مجموعة قصص مخابرات - الجاسوس الاخير - بقلم محسن سالم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مجموعة قصص مخابرات
المؤلف / الكاتب: محسن سالم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الجاسوس الاخير

الجاسوس الاخير

"الجاسوس الأخير" من ملفات المخابرات المصرية (٢٦) --- الرجل الذي رأى كل شيء في ربيع 1988 كان العميد ماهر عبدالحميد رئيس قطاع العمليات بالاستخبارات الحربية جالساً في مكتبه المطل على النيل يتصفح تقريراً عادياً عن تحركات ميليشيا في جنوب لبنان وفجأة دق الهاتف الأحمر الخط المباشر مع مكتب وزير الدفاع رفع السماعة فسمع صوت الوزير هادئاً لكنه حازم ويشف عن خطورة الأمر: «تعال حالاً العميد ماهر. عندنا مشكلة اسمها إسرائيل تعرف ماذا سنأكل في الغداء قبل أن نشتريه من السوق». وقف ماهر وارتدى سترته العسكرية وهو يتمتم بدهشه مستنكره: «اختراق أمني؟ في مقر القيادة؟ مستحيل». بعد خمس عشرة دقيقة كان في مكتب الوزير. جلس أمامه ضابط شاب من وحدة الأمن الداخلي وجهه شاحب ويداه ترتجفان قدمه الوزير قائلاً: «هذا الملازم أول حسام مسؤول ملف الاتصالات المشفرة. قل له ما قلته لي». نظر حسام إلى ماهر بعينين مذعورتين ثم قال بصوت مذعور: «يا سيدي نحن نقرأ أوامرنا قبل أن نرسلها. إسرائيل تعرف تحركات قواتنا في سيناء بفارق ست ساعات. والأهم...» وتوقف فجأة فقال ماهر بلهجة آمره: «أكمل». «الأهم أنهم يعرفون تحركات سيادة الرئيس شخصياً. متى يخرج من قصره ومتى يعود وأين ينام في السفريات الرئاسية». ساد صمت ثقيل في الغرفة. قطعه الوزير قائلا ببطء: «هناك جاسوس. ليس في الغرفة المجاورة بل في غرفتنا. عميل داخل جهاز التشفير الرئيسي. أريدك يا ماهر أن تجده خلال أسبوع واحد وإلا فسنغير كل خططنا الدفاعية والعسكرية والرئيس يريد رأس من يفعل هذا». ونظر إلي العديد ماهر الذي لدي التركيه العسكرية وهو ينهض استعدادا للخروج خرج العديد ماهر من المكتب وهو يشعر بثقل الدنيا على كتفيه. الفصل الأول: الرجل الذي لا يريد شيئاً بدأ العديد ماهر التحقيق بالطريقة القديمة: قائمة بأسماء كل من لديه صلاحية الوصول إلى غرفة التشفير الرئيسية كانت القائمة قصيرة: اثنا عشر اسماً فقط سبعة ضباط وخمسة فنيين مدنيين. الأول في القائمة كان المقدم إبراهيم شكري رئيس وحدة التشفير نفسه: رجل في الأربعينات من عمره متزوج وله ثلاثة أطفال يصلي في الجامع ولا يتأخر عن العمل أبداً لم يترك مصر يوماً واحداً في حياته. الثاني كان الرائد سامح يونس نائب إبراهيم: شاب طموح خريج كلية حربية بتقدير امتياز حصل على دورات متقدمة في أمريكا وبريطانيا مدخن بشراهة ويحب كرة القدم. وبقية الأسماء: ضابطان صغيران وفنيان كبيران وثلاثة مشغلين ومهندس مدني اسمه شادي. وشخص آخر غريب: مسؤول التنظيف الذي يدخل الغرفة ليلاً. اسمه رمضان. أمي لا يقرأ ولا يكتب. عمره خمسون عاماً. خلال ثلاثة أيام، وضع ماهر كل هؤلاء تحت المراقبة المباشرة. لم يظهر أي شيء يدعو للشك: إبراهيم كان مثالياً للغاية. سامح كان طبيعياً. الفنيون ضجرون وروتينيون. أما رمضان فلم يكن موجوداً في الليل أبداً. نعم. كانت هذه هي المفاجأة الأولى. سأل ماهر مدير الإدارة: «أين رمضان ليلاً؟» قالوا له: «رمضان يعمل نوبتين صباحية فقط. النوبات الليلية لشخص آخر اسمه صبحي. وهذا هو العجيب: صبحي لم يأت إلى العمل منذ ثلاثة أسابيع. بدلوه مؤقتاً بشخص اسمه كمال». دق ناقوس الخطر في رأس ماهر. ثلاثة أسابيع. بالضبط منذ بدأ التسريب. طلب ماهر ملف صبحي وقرأه فاندهش صبحي: خمسون عاماً ويعمل في المبنى منذ عشرين سنة. لم يتأخر يوماً واحداً. ثم فجأة تقدم بطلب إجازة مرضية لمدة شهر واختفى. أين يقيم صبحي؟ في شقة بإمبابة. ذهب ماهر بنفسه ليلاً وفتح الشقة بمساعدة من الأمن الوطني. كانت خاوية تماماً. لا أثر لورقة واحدة ولا صورة ولا أي شيء. كأن أحداً محا وجود الرجل من على وجه الأرض. عندها عرف ماهر أن صبحي هو الجاسوس. ولكن من أين تعلم صبحي التشفير؟ إنه مجرد عامل نظافة. الفصل الثاني: الرجل ذو العيون الثلاث عاد ماهر إلى ملف صبحي للمرة العاشرة وفجأة لاحظ شيئاً صغيراً: في خانة المؤهل العلمي مكتوب "محو أمية" وفي خانة الوظائف السابقة مكتوب "لا يوجد" لكن في خانة الملاحظات تدوين صغير بحبر باهت: "حاصل على دورة تدريبية في الصيانة من مركز الكوثر بالإسكندرية عام 1979". مركز الكوثر؟ ماهر لم يسمع به قط. فأمر بالبحث عنه وجاء الرد بعد ساعات: مركز الكوثر كان واجهة لتدريب عملاء الموساد في السبعينات. أغلقه المصريون عام 1981 بعد اغتيال السادات. (حقيقة) هنا بدأت القصة تتكشف. صبحي ليس عامل نظافة. صبحي جاسوس تم زراعته في المبنى منذ عام 1979 اي قبل تسع سنوات. كان ينتظر. يتعلم. يتذكر كل شيء. وعندما جاءت اللحظة المناسبة بدأ بنقل المعلومات. لكن كيف يحصل على مفاتيح التشفير؟ وهو لا يدخل الغرفة ليلاً. طلب ماهر مراجعة كاميرات المراقبة القديمة. بعد مشاهدات لا تنتهي لاحظ شيئاً عجيباً: صبحي كان يدخل غرفة التشفير في وضح النهار أثناء عمل الضباط ويتأكد أنهم مشغولون. حينها ينحني كأنه يمسح الأرض. وفي تلك اللحظة بالذات يضع يده تحت الطاولة التي توضع عليها أجهزة التشفير. تحت الطاولة؟ طلب ماهر تفكيك الطاولة. تحت الخشب كانت هناك قطعة صغيرة جداً بحجم عملة معدنية. قال الفني الذي فحصها بدهشه: «هذا جهاز تنصت ليزري. يقرأ الذبذبات الصوتية المنبعثة من أزرار جهاز التشفير عند الضغط عليها. كل زر له ذبذبة مختلفة ويستطيع هذا الجهاز تسجيلها وتحويلها إلى أرقام. أعني أنه يعرف ما يُكتب على جهاز التشفير دون أن يرى الأزرار». صمت ماهر برهة ثم قال وهو يقطب حاحبيه مفكرا: «إذن صبحي يضع الجهاز صباحاً ويستلمه مساءً. ولا أحد ينتبه لأنه "عامل النظافة"». قال الفني مؤيدا: «نعم. وهو متقن للغاية. هذا الجهاز صناعة أمريكية إسرائيلية متطورة جداً. لم نر مثله». عرف ماهر الآن كيف يفعلها. لكن أين صبحي الآن؟ الفصل الثالث: المطاردة بعد أسبوع من البحث وجد جهاز الأمن أن صبحي سافر إلى اليونان قبل عشرة أيام بجواز سفر مزور باسم "ناجي سليم" ومن اليونان إلى قبرص. ومن قبرص اختفى. طلب ماهر من نظيره القبرصي المساعدة. فوجئ بالرد: «صبحي موجود لدينا لكنه مات بالأمس. حادث سيارة غريب». طار ماهر إلى قبرص في نفس اليوم. رأى الجثة في مشرحة نيقوسيا. كانت محترقة بالكامل. لا ملامح. لا أصابع للبصمات. لا شيء. قال الطبيب الشرعي بلهجه عمليه: «لا يمكن التعرف على هذا الجسد. وجدنا بجانبه جواز سفر باسم ناجي سليم وبطاقة هوية مصرية باسم صبحي محمد». لكن ماهر لم يصدق. طلب تحليلاً للحمض النووي من عائلة صبحي في مصر. استغرق التحليل أسبوعاً حتي جاءت النتيجة الصادمة: الجثة لا تطابق عائلة صبحي. الرجل لا يزال حياً. وهنا أدرك ماهر الحقيقة الكاملة: صبحي أراد أن يموت ليعيش. أراد أن نظن أنه مات حتى نوقف البحث عنه. لكنه ارتكب خطأً واحداً. الجثة التي تركها كانت لشخص آخر. قتله ليأخذ مكانه. من هذا الشخص الآخر؟ تابع التحقيق فوجد أن شخصاً يدعى سامي بخيت اختفى من منزله في ليماسول قبل أسبوعين. كان مدمن كحول ولا أحد يفتقده. مناسب تماماً للتمثيلية. الآن عرف ماهر أن صبحي لا يزال في قبرص. لأنه لو أراد الهرب لذهب إلى أوروبا أو أمريكا. لكنه بقي ليُنهي مهمة أخيرة. الفصل الرابع: الاصطياد طوقت المخابرات القبرصية ميناء ليماسول والمطار. فرضت مراقبة على الفنادق الصغيرة والمنازل المؤجرة. مرت سبعة أيام ولا شيء. في اليوم الثامن اتصل هاتف فندق ماهر. وسمع صوت قبرصي يقول: «لدينا رجل غريب في كنيسة قديمة بمنطقة أغيوس نيكولاوس. ينام في المذبح». ذهب ماهر مع أربعة من رجاله ودخل الكنيسة ليلاً. كان المكان معتماً ففتحوا كشافاتهم ورأوا رجلاً جالساً في الزاوية. لحيته طويلة وشعره متسخ وملابسه ممزقة. لكن العينان كانتا حادتين وثاقبتين. قال الرجل بهدوء ويأس: «لقد أتيتم أخيراً. كنت أنتظر». كان صبحي. لم يركض. لم يطلق رصاصة. سلم نفسه ببساطة. جلس ماهر أمامه في الكنيسة وقال وهو ينظر له بمزيج من الضيق والحزن: «لماذا؟». تنهد صبحي ثم قال بإجهاد وهو بستعيد ذكري قديمه: «لأن أبي كان فلسطينياً من يافا. طردته العصابات الصهيونية عام 1948 ومات في المخيم وأنا في العاشرة. أقسمت يومها أن أنتقم. فتدربت وتعلمت. ثم جندني الموساد كعامل نظافة مقابل أن يعطوني أموالاً وأنا أردت أن أدمرهم من الداخل فقبلت. انتظرت تسع سنوات. ثم بدأت بنقل المعلومات لهم... لكنني لم أنقل كل شيء». فقال له ماهر أتساءل حذر: «ماذا تعني؟». ابتسم صبحي ابتسامة مريرة وقال: «كل ما نقلته إليهم كان صحيحاً لكنه غير مهم. كانت معلومات تجعلهم يثقون بي. ثم خططت للمرحلة الأخيرة». وتوقف ليلتقط لنفسه قليلا ثم همس: «كنت سأعطيهم خريطة تحركات الرئيس الكاذبة قبل يوم من زيارته للقدس عام 1989. لو نجحت لكان اغتيل في الطريق. وكانت ستندلع حرب». تجمد ماهر مكانه وقال وهو يعقد حاجبيه بشدة: «لكنك لم تفعل». فهز صبحي رأسه نافيا وقال: «لا. لأنني رأيت الرئيس في التلفاز يحمل طفلاً فلسطينياً على كتفيه. تذكرت أبي وبكيت. ثم أرسلت رسالة لإسرائيل بأن العملية فشلت. ثم هربت». فسأله ماهر: «لماذا هربت إذا كنت لم تخن؟». دمعت عين صبحي وقال: «لإنهم لن يصدقوني. لقد تلاعبت بهم تسع سنوات وسيعتبروني خائناً مزدوجاً. وسيقتلونني. وكذلك سيقتلني المصريون لأنني جاسوس. لا مكان لي في أي مكان. فأردت أن أموت وحدي». وقف ماهر وصمت طويلاً ثم قال بحزم: «لن نقتلك. لكنك ستقضي بقية حياتك في السجن. وستكون نهايتك هادئة». الفصل الخامس: الظل الأعمى عندما عاد ماهر إلى القاهرة وضع تقريره على مكتب الوزير وكتب في نهايته: "صبحي عميل مزدوج. صارع الشياطين تسع سنوات ثم رأى النور في لحظة. ليس بطلاً لكنه ليس شريراً بالكامل. هو مجرد ظل حاول أن يعمي عيون الجميع فعمى نفسه في النهاية". أمر الوزير بدفن الملف وعدم فتحه أبداً. تم الحكم علي صبحي بالسجن خمسة عشر عاماً ومات في السجن عام 2003 بسبب نوبة قلبية. لكن قبل وفاته بأيام طلب مقابلة ماهر. فذهب إليه الرجل العجوز الذي صار شعره أبيض بالكامل فقال له: «كنت أريد أن أخبرك بشيء مهم». قال ماهر: «تكلم». قال صبحي: «في الكنيسة تلك الليلة عندما أسلمت نفسي. قلت لك إني انتظرتك وهذا صحيح. لكنني لم أقل لك السبب الحقيقي. أنا لم أهرب من الموساد. أنا جئت لأموت بين أيديكم لأنني كنت أعلم أن نهاية جاسوس مثلي ستكون مؤلمة. لكنني أردت أن أموت في بلد يحب فلسطين مثلي». وصمت صبحي لحظات ثم زفر قائلاً: «أنا لست جاسوساً يا ماهر. أنا رجل مات وطنه مرتين واختار أن يدفن في وطن لا يملكه ولكنه الاقرب ولكنه سامحني». وهنا بكى ماهر لأول مرة في حياته المهنية. غادر الزنزانة. وبعد أيام مات صبحي. لم يُكتب اسمه في أي نصب تذكاري. لم يذكره تقرير عسكري أبداً. اختفى كأنه لم يكن. لكن في الأدراج السرية للمخابرات المصرية يوجد ملف بعنوان واحد: "الجاسوس الأخير". وتحته جملة بقلم العميد ماهر: "في حروب المخابرات أحياناً يكون العدو مرآتك. وأنت لا تدري". --- تمت بحمد الله بقلم محسن سالم