ابراهيم عبد العال جزء ٢
الفصل الرابع: العاصفة الثانية
لكن المعركة لم تنته بعد.
جلس إبراهيم يستريح لدقائق معدودة. سمع أنين محمد من داخل الملجأ، أسرع إليه، حاول إيقاف النزيف بضمادات بدائية.
كان محمد يبتسم رغم الألم قال له بصوت خافت:
"أنت مجنون يا إبراهيم... خرجت في العراء هكذا."
ابتسم إبراهيم وقال له:
"وأنت أيضاً مجنون... كيف تركت نفسك تصاب هكذا؟"
في تلك اللحظة الحميمة من الصداقة وسط رعب المعركة
سمعوا معاً صوت المحركات يعود من جديد.
خرج إبراهيم لينظر، فوجئ بما رأى.
لم تكن دبابة واحدة أو اثنتين هذه المرة. كانت مجموعة كاملة من المدرعات، ربما عشر دبابات أو أكثر، كانت تتقدم في تشكيل قتالي محكم. كان واضحاً أن العدو قرر القضاء على هذا الموقع بأي ثمن.
نظر إبراهيم حوله.
كان معظم الجنود إما شهداء أو جرحى. كان الرائد أحمد قد أصيب في ذراعه لكنه كان لا يزال واقفاً.
كان عدد الذخيرة المتبقية قليلاً جداً. كانت النهاية تبدو حتمية.
لكن إبراهيم لم يستسلم.
التقط سلاحه للمرة الأخيرة.
فقد كان يعرف أن هذه ستكون المعركة الفاصلة
وكان يعرف أنه لن يعيش ربما بعدها
لكنه كان يعرف أيضاً أنه لن يسمح لهذا الموقع بالسقوط.
تقدمت الدبابة الأولى ببطء.
هذه المرة كان قائدها أكثر حذراً وبدء يطلق النيران في كل اتجاه كي يمنع أي مقاومة.
كانت الرصاصات تضرب حول إبراهيم من كل جانب.
انتظر إبراهيم حتى أصبحت الدبابة على بعد خمسين متراً، أطلق القذيفة، أصابت الهدف لكنها لم تتوقف
بل استمرت في التقدم.
فأطلق قذيفة ثانية، هذه المرة سمع صوت الانفجار ورأى الدبابة تتوقف
ثم تبدأ في الاحتراق.
لكن الدبابة الثانية كانت قد تجاوزت الأولى الآن، وكانت على بعد ثلاثين متراً فقط.
في تلك اللحظة بالضبط، حدثت المعجزة.
من الجانب الأيسر، انطلقت قذيفة آر بي جي أخرى، أصابت الدبابة في جانبها، أطلقت من قبل الرائد أحمد الذي وقف بجانب إبراهيم الآن.
و قال له الرائد بصوت متهدج من فرط الإعياء:
"لن نموت وحدنا يا إبراهيم."
ابتسم إبراهيم ورد بعزم وحماس:
"والله لن نموت على الإطلاق سيد الرائد."
لكن الحقيقة كانت قاسية.
فجأة، انطلقت رشقة نارية من الدبابة الثالثة أصابت الرائد أحمد في صدره.
فسقط على الأرض، وكانت عيناه مفتوحتين
لكن الحياة قد خرجت منهما.
صار إبراهيم الآن وحيداً تماماً.
كانت ست دبابات لا تزال قادمة
وكان معه ثلاث قذائف فقط. فقط.
---
الفصل الخامس: اللحظة الخالدة
في تلك اللحظة، شعر إبراهيم بشيء غريب جداً.
شعر بالهدوء التام، شعر كما لو أن الوقت قد توقف تماماً.
سمع صوت أمه يهمس في أذنه:
"ارجع سالماً يا ولدي."
رأى وجه أبيه الصامت، رأى الحقول الخضراء في قريته
رأى النيل الهادئ تحت ضوء القمر.
ثم عاد إلى الواقع.
التقط سلاحه وتقدم خطوتين إلى الأمام.
كان واقفاً في العراء الآن تماماً.
أطلق القذيفة الأولى، أصابت دبابة في المقدمة.
أطلق الثانية، أصابت دبابة في المنتصف.
ثم التقط آخر قذيفة وحملها في السلاح.
كانت الدبابة الأخيرة الآن على بعد عشرين متراً فقط. كان يمكنه رؤية قائدها عبر الفتحة.
كان شاباً ربما في نفس عمره، كان يبدو مرتعباً مثله.
في تلك اللحظة الخالدة، رفع إبراهيم عبد العال السلاح للمرة الأخيرة. لكن قبل أن يضغط على الزناد، انطلقت رشقة نارية من إحدى الدبابات الأخرى، أصابته في عدة أماكن: في صدره وبطنه وساقيه.
سقط إبراهيم على الأرض. شعر بألم لم يشعر به من قبل في حياته.
لكن يده كانت لا تزال ممسكة بالسلاح. رأى الدبابة تقترب الآن:
خمسة عشر متراً
عشرة أمتار.
بكل ما تبقى له من قوة زحف خطوة واحدة إلى الأمام.
كانت الدماء تملأ ملابسه وتملأ الأرض تحته، لكنه استمر في الزحف.
ثمانية أمتار
خمسة أمتار.
ثم في اللحظة الأخيرة، عندما أصبحت الدبابة على بعد ثلاثة أمتار فقط
رفع السلاح للمرة الأخيرة وضغط على الزناد.
لم ير الانفجار الذي أعقب ذلك.
لم يسمع صوت الدبابة وهي تتحطم. لم يشعر بالراحة التي غمرت الموقع عندما توقفت المدرعات المتبقية عن التقدم وبدأت في الانسحاب النهائي.
كان إبراهيم عبد العال قد سقط
فاقد الوعي
سقط البطل اخيرا
---
الخاتمة: الخالدون
بعد ساعات، عندما وصلت القوات المصرية المعززة إلى الموقع، وجدوا مشهداً لن ينسوه ما حيوا.
وجدوا جثة الرائد أحمد وجنوده الأبطال.
وجدوا عشرات الدبابات المدمرة والمحترقة.
وفي وسط تلك الساحة الدموية، وجدوا جندياً شاباً ممداً على الأرض
وكانت يده ما تزال ممسكة بسلاح الآر بي جي، وكانت عيناه مفتوحتين تنظران إلى السماء
وكأنهما تراقبان الطيور المحلقة في الأعالي.
لم يعرفوا اسمه في البداية. لكن الجنود الذين بقوا على قيد الحياة من المعركة أخبروهم بالقصة.
أخبروهم عن جندي شاب صمد وحده أمام قوة مدرعة كاملة.
أخبروهم عن بطولة غير عادية، عن إرادة حديدية، عن روح لا تعرف الهزيمة.
وهكذا دخل إبراهيم عبد العال التاريخ من أوسع أبوابه.
ليس كمجرد جندي استشهد في المعركة، بل كرمز للصمود والإرادة والتضحية.
في الأيام التالية، انتشرت قصته في كل الجبهات.
أصبح اسمه يتردد على ألسنة جميع الجنود والضباط.
أصبح نموذجاً يحتذى به، أصبح مصدر إلهام لآلاف المقاتلين.
وفي القرية الصغيرة في صعيد مصر، حيث ولد وترعرع، وصل الخبر كالصاعقة.
بكى الأب الصامت هذه المرة بكاء مريراً
بكى كما لم يبك في حياته.
بينما الأم لم تبك على الإطلاق، قالت بكل فخر:
"ابني مات علشان مصر تعيش."
لكن الحقيقة أن إبراهيم عبد العال لم يمت.
فكلما وقف جندي مصري في مواجهة الخطر
كلما ضحى إنسان من أجل وطنه، كلما وقف شاب أمام الظلم مدافعاً عن الحق، كلما تحدى إنسان المستحيل من أجل غاية سامية، في تلك اللحظات يولد إبراهيم عبد العال من جديد.
لقد ترك لنا درساً لن ننساه أبداً:
أن الأبطال الحقيقيين لا يولدون في القصور، ولا يتعلمون البطولة في المدارس العسكرية الفاخرة.
بل يولدون في بيوت بسيطة، بين أناس عاديين
ثم يختارون في لحظة حاسمة أن يكونوا غير عاديين.
وأن التاريخ لا يصنعه القادة والزعماء وحدهم
بل يصنعه أيضاً أولئك الجنود المجهولون الذين يقدمون أرواحهم على طبق من ذهب من أجل أن يعيش الآخرون.
وأن الأرض لا تتحرر بالكلمات والخطب الرنانة، بل تتحرر بالدماء والعرق والدموع.
وأن الخلود ليس أن تعيش إلى الأبد، بل أن تموت موتاً يجعل اسمك يخلد إلى الأبد.
إبراهيم عبد العال.
كان مجرد جندي.
لكنه كان أيضاً بطل مصر.
وخالدها.
وأسطورتها التي ستتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
حتى تبقى مصر.
حتى تبقى.
إلى الأبد.
---
تمت بحمد الله
بقلم
محسن سالم
٠١١١٧٣٥٩٦٢٥