إيمان وكان صوتها صارما وهي تقول:
أو ربما هو فخ من الموساد ليختبروا مدى يقظتنا بعد قصة كاتز
نظر إليها سمير ثم قال مبتسماً:
لهذا أحبك يا إيمان أنتِ تشكين حتى في خيالك
---
الفصل الأول الرجل الذي حلم بالجنوب
من يكون السنونو الأعرج هو رجل في الأربعينيات من عمره أصوله صعيدية
لكنه تربى في الإسكندرية اسمه الحقيقي يوسف كمال ويعمل في إدارة الإشارات السرية بالمخابرات المصرية
مكانته متواضعة فني صيانة أجهزة لاسلكي لكنه كان شاهداً على كل شيء
لمدة عشرة أعوام كان يوسف الأكثر هدوءاً في القسم لم يطلب ترقية قط لم يشتك من راتب لم يثر ضجة
يأتي في السابعة صباحاً وينصرف في الثالثة
لا يعرف زملاؤه إن كان متزوجاً أو أعزباً ولا يهتمون
لكن في ديسمبر 1997 حدث تغير صورة من كاميرا مراقبة التقطته في مقهى شعبي بحي الزمالك وهو جالس مع رجل أجنبي ذي لحية حمراء الغريب دفع له ظرفاً بنياً
ثم غادر يوسف أخفى الظرف في حذائه
لم يبلغ عنه أحد لولا أن الكاميرا كانت تجربة جديدة لوحدة طارق الرشيدي
وكان يوسف لا يعلم أنه تحت المراقبة منذ شهور طارق لم يخبر أحداً بما رآه بل قرر أن يصطاد السمك بخيط طويل
---
غرفة العمليات تحت الأرض
تعال معي إلى قلب العاصمة ثمانية أمتار تحت مبنى الإذاعة القديم هناك قاعة مستطيلة بلا نوافذ جدرانها من الرصاص والصلب تسمى الغرفة الزرقاء
ليس لإن لونها أزرق بل لأن شاشات الكمبيوتر القديمة كانت تومض باللون الأزرق المخيف
في وسط الغرفة طاولة طويلة من خشب الجوز عليها سبعة هواتف بألوان مختلفة الأحمر للرئيس والأسود للخارجي والأبيض الداخلي والأصفر للطوارئ وفي الزاوية صورة للرئيس حسني مبارك مبتسماً
لكن ابتسامته في هذه الغرفة تبدو كتحدي
على الجدار الشرقي خريطة العالم مضاءة بمصابيح صغيرة
كل مصباح يمثل عميلاً مصرياً في الخارج ثلاثة منها كانت مطفئة منذ سنوات
لإن أصحابها ماتوا أو انشقوا في الركن الجنوبي مقعد يجلس عليه طارق الرشيدي لا يجلس عليه غيره
لإنه أخذه هدية من رئيسه السابق الذي قال له:
اجلس عليه يا طارق ستشعر بأعصاب كل عميل في جسدك
وهو ما كان يحدث فعلاً عندما يجلس طارق على ذلك الكرسي
كانت عينه الواحدة تدمع بلا سبب
دخلت إيمان الجندي الغرفة الزرقاء اليوم مرتدية بنطالها الكاكي وسترة جلدية سوداء وشعرها المقصوص بقسوة كجندي
وجلست مقابلة سمير وقالت بلا مشاعر:
لقد بحثت في أوراق يوسف وجدت شيئاً غريباً
يا سيدي
رفع سمير حاجبه الأيمن وهو يشعل سيجارة كاميل بدون فلتر ويقول:
ماذا وجدت؟
فتحت إيمان ملفاً أحمر وقرأت:
يوسف كمال له ابنة وحيدة اسمها نادين تدرس الطب في فرنسا
كان يرسل لها كل شهر مائتي دولار من راتبه الضئيل لكن منذ ستة أشهر تحسنت أحواله
فجأة دفع ثمن شقة في المعادي باسمها
واشترى سيارة ميتسوبيشي لانسر جديدة وفتح حساباً بنكياً في سويسرا
كل هذا براتب فني صيانة لا يتجاوز ثمانمائة جنيه شهرياً
نظر سمير إلى الدخان المتصاعد من سيجارته وكأنه يرى فيه أشباحاً ثم قال بصوت هامس:
إذاً السنونو كسر جناحه بالفعل
والسؤال الآن من الصياد؟
أجابت إيمان وابتسامة باهته على وجهها وعيناها تلمع:
الصياد ليس إسرائيلياً هذه المرة يا سيدي
اللحية الحمراء التي جلست مع يوسف تتحدث الفرنسية بلكنة جزائرية
وهذا يعني جبهة الإنقاذ الإسلامية أو الاستخبارات الجزائرية
أو ربما الإيرانيون يلعبون من بعيد
هنا قاطعها طارق الذي ظل صامتاً حتى الآن وقال بعينه الوحيدة المشرئبة:
أو ربما يوسف يعمل لحساب نفسه فقط
خائن بلا أوامر لأن الخائن بلا أوامر هو الأخطر لأنه لا يمكن شراؤه ولا ترويضه
إما أن يموت أو يهرب
---
اجتماع في قبو كنيسة مهجورة
قبل أن تبدأ العملية المصرية بثلاث ليال
دعنا نذهب إلى عمان عاصمة الأردن هناك في حي جبل الحسين
قبو كنيسة أرثوذكسية مهجورة منذ حرب 1967 سقفه منخفض وجدرانه مغطاة بالقذاره ورائحة الشمع القديم لا تفارقه
في هذا القبو اجتمع أربعة رجال
الأول ضابط استخبارات فرنسي يدعى ميشيل لوبلان يرتدي بدلة رمادية باهظة الثمن
لكن حذاءه بال من كثرة المشي فرنسا تريد معرفة كل شيء عن صواريخ مصر الجديدة بعد عملية القلب المفتوح
ففرنسا كما تعلم تبيع الأسلحة لمصر لكنها تتجسس عليها أيضاً لأن التجارة لا تمنع الخيانة
الثاني جزائري يدعى سمير بوقادوم عقيد في الاستخبارات العسكرية
له عينان زرقاوان في وجه أسمر وندبة على رقبته من طلقة قريبة
الجزائر تخشى أن تتحالف مصر مع المغرب ضدها لذلك تريد اختراق المخابرات المصرية بأي ثمن
الثالث إسرائيلي يدعى أبراهام شابير
لكنه لا يحمل جوازاً إسرائيلياً
بل بريطانياً ويعمل لحساب جهاز الأمن الداخلي الشاباك وليس الموساد شابير قصير القامة أصلع
لكن أصابعه طويلة كأصابع عازف بيانو
جاء ليتأكد هل المصريون استفادوا حقاً من شريحة كاتز أم أنهم فشلوا
الرابع والأخير كان متخلفاً عن الحضور مكانه
كان خالياً
لكن على الطاولة وضعوا له كوب قهوة تركية فارغاً لأنهم كانوا ينتظرون رجلاً من القاهرة
رجلاً لم يأتي بعد لكنهم سمعوا عنه الكثير
يوسف كمال
قال لوبلان الفرنسي بلهجة متغطرسه متعالية:
أنا لا أثق بهذا المصري
هل ندفع له مائتي ألف دولار وهو مجرد فني صيانة كيف لنا أن نضمن معلوماته
ابتسم بوقادوم الجزائري وكشف عن أسنانه الصفراء وقال بخبث:
لإنه يا عزيزي ليس فني صيانة عادياً
يوسف كان يركب أجهزة التنصت في غرفة الرئيس كان يسمع كل شيء وهو يبدل الأسلاك ويشرب الشاي في غرفة الاجتماعات
هو ليس جوهرة ثمينة لكنه مفتاح لباب خلفي كبير
أما أبراهام شابير فلم يتكلم طويلاً
اكتفى بتحريك قهوته بملعقة فضية صغيرة وقال ببرود:
سأدفع نصف المبلغ الآن والنصف عند أول مكالمة هاتفية مسجلة من داخل جهازهم
أنا لا أشتري سمكاً لم أره بعد
ضحك الثلاثة بصوت خافت
لكن ضحكتهم كانت باردة قاتلة لإن كل واحد فيهم كان يعرف أن الرجل الذي يريدون شراءه هو في الأصل فخ
لكن لا أحد منهم يعرف لمن ينتمي هذا الفخ
---
- من يكون الرجل الذي سيواجههم
اسمه أبو بكر شعراوي يحمل رتبة عقيد في إدارة الاستخبارات الحربية ولا يعرفه أحد
لإنه لا يظهر قط في الاحتفالات الرسمية وجهه عادي كوجه ملايين المصريين
أنف مائل قليلاً صلع مبكر أسنان صفراء من السجائر
يرتدي دائماً قميصاً أبيض غير مكوي وسروالاً رمادياً وحذاء أسود يلمعه بنفسه كل صباح
لكن خلف هذا المظهر المتواضع
يختبئ عقل لم تصنعه المخابرات بل صنعته السجون
نعم السجون
فأبو بكر قضى سبع سنوات في سجن ليمون العقابي بتهمة كيدية في عهد السادات
لم يكن جاسوساً ولا سياسياً
بل مهندس طيران اتهم بأنه خطط لتفجير طائرة رئاسية
التهمة كانت ملفقه
وحينما خرج من السجن وقد حفظ القرآن كله عن ظهر قلب وأتقن الروسية من معلم سجين سابق
وتعلم كيف يميز الكذاب من نظرة عينيه
عيناه هما سلاحه الحقيقي ليست عيناه اللتان تراهما
بل هناك عين ثالثة في مؤخرة رأسه
هكذا كان يقول لزملائه:
أستطيع أن أرى من يخطط لخيانتي قبل أن يخطط لنفسه
في يناير 1998 اختار العميد سمير أبا بكر لهذه المهمة
رغم أن أبا بكر كان متقاعداً منذ عامين ويعيش في بيت صغير بمدينة نصر يزرع الريحان على سطحه
اتصل به سمير في الثانية فجراً وهي عادته القديمة وقال له بلهجة خاصة:
تعال يا أبا بكر السنونو كسر جناحه
والبحر مليء بالقرش
لم يسأل أبو بكر عن التفاصيل
بل ارتدى قميصه الأبيض غير المكوي وغسل وجهه بماء بارد ومشى إلى مقر المخابرات
رغم أن ساقه اليمنى كانت تؤلمه من رصاصة قديمة
هكذا يبدأ الأبطال الحقيقيون ليسوا بملابس أنيقة أو أسلحة متطورة
بل بألم قديم وقلب لا ينام
---
مقهى على النيل قبل المعركة
في ليلة 14 فبراير 1998 عيد الحب الغربي كان أبو بكر جالساً في مقهى الشاطئ بالمعادي
الذي يطل على النيل مباشرة والمياه كانت هادئة
كأنها تعرف أن غداً سيكون يوماً عنيفاً
وعلى الطاولة المجاورة جلست إيمان الجندي ترتدي لأول مرة فستاناً أسود طويلاً وشعرها كان منسدلاً على كتفيها لأول مرة أيضاً
لم يكونا يعرفان أن أحداً سيراهما
لكن قارئ هذه القصة يعرف أن هذه الليلة كانت استثناءً ففي هذه المهنة لا حب ولا عيد حب ولا نيل هادئ
إلا عندما يكون الغد هو يوم الموت المحتمل
إيمان نظرت إلى النهر ثم إلى وجه أبي بكر الجريح وقالت بصوت خافت:
لماذا وافقت على العودة من التقاعد يا أبو بكر
أطفأ سيجارته في منفضة صغيرة عليها رسم فرعوني ثم قال مبتسماً:
لإنك سألتني يا بنتي
لم يقل ابنته حقيقة كان فارق العمر بينهما خمسة وعشرين عاماً
لكن إيمان كانت تعرفه منذ كانت طفلة صغيرة تحمل حقيبة مدرسية وتصرخ في وجهه:
لماذا لا تنام يا عم أبو بكر
الآن هي ضابطة وهو رجل عجوز يعرج ومشهد الجلوس على النيل في عيد الحب
كان أشبه بحلم لن يحدث مرتين
مدت إيمان يدها ووضعتها على يد أبي بكر المرتجفة (ليس من الخوف بل من الرصاصة القديمة التي تأثرت على أعصابه)
وقالت ودمعة تتلألأ على حافة عينها اليمنى:
بعد العملية سأشتري لك جهازاً لتخفيف الألم سأحضر لك سماعات طبية من ألمانيا
نظر إليها أبو بكر طويلاً
كان يعرف أنها لا تبكي أبداً لأنه لم يرها تبكي منذ التحقت بالمخابرات
لذلك كان هذا المشهد أغلى عنده من أي جائزة عسكرية
وهمس لها قائلا:
أنا لن أموت يا إيمان
فالسنونو الأعرج هو أنا وليس يوسف
أنا كسرت جناحي منذ زمن بعيد لأخدع الجميع
أما هم فسيأتون إلي لإنهم يظنونني عاجزاً
ضحكت إيمان باكية
ثم مسحت دمعتها بسرعة لإن أحداً من زملائها كان يمر بسيارته على كورنيش النيل
ولم يكن يجوز أن يراها ضابطة مخابرات تبكي
غادرت قبله بدقيقة واحدة
وتركت على الطاولة ورقة صغيرة مكتوباً عليها بخط يدها اقرأ الفاتحة لروح أمي ثم أحرقها
لم يفهم أبو بكر الرسالة حينها
لكنه فهم بعد ثلاثة أيام
---
المواجهة في المستودع المهجور
في 17 فبراير 1998 تمام الساعة العاشرة مساء
كان المستودع القديم لشركة غزل المحلة في منطقة شبرا الخيمة يضج بالظلام والغبار والرطوبة المكان كان معروفاً بين أطفال المنطقة باسم بيت الجن
لإن أحداً لم يدخله منذ عقدين
لكن في تلك الليلة دخلته أربع شخصيات حية
الأول يوسف كمال الفني الخائن يرتدي معطفاً بنياً ثقيلاً يحمل حقيبة جلدية تحتوي على تسجيلات صوتية لغرفة عمليات الرئيس المصري
الثاني سمير بوقادوم الجزائري يحمل مسدساً تشيكياً من عيار 9 ملم
الثالث ميشيل لوبلان الفرنسي خالي اليدين لكنه يرتدي سترة واقية من الرصاص
الرابع أبراهام شابير الإسرائيلي لم يأتِ بنفسه
بل أرسل بدلاً منه اثنين من عملاء الشاباك مستقرين في الأردن
ما لم يعرفه هؤلاء الأربعة أن أبا بكر شعراوي
كان في المستودع منذ الساعة السادسة جالساً على كرسي مكسور في زاوية مظلمة لا تصلها أي أشعة
كان يرتدي سترة صوفية سميكة
تخفي تحتها مسدسين وبندقية صيد صغيرة وقنبلتين يدويتين محليتي الصنع
كما لم يعرفوا أن إيمان الجندي كانت تجلس على سطح المستودع مع فريق من تسعة أفراد من وحدة الصاعقة المصرية
مزودين بأجهزة رؤية ليلية أمريكية الصنع
تم الحصول عليها من صفقة سرية مع الكويت
بدأت الصفقة بهدوء
وضع يوسف الحقيبة على طاولة صدئة بوقادوم فتحها وأخرج شريط كاسيت صغيراً وضعه في مسجل كان معه
فسمعوا صوت الرئيس مبارك وهو يأمر بتجهيز ضربة استباقية لأهداف في السودان
(التسجيل كان حقيقياً مئة بالمئة)
ابتسم بوقادوم وقال بجذل:
رائع إذاً يوسف يا صديقي
أنت رجل جدير بالثقة وسننقل باقي المبلغ إلى حسابك غداً
في هذه اللحظة تحديداً تحرك شيء ما في زاوية المظلمة اقترب الصوت الخفيف كصوت فأر
لكنه لم يكن فأراً
من هناك صرخ يوسف مرعوباً
ثم أطفأ أحد عملاء الشاباك الكشاف الذي كان بحوزته وبدأ الظلام الكامل
في الظلام سمعوا صوت أبا بكر وكأنه إمام يقرأ الفاتحة في جنازة قال بصوت هادئ مخيف:
بسم الله الرحمن الرحيم
أطلق بوقادوم رصاصة عشوائية باتجاه الصوت
لكن الرصاصة اخترقت جداراً صدئاً وأحدثت ثقباً دخل منه ضوء القمر الخافت
في لحظة الضوء تلك رآه بوقادوم جالساً على كرسيه لا يتحرك كتمثال
وكانت عيناه تتوهجان كعين ذئب
صرخ بوقادوم مرة أخرى:
من أنت؟
فقال أبا بكر ببطء صارم مخيف:
أنا الموت الذي كنتم تخافون منه في أحلامكم
أنا العقيد شعراوي أبو بكر شعراوي
وأنتم يا سادة في بلدي الآن
لم يكد يكمل جملته
حتى رفع يده اليمنى وضغط الزناد في مسدسه الأول أصابت الرصاصة كتف أحد عملاء الشاباك فصرخ وسقط على الأرض
وتناثر دمه على الحقيبة الجلدية
بوقادوم أطلق ثلاث رصاصات متتالية لكن أبا بكر كان قد قفز من الكرسي وتدحرج خلف طنكة حديدية قديمة
الرصاصات ارتطمت بالحديد محدثة صوتاً عالياً كصوت جرس كنيسة
ثم تدخلت إيمان من الأعلى
فأطلقت قنبلتين مسيلتين للدموع من فتحة في سقف المستودع الغاز الأبيض ملأ المكان بسرعة وتحولت الرؤية إلى صفر
لوبلان الفرنسي حاول الهروب من الباب الخلفي
لكن عند الباب كان ينتظره اثنان من الصاعقة المصرية أمسكاه من ذراعيه
وكبلاه كما يكبل الخروف
بوقادوم الجزائري رفض الاستسلام زحف إلى زاوية أخرى وأطلق النار بشكل عشوائي في الظلام
وهو يصيح بالفرنسية:
أنا لن أموت في هذا المكان القذر
هنا قام أبا بكر من جديد
خرج من خلف الطنكة الحديدية رغم أن الغاز المسيل للدموع كان يحرق عينيه ورئتيه
ومشى نحو الصوت بخطوات ثقيلة وعرجاء وقال بصوت هادئ مخيف:
اوقف أطلاق النار
بوقادوم لم يصب لكنه ارتعب لدرجة أنه أسقط مسدسه على الأرض
اركع ويدك لأعلي
قالها أبا بكر بصوت لم يسمع له مثيل
اركع بوقادوم أو سأقتلك وأرمي جثتك للكلاب
بوقادوم ركع ركع وهو برفع يده ببطء
وهو يرمقه بنظرة كراهيه
انتهت المعركة خلال سبع دقائق فقط
أربعة جرحى من طرف الأعداء (لا وفيات لإن الأوامر كانت اعتقالاً لا قتلاً)
ولا إصابات بين الفريق المصري باستثناء أن أبا بكر فقد عكازه أثناء القتال وتألمت ساقه كثيراً
لكنه لم يشتكي
طلب من إيمان كوب ماء فقط وشرب وهو واقف ينظر إلى يوسف كمال الذي كان مرتجفاً في الزاوية كطائر مكسور الجناح
اقترب منه أبو بكر وقال بأسى حقيقي:
أنت يا يوسف خنت بلدك لأجل شقة في المعادي وسيارة لانسر
لم ينطق يوسف حرفاً واحداً واكتفى بالبكاء
---
الخاتمة ماذا حدث لكل واحد
يوسف كمال حوكم عسكرياً وحكم عليه بالسجن المؤبد في سجن وادي النطرون
حاول الانتحار مرتين وفشل في عام 2005 أصيب بسرطان الكبد ومات بعد شهرين
لم يزره أحد في مرضه ولا في موته
سمير بوقادوم الجزائري تم تسليمه إلى السلطات الجزائرية مقابل صفقة تبادل أسرى سرية
لكن الجزائريين أعدموه رمياً بالرصاص بعد عام من وصوله بتهمة الخيانة العظمى
ميشيل لوبلان الفرنسي تم ترحيله إلى فرنسا بعد ضغوط دبلوماسية
لكن المخابرات الفرنسية أقالته وأحالته إلى التقاعد المبكر
يعيش الآن في منزل ريفي جنوب فرنسا ولا يستقبل أي زوار
أبراهام شابير الإسرائيلي هو الوحيد الذي نجا بلا عقاب لإنه لم يظهر في المستودع
لكن مصر أرسلت إليه رسالة عبر وسيط مفادها:
نحن نعرف شكل أسنانك من تقاريرنا السرية
لو أتيت إلى القاهرة مرة أخرى ولو للسياحة
سنقطع أصابعك الطويلة الواحدة تلو الأخرى
أبو بكر شعراوي بعد العملية عاد إلى بيته في مدينة نصر
واستأنف زراعة الريحان على سطحه رفض أي وسام أو ترقية أو مقابلة تلفزيونية وقال للعميد سمير:
أنا جئت لخاطر عيني إيمان
وليس لخاطر الأوسمة
في عام 2006 مات أبو بكر في نومه إثر نوبة قلبية
لم يحضر جنازته سوى سبعة أشخاص إيمان الجندي وطارق الرشيدي وسيدان من الجيران وثلاثة قطط كان يطعمها كل يوم
دفن في مقبرة العائلة بمدينة نصر وشاهد قبره كتب عليه بأمر من إيمان الجندي:
هنا يرقد سنونو كسر جناحه طواعية ليحمي عشه
إيمان الجندي ترقت إلى رتبة عقيد بعد عشر سنوات
وظلت عزباء طوال حياتها في درج مكتبها تحتفظ بصورة قديمة لأبي بكر
جالساً على كرسي مكسور في المستودع مبتسماً رغم الرصاص والغاز
وكتبت على ظهر الصورة:
هذا الرجل علمني أن الشجاعة ليست في إطلاق النار بل في الجلوس في الظلام
وأنت تعلم أن العالم كله يريد قتلك ومع ذلك تغمض عينيك وتدعو الله
طارق الرشيدي بعد العملية أمضى شهراً في بيته
لم يخرج منه لأنه اكتشف خطأ تقنياً صغيراً في خطة المراقبة جعل إيمان ترى المتهمين متأخرة خمس عشرة ثانية
كتب تقريراً من 160 صفحة يشرح فيه الخطأ رغم أن لا أحد طلب منه ذلك
ثم استقال من منصبه بعد عامين ومات في عام 2011 قبل الثورة المصرية بأيام قليلة
قيل إنه مات وهو جالس على كرسيه الخشبي في الغرفة الزرقاء تحت الأرض والشاشات الزرقاء كلها مطفأة
ويده اليمنى على صورة الرئيس المخلوع مبارك وكأنه يودعه
العميد سمير وجيه أحيل إلى التقاعد في عام 2000 لم يكتب مذكراته قط
لكنه روى القصة الكاملة لكاتب هذه السطور في ليلة ممطرة من شتاء 2010 في بيته بحي المهندسين قال لي وهو يشرب مشروبه المفضل لديه:
المخابرات المصرية يا بني تشبه النيل تجري بهدوء فوقها
لكن تحتها تيارات لا يعلم بها إلا الله ونحن
سألته:
هل انسر لك العملية كما حدثت
فقال لي بهدوء:
انشر ما شئت
لكن غير الأسماء كلها
إلا أسماء الأعداء لأن الأعداء يستحقون العار بأسمائهم الحقيقية
هكذا فعلت
---
النهاية الحقيقية
قصة عملية السنونو الأعرج لم تُنشر في أي جريدة مصرية قط لكن بعض الصحف الإسرائيلية تحدثت عنها عام 2007 بشكل مشوه
أما التفاصيل الدقيقة فما زالت محفوظة في أرشيف المخابرات المصريه
لإن بها أسراراً لا تزال ساخنة حتى اليوم
وبعض السنونوات تظل عرجاء إلى الأبد
لكنها تعرف كيف تطير تحت المطر بينما الطيور السليمة تختبئ
هكذا تعمل المخابرات الحقيقية
النهاية
بقلم من يسكن خلف سبعة أبواب
---
تمت بحمد الله
بقلم
محسن سالم