روح فداها 11
كان الفجر يتسلل ببطء خلف نوافذ المنزل الصغيرة.
لم يكن أحد نائماً.
منذ أيام فقط تغيرت أحوال هذا المنزل و سكانه
كانت إيلارا مستلقية على فراشها، بينما جلس أرفيوس قربها ممسكاً بيدها بكلتا يديه، كأنّه يخشى أن تختفي إذا تركها للحظة.
إلى جواره جلس ليون.
عيناه غائرتان من السهر.
ووجهه شاحب كأنه شاخ عشر سنوات خلال أسبوع واحد.
في الطرف الآخر من الغرفة كانت مريم جالسة بصمت، تمسح دموعها بين الحين والآخر.
وأوريليا تحدق في الأرض دون أن تتكلم.
أما أندرياس فكان واقفاً قرب الحائط، بينما جلست أمه بجوار رأس إيلارا تهمس لها بكلمات هادئة.
حتى إلياس، الذي لم يكن يعرف ماذا يفعل عادة في المواقف الصعبة، ظل جالساً هناك منذ الليل.
كأن أحداً لم يرد أن يتركها وحدها.
وكأن الجميع كانوا يشعرون بالخوف من شيء لا يريدون الاعتراف به.
رفع أرفيوس رأسه.
نظر إلى أمه.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة.
وقال:
"عندما تشفين... سأعزف لك لحناً جديداً."
حاولت إيلارا أن تبتسم.
وحاولت أن تجيب.
لكن الكلمات لم تخرج.
فقط ضغطت على يده برفق.
في تلك اللحظة شعر أرفيوس أن قلبه انقبض.
لم يعرف السبب.
لكن شيئاً داخله بدأ يرتجف.
بدأت إيلارا تسعل.
سعالاً خافتاً في البداية.
فالتفت الجميع إليها.
ثم اشتد السعال فجأة.
نهض ليون فوراً.
وانحنت أم أندرياس نحوها.
أما أرفيوس فاقترب أكثر.
"أمي؟"
لم تجب.
ازداد اضطراب الغرفة.
أصبحت الوجوه متوترة.
والعيون مذعورة.
وأرفيوس لا يفهم.
كل ما كان يفهمه أن شيئاً سيئاً يحدث.
شيئاً سيئاً جداً.
"أمي!"
أمسك يدها بقوة أكبر.
"انظري إليّ."
اقترب ليون من زوجته.
كانت يداه ترتجفان.
وهي المرة الأولى التي يراه فيها أرفيوس خائفاً.
حقاً خائفاً.
أما أندرياس فبدأ يساعد كما يستطيع.
ومريم أخذت تبكي بصمت.
وأوريليا وضعت يدها على فمها محاولة منع نفسها من الانهيار.
لكن الخوف كان يزداد.
والغرفة تضيق.
والهواء يثقل.
وأرفيوس يشعر أن العالم كله ينهار أمامه.
فجأة...
تشبثت إيلارا بيد ابنها.
بقوة لم يشعر بها منذ أيام.
رفعت عينيها نحوه.
وكانت فيهما أشياء كثيرة.
حب.
وخوف.
ووداع.
وألف كلمة لم تستطع قولها.
"لا..."
همس أرفيوس.
كأنه فهم.
"لا يا أمي."
بدأ يهز يدها.
"لا تنظري إليّ هكذا."
ارتجف صوته.
"أرجوكِ."
ثم ارتفع صوته أكثر.
"أرجوكِ!"
كانت الدموع تنهمر من عينيه.
"لا تتركيني."
ولأول مرة منذ طفولته...
عاد ذلك الطفل الصغير الذي كان يختبئ في حضنها كلما خاف.
عاد كله دفعة واحدة.
"أنا خائف..."
بكى.
"أمي... أنا خائف."
حاولت إيلارا أن تبتسم.
ابتسامة صغيرة.
متعبة.
باهتة.
لكنها كانت أجمل ابتسامة رآها أرفيوس في حياته.
ثم...
شعر بشيء بارد يسري في صدره.
شيء جعله يتوقف عن التنفس.
لأن اليد التي كانت تمسك يده...
ارتخت ببطء.
ببطء شديد.
ثم أفلتت.
ساد الصمت.
صمت مرعب.
صمت لم يجرؤ أحد على كسره.
حتى الريح خلف النافذة بدت وكأنها توقفت.
حدق أرفيوس في يد أمه.
ثم في وجهها.
ثم عاد إلى يدها.
وكأنه ينتظر منها أن تتحرك.
أن تضغط عليه.
أن تعود.
أن تفعل أي شيء.
لكنها لم تفعل.
ابتعد اللون عن وجهه.
واتسعت عيناه.
"أمي؟"
لم يجب أحد.
"أمي..."
نظر إلى ليون.
كان ليون واقفاً كالصنم.
لا يتحرك.
لا يتكلم.
لا يبكي.
كأن روحه خرجت من جسده وتركت خلفها قشرة فارغة.
نظر إلى مريم.
كانت تبكي.
إلى أندرياس.
كان مطأطئ الرأس.
إلى أم أندرياس.
كانت تغطي وجهها بيديها.
وعندها فقط...
فهم.
فهم الحقيقة التي كان الجميع يخشونها.
فانفجر.
"أمييييييييي!"
اهتزت الغرفة كلها بصوته.
ألقى بنفسه فوقها.
تشبث بثيابها.
بيديها.
بشعرها.
بأي شيء يستطيع الإمساك به.
"استيقظي!"
صرخ.
"استيقظي!"
كانت دموعه تسقط فوقها كالمطر.
"قلت لكِ إنني سأعزف لكِ!"
ارتفع صوته أكثر.
"لم تسمعي اللحن بعد!"
حاول أندرياس الاقتراب.
لكن أرفيوس دفعه بعنف.
"ابتعدوا!"
صرخ.
"إنها لم ترحل!"
اقترب مرة أخرى.
فدفعه أرفيوس ثانية.
ثم بدأ يضرب الأرض بقبضتيه.
يضرب الجدار.
يبكي.
يصرخ.
ويعيد نداء اسمها عشرات المرات.
حتى صار صوته مبحوحاً.
حتى لم يعد قادراً على التنفس جيداً.
حتى بدا وكأنه يتمزق من الداخل.
وأخيراً...
استنفد جسده كل ما فيه.
ترنح.
وسقط في زاوية الغرفة.
مرتجفاً.
شاحباً.
والدموع ما تزال تنزل من عينيه.
بدأت رؤيته تتلاشى.
الأصوات تبتعد.
الوجوه تصبح ضبابية.
وشعر أنه يغرق.
يغرق في ظلام عميق بلا نهاية.
وعندها...
ظهرت قطته
دخلت القطة السوداء بهدوء غريب.
قفزت قربه.
وجلست بجواره.
فقط جلست.
لا أكثر.
رفع أرفيوس عينيه بصعوبة.
فرأى عينيها اللامعتين.
ولسبب لم يفهمه...
شعر أن الظلام توقف للحظة.
شعر أن هناك شيئاً يمنعه من السقوط.
شيئاً صغيراً.
هشاً.
لكنه موجود.
فمد يده المرتجفة نحوها.
ولمس فراءها الأسود.
ثم انحنى رأسه.
وبكى بصمت.
أما الغرفة...
فكانت مليئة بأشخاص ما زالوا يحاولون استيعاب أن إيلارا لم تعد بينهم.
وكان هذا...
مجرد بداية الحزن الحقيقي
لم يكن في الغرفة صوتٌ سوى البكاء.
حتى ذلك البكاء لم يكن متشابهاً.
كانت مريم تبكي بصوتٍ خافت كمن يخشى أن يوقظ حلماً سيئاً.
وكانت أم أندرياس تمسح دموعها كل لحظة ثم تعود فتبكي من جديد.
أما ليون...
فلم يبكِ.
وكان ذلك أكثر ما أخاف الحاضرين.
جلس على الكرسي الخشبي قرب الفراش.
يداه على ركبتيه.
عيناه معلقتان في الفراغ.
كأن العالم توقف عند لحظة معينة، ورفض أن يتحرك بعدها.
أما أرفيوس...
فكان شيئاً آخر.
كان إعصاراً من الألم.
جلس في زاوية الغرفة محتضناً ركبتيه.
ثم فجأة نهض.
ثم عاد وجلس.
ثم نهض مرة أخرى.
كأن جسده لا يعرف ماذا يفعل.
وكأن قلبه يركض في كل الاتجاهات باحثاً عن مخرج.
"أمي..."
همس.
ثم ارتفع صوته.
"أمي؟"
نظر إلى الجميع.
كان ينتظر أحداً أن يكذّب ما حدث.
أن يضحك ويقول إن الأمر مجرد سوء فهم.
أن يفتح باب الغرفة فتدخل إيلارا وتقول له:
"لقد أخفتك فقط يا صغيري."
لكن أحداً لم يفعل.
وأصبح الصمت جواباً.
اقتربت منه أم أندرياس ببطء.
كانت امرأة طيبة.
عرفته منذ كان رضيعاً.
ورأت خطواته الأولى.
وسمعت أول كلمة نطقها.
جثت أمامه.
ثم وضعت يدها على كتفه المرتجف.
وقالت بصوت مكسور:
"يا بني..."
رفع رأسه ببطء.
"أنا هنا."
انحدرت دمعة على خدها.
"وسأبقى هنا دائماً."
ثم أضافت:
"يمكنك أن تعتبرني مثل أمك تماماً."
ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتان.
ثم اتسعت عينا أرفيوس فجأة.
وهز رأسه بعنف.
"لا."
همس بها أولاً.
ثم ارتفع صوته.
"لا!"
دفع يدها بعيداً.
وتراجع إلى الخلف.
"لاااا!"
ارتجفت الغرفة كلها.
"أنتِ لستِ أمي!"
سال الدمع من عينيه بغزارة.
"أنا أريد أمي!"
ثم ضرب صدره بيده.
"أريد إيلارا!"
شهق وهو يبكي.
"أنتِ لستِ إيلارا!"
وتكسر صوته أكثر.
"أمي..."
ثم بدأ يرددها كطفل ضائع.
"أمي..."
"أمي..."
"أمي..."
وكان كل نداء أضعف من الذي قبله.
وأشد ألماً.
حتى بدا وكأن قلبه يتمزق مع كل مرة ينطق فيها الكلمة.
أخذ يتلفت حوله.
ينظر إلى الجدران.
إلى السقف.
إلى الباب.
كأنه يسمع شيئاً لا يسمعه الآخرون.
"لا..."
همس.
ثم وضع يديه على أذنيه.
"توقفي..."
ارتجف جسده كله.
"توقفي أيتها الأصوات..."
ثم صرخ فجأة:
"أحبها!"
وانهار على ركبتيه.
"أحبها..."
انخفض صوته حتى صار مجرد بكاء.
"أحبها كثيراً..."
رفع رأسه نحو الفراش.
وعيناه ممتلئتان بالدموع.
"ستنهض."
قالها وكأنه يحاول إقناع نفسه.
"ستنهض."
ثم ابتسم ابتسامة مرتجفة.
"نعم..."
"ستبتسم لي."
تساقطت الدموع على وجنتيه.
"وستحكي لي قصة كما كانت تفعل دائماً."
لكن الابتسامة ماتت سريعاً.
لأن الحقيقة كانت أقوى.
وأثقل.
وأقسى.
ارتجف فكه.
ثم هز رأسه بعنف.
"لا..."
"لا..."
"لا..."
وكأنه يحارب فكرة تحاول اقتحام عقله.
فكرة لا يريد سماعها.
لكنها كانت هناك.
تنتظره.
وتطارده.
وتهمس في أذنه.
حتى انفجر أخيراً:
"لااااااااااا!"
وسقط باكياً على الأرض.
---
في تلك اللحظة اقترب أندرياس.
جلس بجواره دون كلام.
ولم يحاول منعه من البكاء.
لم يحاول إصلاح شيء.
لأنه كان يعرف أن بعض الجروح لا تُصلح.
بعض الجروح تُحمل فقط.
جلس صامتاً.
ثم خلع القلادة الخشبية الصغيرة التي كان يرتديها منذ طفولته.
ووضعها في يد أرفيوس.
نظر أرفيوس إليها بذهول.
فقال أندرياس بصوت خافت:
"أبي أعطاني هذه يوم كنت خائفاً."
ابتلع غصته.
"والآن أعطيها لك."
نظر إليه أرفيوس.
ثم فجأة ارتمى في حضنه.
كما لم يفعل من قبل.
وانفجر بالبكاء.
بكاءً طويلاً.
مريراً.
حتى بكى أندرياس معه.
لأول مرة منذ سنوات طويلة.
---
أما ليون...
فما زال جالساً قرب الفراش.
لم يتحرك.
حتى إن ام أندرياس بدأت تخاف عليه.
اقتربت منه.
وضعت يدها على كتفه.
لكنها لم تحصل على أي رد.
فهمست:
"ليون..."
لم يجب.
"ليون..."
رفع عينيه أخيراً.
وكان فيهما شيء مرعب.
لم يكن حزناً.
بل فراغاً.
فراغ رجل فقد نصف روحه دفعة واحدة.
نظر إلى زوجته طويلاً.
ثم مد يده نحو شعرها.
ولمس خصلة منه برفق.
كأنها ما زالت تسمعه.
ثم قال:
"لقد وعدتكِ أن أحميك."
وانكسر صوته.
"سامحيني..."
عندها فقط بكى.
وبكى كل من في الغرفة معه.
---
ومع حلول المساء...
بدأ البيت يزدحم أكثر.
وصل مزيد من أهل القرية.
وأضيئت الشموع.
وأصبحت الجدران الصغيرة أضيق من أن تحتوي كل ذلك الحزن.
أما أرفيوس...
فجلس قرب الفراش من جديد.
يمسك يد أمه بين يديه.
لا يتكلم.
لا يبكي.
فقد تجاوز البكاء.
وكان ينظر إليها فقط.
كأنه يحاول حفظ كل تفصيل فيها.
كل خصلة شعر.
كل ابتسامة باقية على وجهها.
كل ذكرى.
لأنه كان خائفاً.
خائفاً من أن يأتي يوم يستيقظ فيه...
ولا يتذكر صوتها.
وهذا الخوف...
كان أشد عليه من الموت نفسه.
وفي زاوية الغرفة...
جلست القطة السوداء او سنقول قنديشة تراقبه بصمت.
وعيناها الذهبيتان لا تفارقان وجهه.
كأنها تعرف أن الليلة القادمة...
ستكون أطول ليلة في حياة أرفيوس.
مرّت الساعات بطيئة.
بطيئة إلى درجة أن أرفيوس ظنّ أن الزمن قد توقف.
كانت الشموع تذوب.
والضوء البرتقالي المرتعش يرسم ظلالاً طويلة على الجدران.
والناس يدخلون ويخرجون من المنزل.
لكن أرفيوس لم يعد يرى أحداً بوضوح.
كان جالساً قرب الفراش.
ما زالت أصابعه متشبثة بيد أمه.
كأنه يخشى أن يأخذها أحد منه.
كأنه إن تركها للحظة ستختفي نهائياً.
---
في الخارج...
بدأت القرية كلها تعرف.
لم يعد الخبر همساً بين الجيران.
أصبح حقيقة ثقيلة سقطت فوق الجميع.
توقفت الأعمال في الحقول.
أغلقت بعض الدكاكين أبوابها.
واختفت الضحكات من الأزقة.
كان الناس يتحدثون بصوت منخفض.
كأن رفع أصواتهم صار خطيئة.
إيلارا ماتت.
المرأة التي كانت تبتسم للجميع.
المرأة التي كانت تحمل الخبز للمحتاجين.
المرأة التي كانت تحفظ أسماء أطفال القرية واحداً واحداً.
المرأة التي لم تؤذِ أحداً يوماً.
رحلت.
---
حين دخلت العجوز صوفيا ــ أكبر نساء القرية سناً ــ إلى المنزل، وقفت أمام الفراش طويلاً.
طويلاً جداً.
ثم تنهدت.
وقالت بصوت مرتجف:
"لا يحق للشباب أن يرحلوا قبل الشيوخ."
وانفجرت بالبكاء.
لأول مرة منذ سنوات.
فبكت معها النساء.
وامتلأت الغرفة بالنحيب.
---
أما ام أندرياس...
فكانت أكثر الناس انهياراً بعد أرفيوس.
جلست قرب الفراش.
وأخذت تمسد شعر إيلارا.
كما كانت تفعل لها أيام المرض.
ثم انفجرت فجأة.
"لقد وعدتني!"
صرخت وهي تبكي.
"وعدتني أننا سنكبر معاً!"
وضعت يديها على وجهها.
"قلنا إننا سنجلس أمام بيوتنا ونحن عجوزتان..."
واختنق صوتها.
"لماذا رحلتِ وحدك؟"
لم يجبها أحد.
لأن بعض الأسئلة لا يجيب عنها أحد.
---
في زاوية أخرى...
كان إلياس صامتاً.
صامتاً بصورة غير طبيعية.
اقترب منه أندرياس.
وجلس بجانبه.
ثم سأله:
"ألن تقول شيئاً؟"
بقي إلياس ساكتاً.
ثواني طويلة.
ثم قال:
"لا أستطيع."
نظر إلى الأرض.
"كلما فتحت فمي أشعر أنني سأبكي."
ارتجف صوته.
"ولا أريد أن يراني أحد هكذا."
لكن دموعه خانته.
وسقطت رغم كل شيء.
---
أما أوريليا...
فكانت واقفة قرب النافذة.
تراقب السماء.
ويداها مشدودتان بقوة.
حتى ابيضت مفاصل أصابعها.
اقترب منها أندرياس.
وقال بهدوء:
"أوريليا..."
لكنها قاطعته.
"هذا ظلم."
همست.
ثم كررتها.
"هذا ظلم."
كانت تنظر إلى الغيوم.
كأنها تخاطب الآلهة نفسها.
"هناك أناس أسوأ منها يعيشون."
نزلت دمعة من عينها.
"وهي..."
اختنق صوتها.
"هي كانت طيبة."
ثم غطت وجهها بيديها.
وبكت أخيراً.
---
أما ليون...
فكان الحزن يلتهمه بطريقة مختلفة.
لم يعد يصرخ.
لم يعد يبكي.
بل صار يتحدث إلى إيلارا.
كأنها ما زالت تسمعه.
جلس قربها.
وأخذ يروي لها تفاصيل صغيرة.
أشياء لا قيمة لها.
كيف احترق الخبز ذات صباح.
كيف سقط أرفيوس من فوق الشجرة عندما كان صغيراً.
كيف ضحكت هي يومها حتى دمعت عيناها.
كان يروي الذكريات واحدة تلو الأخرى.
كأنّه يخشى أن تموت للمرة الثانية إذا توقف عن تذكرها.
---
وفجأة...
نهض أرفيوس.
رفع رأسه ببطء.
ثم نظر حوله.
إلى الناس.
إلى الدموع.
إلى الوجوه الحزينة.
وإلى أمه.
وبدأ الغضب يتسلل إلى قلبه.
غضب طفل لا يفهم الفقد.
غضب إنسان يرفض الحقيقة.
صرخ فجأة:
"توقفوا!"
التفت الجميع إليه.
كانت عيناه حمراوين.
ووجهه غارقاً بالدموع.
"لماذا تبكون؟!"
ارتجفت شفتاه.
"أنتم تتصرفون وكأنها رحلت!"
ساد الصمت.
ثم تابع بصوت مكسور:
"ستستيقظ..."
نظر إلى أمه.
"أليس كذلك؟"
لم يجبه أحد.
"أليس كذلك؟!"
ارتفع صوته.
وأصبح أقرب إلى الرجاء.
إلى التوسل.
إلى الاستغاثة.
لكن الصمت بقي.
وهنا...
بدأ آخر جدار داخل قلبه ينهار.
تراجع خطوة.
ثم أخرى.
وأخذ يهز رأسه ببطء.
كأنه فهم أخيراً.
ليس بعقله.
بل بقلبه.
فالقلب أحياناً يفهم قبل العقل.
وفهم أرفيوس الآن...
أن غداً سيأتي.
وبعده يوم آخر.
ثم شهر.
ثم سنة.
وإيلارا لن تعود.
لن تفتح الباب.
لن تنادي اسمه.
لن تبتسم.
لن تغني له قبل النوم.
لن تحكي قصة أخرى.
لن تراه يكبر.
لن ترى أحفاده.
لن تسمع أعظم ألحانه.
كل الأشياء التي كان يظن أنها مضمونة...
اختفت.
دفعة واحدة.
فجلس على الأرض.
ببطء.
ثم ضم ركبتيه إلى صدره.
وأسند رأسه عليهما.
ولم يعد يتكلم.
فقط بكى.
بكاءً هادئاً هذه المرة.
وهذا كان أكثر إيلاماً من كل الصراخ الذي سبق.
لأن الصراخ يحمل أملاً.
أما هذا البكاء...
فكان بداية الاستسلام.
---
وخارج المنزل...
كانت الريح تمر بين أشجار الزيتون.
وفوق التلة البعيدة...
انكسر غصن قديم من الشجرة العتيقة التي نامت الليرة تحت جذورها سنوات طويلة.
وسقط على الأرض بصوت مكتوم.
كأن الطبيعة نفسها
شاركت القرية حدادها.
أما أرفيوس فلم يسمع شيئاً.
كان جالساً قرب أمه.
وقنديشة المتشكلة إلى جواره.
ينظر إلى وجهها للمرة الألف.
ويحاول عبثاً...
أن يحفظه إلى الأبد.
انتهى النهار.
لكن الحزن...
كان ما يزال في بدايته.
حلّ الصباح التالي ثقيلاً.
لم يكن أحد في المنزل يعرف إن كان قد نام أم لا.
فالليل مرّ عليهم كجرح مفتوح.
وكان الحزن قد استقر في كل زاوية من البيت.
في الأواني الصامتة.
في المقاعد الخالية.
في الستائر التي لم تتحرك.
حتى الهواء بدا مختلفاً.
كأن المنزل نفسه عرف أن إيلارا لم تعد هنا.
---
في ذلك الصباح بدأت نساء القرية طقوس الوداع الأخيرة.اي التغسيل
دخلن الغرفة بهدوء.
بوجوه شاحبة وعيون متعبة من البكاء.
أما أرفيوس...
فرفض أن يغادر.
قالوا له بلطف:
"يا بني..."
لكنه هز رأسه.
قالوا:
"دعنا نقوم بما يجب."
لكنه تشبث بمكانه.
وفي النهاية...
تركوه.
فجلس في الزاوية يراقب كل شيء.
صامتاً.
منهكاً.
وكأن سنوات طويلة مرت فوق كتفيه في ليلة واحدة.
---
كانت النساء يعملن بحنان.
بحنان يشبه الصلاة.
وكل واحدة منهن كانت تتوقف أحياناً لتبكي.
أما ام أندرياس...
فلم تستطع التماسك.
كلما نظرت إلى صديقتها انهارت من جديد.
حتى إن أم أندرياس احتضنتها وهي تبكي معها.
وكانت الدموع تسيل من الجميع دون توقف.
---
أما ليون...
فوقف قرب الباب.
لا يتدخل.
ولا يتكلم.
فقط يراقب.
وكانت عيناه معلقتين بإيلارا.
كأنّه يخشى أن يشيح بنظره فتختفي الذكرى الأخيرة منها.
اقترب منه أندرياس.
ووضع يده على كتفه.
لكن ليون لم يشعر بها.
أو ربما شعر...
ولم يعد يملك القوة ليرد.
وبعد صمت طويل قال:
"أتذكر أول مرة رأيتها فيها."
نظر الجميع إليه.
فقد كان صوته غائباً منذ ساعات.
ابتسم ابتسامة صغيرة مكسورة.
وقال:
"كانت تضحك."
سكت قليلاً.
"وكانت أجمل ضحكة سمعتها في حياتي."
ثم انخفض رأسه.
ولم يستطع إكمال كلامه.
---
عند الظهيرة خرج الناس من المنزل.
وبدأ موكب القرية يتشكل ببطء.
جاء الرجال والنساء والأطفال.
وجوههم مطفأة.
وأعينهم محمرة.
حتى الذين لم يعرفوا إيلارا جيداً حضروا.
لأن الحزن أحياناً لا يخص عائلة واحدة.
بل يصبح حزن مكان كامل.
---
سار الموكب عبر الطريق الترابي المؤدي الى المقبرة
وكانت الرياح تداعب أشجار الزيتون.
أما أرفيوس...
فكان يمشي بجوار أبيه.
لكنّه لم يشعر بالطريق.
لم يشعر بالناس.
لم يشعر بالهواء.
كان يشعر بشيء واحد فقط:
الفراغ.
فراغ هائل داخل صدره.
كأن أحدهم اقتلع قلبه وترك مكانه حفرة لا نهاية لها.
---
وصلوا إلى المقبرة عند الغروب.
وكانت الشمس تنزف ألوانها الأخيرة خلف التلال.
السماء حمراء.
ثم برتقالية.
ثم بنفسجية.
كأن النهار نفسه يحتضر.
وقف أهل القرية في صمت.
ووقف أرفيوس أمام القبر الجديد.
ينظر إليه.
غير مصدّق.
كيف يمكن لحفرة صغيرة في الأرض...
أن تفصل بينه وبين أمه إلى الأبد؟
كيف يمكن لكل الذكريات...
ولكل الضحكات...
ولكل القصص...
أن تنتهي هنا؟
في هذا المكان الصغير؟
---
اقترب منه أندرياس.
ووضع في يده حفنة من التراب.
نظر أرفيوس إليها.
وظل يحدق فيها طويلاً.
طويلاً جداً.
ثم همس:
"لا أستطيع."
ارتجف صوته.
"لا أستطيع فعل هذا."
امتلأت عيناه بالدموع من جديد.
"إذا فعلت..."
ابتلع غصته.
"فسيصبح الأمر حقيقياً."
لم يعرف أحد ماذا يقول.
لأن الجميع كانوا يشعرون بالأمر نفسه.
لكن أرفيوس أغلق عينيه.
ورفع يده المرتجفة.
ثم ترك التراب يسقط.
وسمع الصوت.
صوتاً صغيراً جداً.
لكنه بدا له كأنه انهيار جبل.
وعندها...
انكسر شيء أخير داخله.
فبكى.
بكى كما لم يبكِ من قبل.
بكى حتى لم يعد قادراً على الوقوف.
فاحتضنه أندرياس.
وأمسكه ليون.
وبكى الثلاثة معاً.
تحت سماء الغروب.
أب فقد زوجته.
وابن فقد أمه.
وصديق فقد جزءاً من عائلته.
---
وفي مكان بعيد عن أنظار البشر...
وقف ويليام بين الظلال.
يراقب.
بعينين باردتين.
كأن الحزن البشري لا يعني له شيئاً.
ثم لمح قنديشة أخته و ابنة ملك الشياطين المهيبة
كانت جالسة قرب أرفيوس.
صامتة.
وعيناها معلقتان بالصبي المنهار.
فابتسم ويليام بسخرية.
وقال بصوت خافت:
"أتبكين من أجل إنسي؟"
هز رأسه باستهزاء.
"لقد نسيتِ من تكونين."
لكن قنديشة لم تنظر إليه.
ولم ترد.
فالحزن الذي كان في قلبها أعمق من أن يتحول إلى كلمات.
---
حلّ الليل.
ورحل أهل القرية واحداً تلو الآخر حتى ليون تمكنت منه الصدمة لدرجة انه ترك ابنه هناك و ذهب و كأنه غائب على الوعي
واختفت المشاعل.
وعادت الأصوات إلى الصمت.
حتى بقي شخص واحد فقط.
أرفيوس.
إلى جانبه قنديشة المتشكلة
وأمامه قبر جديد.
ما زال ترابه طرياً.
ما زالت رائحته حديثة.
جلس هناك ساعات.
لا يتحرك.
لا يتكلم.
فقط ينظر.
كأنّه ينتظر معجزة.
أي معجزة.
لكن الليل لم يحمل شيئاً.
إلا المزيد من الصمت.
---
رفع رأسه أخيراً.
فوق التلة البعيدة لمح الليرة.
ملقاة قرب شجرة الزيتون.
ساكنة.
صامتة.
تحت ضوء القمر.
نظر إليها طويلاً.
ثم شعر بالغضب.
غضب أسود.
مظلم.
ثقيل.
كرهها.
كره اليوم الذي وجدها فيه.
كره الألحان.
كره الموسيقى.
كره كل شيء ذكره بها.
لكنه لم يقترب.
ولم يلمسها.
ولم يعزف.
بل أشاح وجهه عنها.
وعاد ينظر إلى القبر.
---
كانت قطته جالسة بجواره.
قريبة بما يكفي لتشعر بحزنه.
بعيدة بما يكفي لتعرف أنها لا تستطيع إصلاحه.
فبعض الكسور لا تلتئم بالكلمات.
ولا بالمواساة.
ولا حتى بالسحر.
---
أما أرفيوس...
فجلس حتى انتصف الليل.
ثم حتى تجاوز الليل منتصفه.
ثم حتى بدأ الفجر البعيد يلوح عند الأفق.
وكان ما يزال هناك.
طفلاً ضائعاً أمام قبر أمه.
ينظر إلى الأرض.
ويهمس بصوت بالكاد يُسمع:
"لو كان بإمكاني أن أسمع صوتك مرة أخرى..."
وسقطت دمعة جديدة على التراب.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وكان القبر صامتاً.
والسماء صامتة.
والعالم كله صامتاً.
إلا قلب أرفيوس...
فقد كان يصرخ وحده في الظلام.
ولم يكن يعلم بعد...
أن هذا الوداع لن يكون نهاية قصته مع إيلارا.
بل بداية رحلة ستقوده إلى أبواب الموت نفسها.
رحلة سيحاول فيها أن يفعل المستحيل.
أن يعيد من لا يعود.
وأن يعزف لحناً...
أقوى من الفقد.