مجموعة قصص ابطال - ابراهيم عبد العال جزء ١ - بقلم محسن سالم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مجموعة قصص ابطال
المؤلف / الكاتب: محسن سالم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ابراهيم عبد العال جزء ١

ابراهيم عبد العال جزء ١

حتي أخر قذيفه ( أسطورة الجندي إبراهيم عبد العال) ج١ ( قصة حقيقية) --- الفصل الأول: الجندي الذي لم يكن يعرف الخوف في الساعة الثانية عشرة وثلاث وعشرين دقيقة ظهراً من يوم السادس من أكتوبر عام 1973 كان إبراهيم عبد العال جالساً في خندق ضيق لا يتسع إلا لجندي واحد متربع. كانت ركبتاه تلامسان صدره وكان سلاح الآر بي جي موضوعاً بين ذراعيه كطفل نائم. كان الدخان الكثيف يلف ساحة المعركة برائحة البارود والحديد المحروق والتراب الممزوج ببخار الدماء. كانت الشمس تخترق ذلك الضباب الرمادي بضوء باهت وكأنها تتردد في النظر إلى ما يحدث على الأرض تحتها. كان الصمت المخيف يسبق العاصفة الحقيقية. كانت هناك لحظات في تاريخ الأمم تكون فيها مصائر الشعوب معلقة على خيط رفيع جداً خيط يمكن أن يتمزق بنبضة قلب أو أن يتحمل بصلابة أسطورية. في ذلك اليوم، على ضفة قناة السويس الشرقية، كان مصير معركة تحرير الأرض معلقاً على أكتاف رجال عاديين رجال لم تكتب أسماؤهم في الكتب بعد، لكن قلوبهم كانت تكتب تاريخاً جديداً بدمائهم. وسط ذلك المشهد السوريالي وقف إبراهيم عبد العال، وكانت ساقاه مغروستين في التراب كجذور شجرة قديمة. كانت عيناه الرماديتان تحدقان في الأفق عبر فتحة الملجأ الصغير. وكانت يداه المتشبثتان بسلاح الآر بي جي ترتعشان قليلاً لكن ليس من الخوف، بل من الإرهاق والتوتر المتراكم على مدار ساعات مضت منذ بداية العبور البطولي. كانت أذناه لا تسمعان إلا صوت دقات قلبه المنتظمة كانت كدقات الساعة التي تحسب اللحظات الأخيرة قبل الانفجار. لم يكن إبراهيم ضابطاً أو قائداً لم يكن صاحب رتبة عالية أو خلفية عسكرية مميزة. كان مجرد جندي مشاة من أولئك الجنود الذين تسير بهم قطارات التجنيد بأعداد هائلة. كان شاباً في العشرين من عمره، قادماً من قرية صغيرة في صعيد مصر حيث الحقول الخضراء والنيل الهادئ والسماء الصافية حيث كان يحلم بأن يصبح مهندساً. لكن القدر كتب له طريقاً آخر، طريق السلاح والتراب والحديد. تذكر إبراهيم لحظة وداع أمه. كانت عيناها تفيضان بالدموع لكنها لم تبك أمامه. كانت تمسك بيديه بقوة وتقول له: "يا ولدي، ارجع سالماً" كان أبوه الصامت يقف في الخلفية يدخن سيجارته ببطء ثم تقدم فجأة وعانقه بقوة. لم يعانقه هكذا منذ كان طفلاً. تلك المعانقة قالت أكثر من أي كلمة. ثم انصرف سريعاً كي لا يرى الدموع التي بدأت تنهمر من عينيه. كانت الحياة في الجبهة قاسية جداً. التدريبات الشاقة والساعات الطويلة من الانتظار والترقب والمواجهة اليومية مع فكرة الموت. لكن إبراهيم وجد في الجندية معنى جديداً للحياة. وجد الانضباط والصداقة الحقيقية والتضحية. وجد أن لديه موهبة غير عادية في استخدام سلاح الآر بي جي ذلك السلاح المضاد للدبابات الذي كان يعتبره الجنود سلاحاً صعباً وخطيراً. لكن إبراهيم تعلمه بحب وأتقنه بإخلاص. كان يمكنه تحديد المسافات بدقة متناهية، وكان يعرف نقاط ضعف كل نوع من الدبابات. كان يصبر ويترقب حتى اللحظة المناسبة ثم يضرب فيصيب الهدف بدقة ساحقة. في الساعة الثانية من بعد ظهر ذاك اليوم المشهود، انقلب عالم إبراهيم رأساً على عقب. سمع دوي الانفجارات الهائلة، ورأى الطائرات تحلق في السماء كالنسور الجارحة وشاهد موجات الجنود المصريين الأبطال يعبرون القناة بقلوب لا تعرف الخوف. شعر بفخر غامر يملأ صدره ولكن في أعماقه كان يعرف أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. كان يعرف أن العدو لن يستسلم بسهولة، كان يعرف أن الرد سيكون عنيفاً وقاسياً. --- الفصل الثاني: الوحش الحديدي وجاءت اللحظة الحاسمة. سمع قبل أن يرى، صوت محركات الدبابات الثقيلة. ذلك الصوت المعدني المخيف الذي يشبه صوت وحش ضخم يجثم على الأرض. ثم رأى الظهور الأول عبر فتحة الملجأ. كانت دبابة من نوع "سنتوريون" الإسرائيلية تتحرك ببطء لكن بثقة مفرطة. كانت مدفعيتها تدور بزاوية 360 درجة، كأنها تبحث عن فريسة. وكانت المسافة مائتي متر ثم مائة وخمسين ثم مائة متر. كان قلب إبراهيم يخفق بقوة لكن يده كانت ثابتة. وكان يتنفس ببطء وعمق كما تعلم في التدريبات. كان ينتظر. كان يعرف أن الدبابة في هذه المسافة لا يمكن أن تخطئه إذا أطلقت نيرانها لكنه كان يعرف أيضاً أن سلاحه يكون في أعلى درجات فاعلية عند مسافة أقل من مائة متر. وانتظر اللحظة التي يصبح فيها الهدف واضحاً تماماً في منظاره. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. من الجانب الأيمن، انطلقت قذيفة آر بي جي أخرى. أصابت الدبابة في جانبها لكنها لم تدمرها تماماً. كانت ضربة غير قاتلة أثارت الدبابة وجعلتها تطلق نيران مدفعها الرشاش في كل الاتجاهات. وفجأة، سمع إبراهيم صرخات الجنود المجاورين له. أصيب اثنان منهم وسقطا على الأرض. كان الدماء تملأ المكان. لكن إبراهيم لم يتحرك، بقي ثابتاً في مكانه، عيناه لم تزيغا عن الهدف. الدبابة بدأت تتحرك بسرعة أكبر الآن. كانت تتجه مباشرة نحو موقعه. كان قائد الدبابة قد اكتشف مصدر النيران، كان يريد القضاء على هذا التهديد بأي ثمن. كانت المسافة تقل بسرعة: سبعون متراً ستون متراً خمسون متراً. في تلك اللحظة بالذات عندما أصبحت الدبابة على بعد أربعين متراً فقط ضغط إبراهيم عبد العال على زناد سلاحه. شعر بارتداد السلاح على كتفه، ورأى القذيفة تنطلق كالثعبان الناري. سمع صوت الانفجار المدوي ثم رأى الدبابة تترنح وتتوقف تماماً. خرجت منها ألسنة النيران والدخان الكثيف. لم يتحرك منها أحد. لكن الفرح لم يدم طويلاً. فمن خلف الدبابة المدمرة ظهرت دبابة أخرى ثم ثالثة ثم رابعة. كانت مجموعة كاملة من المدرعات تتقدم نحو الموقع. بدا المشهد وكأنه نهاية محتومة. وشعر إبراهيم بلمسة خوف تمر في قلبه لأول مرة منذ بداية المعركة. لكن تلك اللمسة لم تدم أكثر من ثانية واحدة. تذكر وجه أمه. تذكر كلمات أبيه الصامتة. تذكر الأرض التي جاء ليدافع عنها. تذكر اليمين الذي أقسمه. فجأة تحول الخوف إلى تصميم و تحول التردد إلى إرادة حديدية. أسرع إلى مخزن الذخيرة المجاور التقط قذيفة أخرى، حملها في السلاح بسرعة خبير عجوز وعاد إلى فتحة الملجأ. اصبحت الدبابة الثانية الآن على بعد مائة متر. أطلق القذيفة، أصابت الهدف لكنها لم تدمر الدبابة تماماً. أصيبت في الجنزير وتوقفت عن الحركة لكن مدفعها كان لا يزال يعمل. الدبابة الثالثة تجاوزت الثانية وبدأت تقترب بسرعة جنونية. هذه المرة، كان قائدها أكثر جرأة، أو أكثر جنوناً. فقد كان يطلق نيران مدفعه الرشاش باستمرار. وكانت الرصاصات تضرب حافة الملجأ وترفع سحابة من التراب حول إبراهيم. --- الفصل الثالث: لحظة الاختيار في تلك اللحظة حدثت المفاجأة الكبرى. سمع إبراهيم صوتاً مألوفاً يناديه من الخلف. التفت فوجد الجندي الشاب محمد، الذي كان يجلس بجانبه في الخنادق قبل ساعات فقط. كان محمد شاباً من الإسكندرية وكان دائماً يضحك ويمزح ويحلم بالعودة لرؤية حبيبته. لكن الآن كان وجهه شاحباً وكان الدماء تنزف من جسده من عدة أماكن. قال محمد بصوت ضعيف: "إبراهيم... ساعدني." نظر إبراهيم إلى صديقه ثم نظر إلى الدبابة التي تقترب ثم عاد لينظر إلى صديقه مرة أخرى. كان يعرف أن عليه أن يختار بين إنقاذ صديقه والدفاع عن الموقع. كان يعرف أن أي تأخير يعني موتاً محققاً للجميع. لكن إبراهيم لم يكن ليترك صديقه. بسرعة خارقة، جر محمد إلى داخل الملجأ الصغير، وضع عليه بعض الأكياس الرملية لحمايته ثم عاد إلى موقعه. كانت الدبابة الآن على بعد ثلاثين متراً فقط. في تلك اللحظة بالذات، سمع إبراهيم صوتاً آخر. كان صوت قائد فصيلته الرائد أحمد، الذي كان يجري نحوهم من موقع قريب. كان الرائد يحمل سلاح آر بي جي أيضاً، وكان يصرخ بأعلى صوته: "إبراهيم انسحب انسحب فوراً" لكن إبراهيم لم ينسحب. بدلاً من ذلك خرج من فتحة الملجأ كامل جسده. وقف في العراء مكشوفاً بالكامل أمام الدبابة والعدو. كان المنظر مذهلاً: جندي شاب واقف وحيداً أمام وحش حديدي ضخم. رفع إبراهيم السلاح إلى كتفه لم ينتظر حتى يصوب بدقة، لم يعد هناك وقت لذلك. أطلق القذيفة من على بعد خمسة وعشرين متراً فقط. الانفجار كان هائلاً لدرجة أن إبراهيم نفسه قذف به إلى الخلف عدة أمتار. سقط على الأرض وشعر بألم حاد في صدره وذراعيه لكنه لم يفقد وعيه. رأى الدبابة وهي تحترق تماماً. وسمع أصوات الجنود الإسرائيليين وهم يصرخون داخل ذلك الجحيم المعدني. ثم حدث ما لم يكن يتوقعه. فجأة، سكتت أصوات المدافع. توقفت الدبابات المتبقية عن التقدم ثم بدأت في الانسحاب. لم يكن إبراهيم يعرف السبب في ذلك الوقت لكنه عرف لاحقاً أن قائد القوة المدرعة الإسرائيلية ظن أن الموقع محصن بقوة كبيرة وأن الهجوم المباشر عليه سيكلف خسائر فادحة. قرر الانسحاب وإعادة التنظيم. كانت تلك الدقائق القليلة التي صمد فيها إبراهيم ومن معه قد غيرت مجرى المعركة في ذلك القطاع بالكامل. ولكن المعركه لم تنتهي بعد فقد. كان الجحيم علي وشك البدء الجحيم الحقيقي --- انتهي الجزء الاول للحصول علي الجزء الثاني والاخير علق بكلمه بقلم محسن سالم