ليلة سوداء
إسبانيا — الساعة 04:47 فجراً.
كانت الغابة غارقة تحت المطر.
الأشجار العملاقة وقفت كظلال سوداء لا نهاية لها، بينما غطى الضباب الأرض الرطبة حتى بدا المكان وكأنه منفصل عن العالم بالكامل. في عمق الغابة، وسط الدخان والنار والحطام الممزق…
كانت الطائرة هناك.
أو ما تبقى منها.
الهيكل المعدني انشطر بين الأشجار كوحش محطّم، والأضواء المتقطعة ما زالت تومض داخل بعض الأجزاء المحترقة بشكل مخيف. صوت النار المختلط بالمطر خلق هدوءاً مرعباً، ذلك النوع من الهدوء الذي يأتي بعد الكوارث الكبرى.
لكن الهدوء كان خادعاً.
ففي أطراف الغابة، كانت الفوضى قد انفجرت بالكامل.
سيارات الإسعاف وصلت تباعاً، أبوابها تُفتح بسرعة، وأصوات الأجهزة الطبية تملأ المكان. المسعفون يركضون بين الوحل والأشجار، يتلقون البلاغات عبر أجهزة اللاسلكي، بينما تتداخل أصوات التعليمات مع صراخ المصابين والبحث عن ناجين.
— "أعيدوا التمركز عند الجهة الشرقية!"
— "نحتاج إلى دعم إضافي فوراً!"
— "هناك استجابة ضعيفة قرب الحطام الرئيسي!"
إلى جانبهم، انتشرت الشرطة بسرعة لتطويق المنطقة. أشرطة التحذير الصفراء امتدت بين جذوع الأشجار، لكن المطر جعل كل شيء أكثر فوضى، وكأن الطبيعة نفسها ترفض أن تُقيّد.
ثم جاءت الصحافة.
كما يحدث دائماً في الكوارث الكبرى…
لا أحد يصل أسرع من الكاميرات.
كاميرات تُنصب تحت المطر.
ميكروفونات تُرفع بلا توقف.
ومصورون يقتربون أكثر مما تسمح به الشرطة.
امرأة صحفية تقف وسط العاصفة، معطفها مبلل بالكامل، وشعرها ملتصق بوجهها، لكنها لا تتراجع خطوة واحدة. رفعت الميكروفون وقالت بسرعة:
— "نحن الآن في موقع الحادث المروّع الذي هزّ إسبانيا فجر اليوم… خلفي مباشرة، كما ترون، عمليات الإنقاذ ما تزال مستمرة وسط ظروف مناخية شديدة الصعوبة!"
تلتفت الكاميرا خلفها.
الغابة المشتعلة.
الدخان الكثيف.
وأضواء الطوارئ التي تقطع الظلام بين الأشجار كنبض مضطرب.
أكملت بصوت أعلى بسبب الرياح:
— "حتى هذه اللحظة، لا توجد معلومات مؤكدة عن عدد الناجين، بينما تؤكد السلطات أن التحقيقات ما تزال في مراحلها الأولى!"
توقفت للحظة تستمع إلى تعليمات عبر أذنها.
ثم عادت بسرعة:
— "مصادر رسمية لم تستبعد أي فرضيات حتى الآن، بما في ذلك احتمال وجود سبب غير طبيعي وراء هذا الحادث!"
المطر يزداد.
والكاميرا تقترب أكثر.
كأنها تبحث عن مأساة أوضح لتلتقطها.
®®®
وفي ميلانو…
كانت البيوت تستقبل الخبر واحداً تلو الآخر.
في أحد المنازل، جلس رجل أمام التلفاز بصمت ثقيل.
في المطبخ خلفه، كانت زوجته ترتب الطاولة، تضع الحساء الساخن وتتحرك بين الأواني بهدوء.
قالت بصوت عادي وهي تخرج من المطبخ:
— "ماركو، أحضر الملاعق والشوك من الدرج، من فضلك."
لم يجب فوراً.
كان يحدق في الشاشة.
الغابة.
الحطام.
سيارات الإسعاف.
ثم قال فجأة:
— "تعالي بسرعة."
اقتربت منه.
— "ماذا هناك؟"
أشار إلى الشاشة دون أن يرفع عينيه:
— "انظري… هذا ليس حادثاً عادياً."
وقفت بجانبه.
نظرت.
وتغير وجهها فوراً.
— "يا إلهي…"
لكنها بقيت واقفة، لا تصرخ، لا تنهار، فقط صدمة ثقيلة تملأ ملامحها.
على الشاشة:
أخبار عاجلة.
صور مباشرة من موقع الحادث.
وأصوات المذيعين تتسارع:
— "فرق الإنقاذ تؤكد استمرار عمليات البحث داخل الغابة وسط ظروف خطيرة للغاية."
®®®
وفي إسبانيا…
كانت الحركة لا تتوقف.
رجال الإطفاء يختفون بين الأشجار ثم يعودون، يحملون ما تبقى من أدلة أو إشارات غير واضحة.
أصوات الأجهزة تتداخل مع صفارات الإسعاف.
والأرض تتحول إلى طين ثقيل يصعب السير عليه.
لكن هناك شيء آخر كان واضحاً بين الجميع…
توتر غير مُعلن.
نظرات سريعة بين العناصر.
أوامر قصيرة.
وصمت ثقيل عندما يُذكر الحطام القريب من مركز السقوط.
®®®
وفي بيت صغير آخر في اشبيلية…
كانت فتاة مراهقة تجلس على الأرض قرب الأريكة، تمسك هاتفها، بينما صوت التلفاز يملأ الغرفة.
— "حادثة سقوط الطائرة تثير صدمة عالمية…"
رفعت رأسها بسرعة.
— "أمي! جدتي انظرا إلى هذا!"
من المطبخ، خرجت امرأة بسرعةوهي تمسح يدها
سألت بإستغراب وفضل:؛
— "ماذا؟ لمادا تصرخين خالتك نائمة
أشارت الفتاة إلى الشاشة محاولة ان تبدي انها تتحدث بهدوء:
— "هذا في الأخبار… هنا.. في إسبانيا!"
اقتربت الأم.
نظرت.
وتوقفت.
الصمت نزل على وجهها ببطء.
لم تقل شيئاً.
فقط اقتربت أكثر من الشاشة.
عينها لم ترَ التفاصيل فقط…
بل شعرت بثقل الخبر.
— "هذا… كبير جداً…" همست.
ووقفت الفتاة وملأت فمها بطعام وهي تومئ لها على ما قالت
وبقيت امهاواقفة، تحدق في الصور دون أن تتحرك، بينما العالم في التلفاز يستمر في الانهيار أمامها.