زائر لا يعرف المستحيل
"زائر لا يعرف المستحيل"
---
كنت دائما أقول إن الخوف له حدود وإن العاقل لا يخاف إلا من شيء يراه ولمساته بيده
كنت أعتقد إن عالم ما وراء الطبيعة مجرد خرافات تحكيها الجدات للأطفال قبل النوم
وكنت أستهزئ بكل من يحكي لي قصة عن الجن أو العفاريت أو الأشباح
كنت أقولهم في وشهم دي قصص فاضيه محدش شاف حاجه بعينه
حتى أنا كمان مكنتش شفت حاجه بعيني
وتمنيت لو ما شفتش
اسمي شادي عندي 34 سنة شغال في شركة مقاولات كبيرة
متجوز من حبيبتي مريم اللي عشتها طول حياتي، نعمه من ربنا مش عارف أشكر ربنا عليها كفاية
هي اللي خلتنى أبقى راجل محترم، اللي لما بتبصلي بعينها بحس إن الدنيا كلها بخير
لسه منقبلش على خلفه بس ربنا كريم
قصتنا بدأت لما الشركة قررت تبعثني لمشروع جديد في مدينة بعيدة
مدينة الصعيد الأصيل مدينة فيها الأثر والتاريخ والناس الطيبين
قلت لمريم:
هنقعد هناك ست شهور بالكتير ونرجع
هي وافقت على طول من غير ما تتذمر، بس طلبت طلب واحد
شقة تكون واسعة ونضيفة ويكون جنبها أسواق وخدمات
وافق أكيد واتحركت
فى المدينة دي بالتحديد، لقيت اعلان عن شقة في عمارة قديمة
العمارة دي كانت غريبة بشكل ما
مكونة من اربع أدوار
بس الوحيدين اللي ساكنين فيها كان ساكن الدور الأرضي وعايش فيه راجل عجوز ومراته، والباقي كله كان فاضي
صاحب العمارة كان راجل ستيني اسمه الحاج كمال
راجل طيب جدا لكن كان في حاجه غريبة في عيونه
كان ديما بيبص في الأرض ومش بيحكي كتير
سألته مره:
ليه باقي الشقق فاضيه
قال لي بلهجه مريحتنيش:
الناس مش بتحب تسكن في عمارة قديمة بيحبوا الجديد، حسيته بيتجنب حكاية حاجه
لكن انا معترضتش
الشقة في الدور التالت كانت واسعة ونضيفة
والسعر كان رمزي قدام إمكانيات الشقة
مريم اول ما شافت الشقة انبهرت وقالت معجبه جدا:
دي أحلى من شقتنا في القاهرة، حبيبتها ازاي عجبها المكان ده
في الاسبوعين الأولين كان كل شيء تمام
مريم كانت فرحانه بتنضيف الشقة وترتيبها
وكنت انا بخرج الصبح وارجع بالليل، ولا حاجه غريبه حصلت
لغاية ما ابتدت الحكايه
---
كنت راجع من الشغل في يوم، الساعه كانت واحده بالليل
لقيت مريم قاعده في الصاله لوحدها والنور طافي ومشغله التلفزيون بصوت واطي
قولتلها مندهش:
مالك يا حبيبتي ليه قاعده كده
قالت لي بصوت خافت فيه نبرة خوف:
شادي في حاجه غريبه بتحصل
قولت ميتغرب:
ايه الحاجه الغريبه
مريم اتلعثمت في الكلام شويه وقالت:
في راجل بيقف قدام باب الشقة
كل ليلة في نفس الوقت
ضحكت في الأول قولتلها:
يمكن واحد من العمارة غلطان في الدور
قالت بتوتر:
لأ الباب مش بيتخبط وبعد دقايق بيختفي
قولتلها مهدئا:
طيب انا النهارده هقعد معاكي اشوف الراجل ده
فضلنا سهرانين مع بعض
كانت مريم قاعدة متوترة وعينيها مش بتسيب باب الشقة
الساعه دقت التلاته بالليل
وقتها شفت الخيال
كان خيال راجل طويل واقف قدام باب الشقة بالضبط مش بيتحرك خالص
قولت يمكن واحد واقف يستنى حد
قومت أفتح الباب اشوف مين
و وانا ماشي نحو الباب
الخيال اختفى كانه لم يكن موجود من الأساس
مريم بصتلي بعيون مرعوبه
وقالت بذعر:
شوفت
قولتلها بلهجه مأقنعتنيش:
يمكن يكون بيتهيألك
بس انا تأكدت من حوار غريب
انا اتأكدت ان مفيش حد كان واقف هناك
لان الباب عليه غبار ومحدش لمسه
مريم معترضتش
لكن كانت خايفه
رحت نايم على اني اقنع نفسي ان مفيش حاجه
بس كنت غلطان
---
بعد اسبوع من الواقعة
بدأت احس ان فيه حد في الشقة معانا، كنت بسمع وقع رجلين في الليل
خطوات تقيلة بتتمشى في الأوضة اللي جنبنا
كنت بقوم افتش ألاقي الشقه فاضيه
مريم بقت متعصبه مني
كانت تقولي:
احنا ليه قاعدين هنا شادي مش فاهم حاجه
نرجع القاهرة ونقول للشركة انا مش قادره استحمل
كنت بحاول اهديها واقولها:
ان شوية ونخلص ونمشي
لكن ماكنتش اعرف ان اللي جايجي اسواء بكتير
فى يوم من الأيام كنت خارج الشغل بدري
الساعه كانت اتناشر بالليل
لقيت باب الشقة مفتوح والنور طافي، قلبي وقع في رجليا
دخلت جري لقيت مريم قاعده في اوضه النوم قاعدة على السرير بتبص في الحيط
عيونها زايغه ووشها اصفر
ناديت عليها:
يا مريم
مريم
ما بتردش
رجفتها شويه وكلمتها تاني قامت بصتلي بنظره غريبه
النظره دي كانت باااارده
كاني ماعرفهاش ولا هي عارفاني
وقالت بصوت مش صوتها:
هو جه
قولت متحيرا:
مين اللي جه يا مريم
قالت بنفس الصوت:
اللي كان بيجي كل يوم، النهارده دخل
انا حسيت وقتها ان شعر جسمي كله وقف
انا اللي مكنتش بخاف من حاجه بقيت خايف
جريت ناحيتها حضنتها
كانت جسمها مثلج زي الزلط وفضلت ترتجف
فضلت ماسك فيها لمدة نص ساعه وهي في الحالة دي
لغاية ما هديت شويه ورجعت لعقلها
بكت كتير
وكانت بتقولي كنت خايفه عليك شادي
كنت خايفه متلحقنيش
فضلت اسألها:
مين اللي دخل
ومين اللي انتي خايفه منه متلحقكيش
بس مكنتش عارفه تشرح
---
قررت ان انزل اتكلم مع سكان العمارة الوحيدين، الحاج كمال والست طاهرة مراته
نزلت خبطت عليهم الحاج كمال فتح الباب بصلي باستغراب
وقال لي بهدوء:
اتفضل يا بني
دخلت قعدت معاهم في صالون بسيط
الحاج كمال فضل ساكت
الست طاهرة هي اللي ابتدت الحكايه
وقالت:
انت عارف يا بني ان العمارة دي معموله على مقابر فرعونيه قديمه
قولت بتعجب:
لا معرفش
قالت بصوت هادئ فيه نبرة حزن:
اه ده اللي كانو بيقولو عليه الجيران القدام
اللي سكن قبل كده الكل شاف حجات مش طبيعيه
وكلهم مشيوا غيرنا احنا
سألتها مستفهما:
انتو مخفتوش ليه
قالت وهي تتنهد:
احنا خايفين بس احنا كبار في السن
ومعندناش مكان نروحه تاني
وخلاص تعودنا على الزائر بتاع الليل
الزائر بتاع الليل
الكلمه دي وقفت في وداني
سألت وأنا بعقد حواجبي:
مين هو الزائر ده؟
الحاج كمال اتكلم بصوت واطي وقال:
واحد من العمال اللي كانو بيشتغلو في الحفر لما العماره كانت بتتبنى
مات في حادثه في الدور التالت، في الشقة اللي انت ساكن فيها بالظبط
ومن ساعتها الناس بتشوفه واقف قدام باب الشقة كل ليله في نفس الوقت اللي مات فيه
الساعه تلاته بالليل
انا مريت باللي انت مريت بيه يا بني
بس هو عمره ما دخل على حد
لغاية النهارده
سألت:
هو ليه دخل النهارده
الست طاهرة بصت في عنيا بقلق وقالت:
معناه انه عاوز حاجه منكو، وعاوزها دلوقتي مش بكره
رحت طالع وانا حاسس ان دماغي هتنفجر من كتر التفكير، مريم قاعده لوحدها فوق
لو حصلها حاجه
جريت السلم جري
ووصلت باب الشقة
كان مقفول
فتحت بسرعه
دخلت لقيت
مريم قاعده مكانها على الكنبه
بتضحك
ضحكه غريبه
وقالت:
استنينتك يا شادي
قولت مريم انتي كويسه
قالت:
انا مش مريم
وقفت وعيونه في عنيها
قالت:
انا اللي كنت بتزوركو كل ليله
انا كنت مستنيك تروح وتيجي عشان تاخد بالك من مراتك
لسه كنت بدور على حاجه اقولها
لقيتها وقفت من على الكنبه
كانت مريم بس شكلها مش مريم
عينين مريم بس مش عيونها
ضهرها اتقوس كأن حد جواه بيتحرك، وفضت تقرب مني
جيت اجري لقيت رجليا ثابته في مكانها
قالت بصوت جهوري:
انا عاوز الحاجه اللي سايبينها جوه الدولاب في الاوضه الصغيره
الدولاب في الاوضه الصغيره
اول مره اسمع عنه
سألتها بتوتر شديد:
ايه الحاجه دي؟
قالت بسخريه:
اللي خلاكم تسكنوا هنا اصلا، الحاجه اللي جابتك انت من القاهرة، اللي مكتوب عليها اسمك
انا مش فاهم حاجه، ايه اللي مخبينه في الاوضه الصغيره
احنا من يوم ما جينا واحنا بننضف الشقه
مكانش فيه ولا حاجه
بصتلي باستهزاء
مريم بقت بتتكلم بصوت راجل
وبتضحك ضحكه تخوف
قالت:
روح شوف في الاوضه الصغيره
حركت رجليا بصعوبه، روح فتحت باب الاوضه الصغيره
كانت فاضيه
فاضيه خالص، مفيش غير فراشه قديمه على الأرض
لفيت حواليه معرفش ليه، حسيت ان في حاجه تحت الفرشاه
رفعتها
لقيت طشت صغير
جوه الطشت حته قماش ملفوفه
فتحت القماش
لقيت
تمثال صغير من الذهب
تمثال لالهه فرعونيه قديمه، عليه كتابات مش مفهومه
ايديا ارتجفت
جيت الفه
لقيت مريم واقفه ورايا
كانت عينيها فيها نور اصفر
وقالت:
ده اللي كنت بدور عليه من سنين
ده اللي جابني هنا
ده اللي خلاني اسكن في المكان ده ومش عارف امشي
قولتلها:
انت مين
قالت:
انا الحارس اللي موتت وانا بحرس التمثال ده
واللي مات في المكان ده ومحدش دفني، وعشان كده مش عارف اسيب المكان
مش عارف امشي غير لما التمثال يمشي معايا
بصيت للتمثال في ايديا
بصيت لمريم اللي مش مريم
وقتها معرفش ليه حسيت اني لازم اكون قوي
مش عشاني لا عشان مراتي اللي بتحبني واللي باكله كده بسبب غباوتي
قولتلها وأنا انظر لها:
لو اديتك التمثال هتمشي و تسيب مريم
قالت:
همشي وهسيبها ومش هتشوفني تاني
قولتلها خلاص خد التمثال
مديت ايديا
اقتربت مني مريم، ملامح وشها بتتغير كانها مش مريم خالص وخدت التمثال من ايدي
وقتها حصل حاجه مكنتش متوقعها
النور في الشقه كلها اتقطع
وسمعت ريح شديده جوا الاوضه
الريح كانت بتصرخ
وبعدين سكت كل حاجه
النور رجع
لقيت مريم واقعه على الأرض
جريت ناحيتها حضنتها
كانت دافيانه
فتحت عنيها
قالت بصوت تعبان:
شادي انت هنا
قولتلها وأنا بتنهد براحه:
ايوه
انا هنا يا حبيبتي
قالت:
فين التمثال
بصيت حوالي لقيت التمثال مش موجود، والقماش اللي كان ملفوف فيه كان ممزق
وكانت الاوضه الصغيره فاضيه خالص مفيش ولا حاجه
فضلت احضن مريم وهي بتعيط
فضلنا نعيط سوى
---
بعد الحكايه دي سبت العماره في نفس اليوم، رجعنا القاهرة ومكملناش المشروع، قلت للشركة انا مش قادر اكمل ومش هقدر
مش مصدق ان العماره دي كانت واقفه على مقابر ومش مصدق ان في حاجه زي كده موجوده
بس شوفتها بعيني
ولسه بسأل نفسي لغاية دلوقتي
التمثال ده كان مين حطه هناك
ومين اللي كان عارف اني هلاقيه، ومين اللي جابنا احنا بالذات نسكن في الشقه دي
رغم اني سبت العماره وسبت المدينه وسبت كل حاجه
بس في حاجه واحده مش قادر اسيبها
السؤال اللي عمال يدور في دماغي من يوم
ما حصل كل ده
هو الحارس اللي كان ساكن في التمثال ده لما خد التمثال وراح
هو راح فين
ولسه بفتكر كلامه:
"انا اللي موتت وانا بحرس التمثال ده
واللي مات في المكان ده ومحدش دفني
وعشان كده مش عارف اسيب المكان
مش عارف امشي غير لما التمثال يمشي معايا"
يعني هو في الاخر مشي
لكن مشى فين
هل هو راح القبور ولا هو لسه هنا
المهم ان احمد والحمد لله، مريم رجعت طبيعيه والحمد لله
بس كل ليله لما بنبقى قاعده سوى وبنشوف تلفزيون
وانا بنام جنبها
بسمع خطوات تحت البيت
بس احنا ساكنين في الدور السابع
واللي تحتنا فاضي من زمان
---
انتهت
بقلم
محسن سالم