ممر ايمان
الفصل الأول: البداية التي لا تُرى
المشهد الأول
كانت ايمان تجلس في غرفتها مساءً تقلب بين أشيائها القديمة
عندما عثرت على كتاب جلدي غريب لا يحمل عنوانًا ولا اسم مؤلف الغلاف
متشقق وله رائحة قذره فتحته فوجدت صفحة أولى باهتة كُتب عليها بخط رفيع لا يكاد يُقرأ
"الدنيا تبدأ من العتمة وكل نور بيخدعك"
شعرت بشيء بارد يلامس أصابعها فأغلقت الكتاب فجأة وهمست لنفسها:
إيه القرف ده أنا جايباه منين أصلا
ثم وقفت تنظر نحو نهاية الممر الطويل داخل الشقة
كان الممر دائم الظلمة كأن الضوء يتجنبه شعرت بقشعريرة تسري في ظهرها وقالت:
أنا زهقت من البيت ده والله العظيم فيه حاجة مش طبيعية
المشهد الثاني
في منتصف الليل انقطعت الكهرباء بشكل مفاجئ
كان الهدوء تامًا لدرجة أنها سمعت صوت تنفسها بوضوح لم تكن خائفة حتى سمعت صوتًا خافتًا ينادي اسمها من نهاية الممر صوت أجش يهمس:
إيمان
إيمان
وقفت مكانها تنظر نحو الظلام وهي تشعر أن شيئًا يتحرك بهدوء على الأرض الخشبية
اقتربت ببطء من باب الغرفة الأخير الذي لا يُفتح أبدًا ووضعت يدها على المقبض همست لنفسها بصوت فضولي مرتعب:
أنا بس هبص بصه
لكن قبل أن تدفع الباب بقليل
شعرت بأن أحدهم يقف خلفها مباشرة ويمد يده نحو كتفها
المشهد الثالث
صرخت إيمان والتفتت بقوة فلم تجد أحدًا
كانت يدها ترتجف وقلبها يدق بسرعة جنونية
عادت إلى غرفتها مسرعة وأغلقت الباب بالمفتاح
وجلست على السرير وهي تلهث وفتحت الكتاب مجددًا لتجد صفحة جديدة قد ظهرت لم تكن هناك من قبل
الكلمات بدأت تظهر أمام عينيها كأن أحدهم يكتبها الآن كانت الجملة واضحة:
الممر لا يُفتح إلا لمن يحمل الخوف بداخله
صرخت إيمان وقالت بذعر وعصبيه:
أنا مش بخاف فاهم مش بخاف
لكنها كانت تبكي ووجهها شاحب وصوت في الداخل كأنه يأتي من أعماق سحيقه يهمس:
كاذبه
إنتي مرعوبة
المشهد الرابع
حاولت إيمان إشعال ضوء هاتفها
لكنه لم يعمل البطارية ممتلئة لكنها لا تضيء جلست على الأرض تحاول تهدئة أنفاسها
لكنها شعرت أن الغرفة بدأت تضيق كأن الجدران تقترب منها شيئًا فشيئًا الهواء أصبح ثقيلًا وصوت تنفس غريب يعلو في الدولاب وقفت وهي تقول بصوت مرتجف:
أنا هفتح الدولاب ولو لقيت حاجة هجري
فتحت الباب بقوة لم تجد شيئًا سوى مرآة صغيرة داخل الدولاب
نظرت إليها فرأت انعكاسها يبتسم
رغم أن وجهها لم يكن كذلك
---
الفصل الثاني: الممر يُفتح
---
المشهد الأول
في صباح اليوم التالي
استيقظت إيمان وهي تشعر أن شيئًا ما قد تغير
كان البيت ساكنًا أكثر من المعتاد والهواء مشبع برائحة غريبة مزيج من تراب وبخور محترق
خرجت من غرفتها تنظر إلى الممر الطويل الذي بدا كأنه أطول من الأمس
لاحظت أن باب الغرفة في نهايته صار مواربًا قليلًا بعد أن ظل مغلقًا طوال حياتها تقدمت نحوه ببطء وكل خطوة كانت تثقل كأنها تمشي في طين وهي تهمس:
أنا لازم أعرف إيه ورا الباب ده
وامتدت يدخل للمقبض والباب فتح دون أن تلمسه
المشهد الثاني
دخلت ريمو إلى الغرفة التي لم تدخلها من قبل
كانت الغرفة خالية تمامًا من الأثاث لكن على الأرض دائرة مرسومة بالطباشير الأسود
بداخلها كتاب صغير مفتوح وصفحة ممزقة على الحائط كُتب عليها بالدم:
من يدخل الممر لا يعود كما خرج
ريمو قالت وهي تنظر حولها بذعر:
مين اللي عمل كده وليه الباب كان مقفول من سنين
ثم لمحت خيالا يمر خلفها سريعًا
التفتت فلم تجد شيئًا شعرت أن الهواء بارد بشكل مفاجئ وكأن الغرفة لا تنتمي إلى بيتها
المشهد الثالث
جلست إيمان على الأرض تقلب صفحات الكتاب الصغير لكن اللغة غير مفهومة رموز لا تشبه أي شيء رأته من قبل وبين الرموز كلمات قليلة بالعربية مثل:
العبور_ الطقوس _ الطلسم _ ايمان
توقفت عند اسمها وقالت بصوت متوتر:
هم كاتبين اسمي ليه هنا إزاي
ثم فجأه شعرت بيد تمسك شعرها من الخلف بقوة وتجذبها للوراء
صرخت وسقطت على الأرض
لكنها لم تر أحدًا سوى خيال قصير يمر داخل الحائط المجاور ويختفي
المشهد الرابع
خرجت من الغرفة مسرعة تغلق الباب خلفها بقوة
وعندما استدارت نحو الممر وجدته مظلمًا تمامًا رغم أن الشمس تشرق من النوافذ شعرت أن الممر أصبح أضيق من ذي قبل الجدران متشققة وصوت أنين خافت يخرج منها سارعت نحو غرفتها
لكنها وجدت الباب قد اختفى لم تعد هناك أي أبواب فقط ممر طويل مظلم ونفس الصوت يهمس من بعيد:
رجعتي ليه انتي اخترتي الممر خلاص
مافيش رجوع
جلست على الأرض وهي تصرخ:
أنا ما اخترتش حاجة أنا مش عايزة ده
لكنه أجابها بصوته الذي يأتي من أعماق يحبه
نبرة جذاب:
بس هو عايزك
---
الفصل الثالث: الطقوس الأولى
المشهد الأول
استيقظت إيمان فجأة
لم تكن نائمة في غرفتها
بل مستلقية على أرضية خشبية باردة مليئة بالغبار وتحيط بها شموع مطفأة الغرفة لا نوافذ فيها ولا أبواب
مجرد أربعة جدران عارية وسطها مرآة ضخمة مكسورة في نصفها
وقفت وهي تتنفس بصعوبة وقالت:
أنا مش فاهمة أنا فين أنا كنت في بيتي
لكن الصوت جاء من خلفها بصوت امرأة:
انتي دخلتي بإرادتك
التفتت إيمان فوجدت امرأة عجوز جدًا بوجه مشوّه وعين واحدة تدور في محجرها بشكل دائري
تقف بجانبها وتمسك بشيء يشبه كف يد بشرية مقطوعة
المشهد الثاني
العجوز قالت لإيمان التي سمرها الرعب مكانها
وقد اتسعت عيناها:
الطقوس بدأت يا بنتي والممر اختارك
ثم وضعت كف اليد في إناء حجري وبدأت تسكب عليه سائل أسود كثيف يخرج منه دخان أبيض
كانت الرائحة كأنها جثث محروقة
حاولت ايمان الهرب
لكن الجدران بدأت تنزف دم كانت الدماء تسيل من التشققات في الحوائط وتنزل على الأرض بشكل دوائر
العجوز بدأت تضحك ضحكة عالية وقالت:
لو خرجتي من الدائرة هيمسكك هو بنفسه
ايمان صرخت وقالت:
أنا مش هفضل هنا سيبوني
فجأة خرجت يد طويلة جدًا من أحد الشقوق على الحائط تمسك رجلها وتسحبها بقوة
المشهد الثالث
سقطت إيمان في مكان آخر كأنه قبو عميق مظلم مملوء بصناديق خشبية مفتوحة وجثث ملفوفة في أكياس سوداء
لكن كل جثة كان وجهها مكشوف وعيونها مفتوحة تنظر إليها مباشرة واحدة من الجثث بدأت تتحرك وتقول اسمها:
إيمان
إيمان
إيمان
ثم بدأت تتلوي وتزحف نحوها بصوت عظام تتكسر إيمان سقطت على ظهرها صارخه وهي تضرب الجثة بعنف
لكنها لم تتوقف عن الزحف الجثة أمسكت بكتفها وقالت بصوت رجل خشن احس:
انتي السبب انتي اللي جبتيهم هنا
إيمان ضربتها بحجر ضخم حتى تشقق وجهها
لكن الدم كان أسود وله رائحة زيت محترق
المشهد الرابع
صعدت درجات القبو جارية حتى وصلت إلى باب معدني
انفتح الباب من تلقاء نفسه ودخلت إلى غرفة مليئة بمرايات
وكل مراية كان فيها صورتها لكن مش بملابسها العادية كانت لابسة لبس طقسي أحمر ومغمضة عينيها
كل صورة بدأت تتحرك لوحدها وتفتح عينيها ببطء وفي كل انعكاس عينها كانت سودة بالكامل وتبص عليها
واحدة من الصور قفزت من المراية كأنها خرجت من الزجاج وبدأت تزحف ناحيتها بصوت خربشة
هرولت إيمان وهي تصرخ قائله:
سيبوونيييي
بس الصورة قالت بسخريه مرعبه:
أنا انتي
انتي أنا
(مين الحمار فينا لأ معلش سرحت)
انتي اللي بدأتي
واللي بيبدأ لازم يكمل
---
الفصل الرابع: الانعكاس
المشهد الأول
عندما فتحت إيمان عينيها وجدت نفسها مربوطة بسلاسل حديد في غرفة دائرية الجدران كلها مرايات
لكنها لم تكن تري انعكاسها المرايات
كانت تعرض مشاهد مختلفة وجوه ناس تصرخ
أطفال بيتشدوا لداخل الظلام
ستات شعرهم محروق ورجالة ملامحهم ساحت
إيمان حاولت تصرخ لكن لسانها كان مربوط بخيط أسود داخل فمها
وصوت خرج من المرايات بصوت كذا ست بيتكلموا في نفس الوقت:
انتي اللي شغلتي الطقس
انتي اللي فتحتِ الباب
انتي اللي لازم تنهيه
إيمان كانت دموعها نازلة وهي تهز راسها تقول بصوت داخلي ملئ بالتعب والآلم:
أنا ما عملتش حاجة ليه بتقولوا كده
لكن المرايا بدأت تنقط دم بدل الصور
المشهد الثاني
السلاسل بدأت تفك نفسها
وإيمان وقعت على الأرض
امامها كان فيه مخلوق واقف طوله أكتر من مترين جلده زي الفحم عيونه عبارة عن فتحات فاضية جسمه بيطلع دخان من ضهره ريحته موت وخشب محروق قرب منها ببطء وهو بيتمتم بكلمات مش مفهومة وكل ما يقرب جلدها يتحرق
كأن وجوده نار خفية المخلوق مسك راسها بإيد فيها تلات صوابع وقال بصوت مرعب جدا:
رجعي اللي أخدتيه
رجعي النور اللي جرحني
ايمان صرخت بكل رعب الدنيا:
أنا معرفش قصدك إيه
فبدأ يحط إيده جوا صدرها كأنها دمية
المشهد الثالث
شافت إيمان في اللحظة دي كل اللي فات كأن حياتها كلها كانت طقوس بدون ما تعرف
كل مرة كانت تحلم بحاجات غريبة
كل مرة كانت ترسم رموز وهي مش فاكرة
كل مرة كانت توقف قدام المراية وتتكلم مع نفسها
كانت بتجهز من سنين وهي مش واعية
المخلوق خرج من صدرها قطعة جلد صغيرة مكتوب عليها حروف بلون أحمر وقال:
ده وعدك
وده ختامك
ورماها في الأرض
والأرض اتفتحت تحته وبلعته
بس جسم إيمان بقى ينزف من مكان ما خرج الوعد
وكانت بتضحك رغم الألم
ضحكة مالهاش معنى
ضحكة مرعبة حتى ليها
المشهد الرابع
رجعت إيمان لبيتها
أو ظنت إنها رجعت
لكن الباب اللي فتحته ماكانش باب شقتها
كان باب ممر طويل مليان مرايات
بس المرايات دلوقتي بتظهر صورتها هي بس
بنفس اللبس الأحمر
بنفس الجرح في صدرها
وكل مراية كانت بتتكلم بصوتها
واحدة تقول:
لسه مابدأناش
وواحدة تقول:
مين قال إن في خروج
وواحدة تهمس:
انتي بقيتي واحدة منهم دلوقتي
إيمان وقفت قدام آخر مراية
وابتسمت ابتسامة هادئة
وقالت:
أنا مش بخاف خلاص
أنا بقيت الأصل
والممر فتح نفسه… لوحده
---
الفصل الخامس: الكسر
المشهد الأول
الممر كان ممتد بلا نهاية وريح باردة تضرب وجه إيمان
كلما كانت تسير
المرايات بتتكسر واحدة ورا التانية بصوت عالي
كأن زجاج بينفجر داخل ودانها
كل مراية بتتكسر بتصرخ
واحدة بصوت طفل
واحدة بصوت صديقتها
واحدة بصوتها هي وهي صغيرة بتعيط
كانت إيمان تسير ودموعها تغرق وجهها
وكل خطوة كانت حافية فيها وجع وسخونة
بس كانت بتقول بصوت عالي:
كفاية بقى
أنا مش لعبة
أنا مش طقس
أنا إيمان
أنا ليا اسم
أنا ليا جسد
أنا ليا حياة
---
المشهد الثاني
ظهر الكيان
نفس المخلوق الطويل
لكن المرة دي شكله اتغير
وجهه بقى شبه وجه إيمان
لكن مشوش
كأنها شايفة نفسها في كابوس
نص ضاحك ونص بيصرخ
وهو بيقول:
انتي كنتي مفتاح
انتي كنتي باب
انتي اللي شققتي الحجاب
أمسكت إيمان راسها وهي تصرخ بعصبيه
وهي توشك علي الأنهار:
أنا مكنتش أعرف
يا ولادة الكلب
أنا كنت ضحية
اقترب الكيان منها بإيده السودا المكسوة بشر قديم
وقال بصوت متحشرج مرعب:
مفيش ضحية بتعيش
اللي يشوفنا ما بيرجعش
إيمان وقعت على ركبها
لكن قامت ثانية
وقالت وهي عينيها بتلمع من الدموع والرعب:
لا
أنا هشوف وهرجع
أنا همسكك
وهحبسك
في نفس المكان اللي طلعته منه
---
المشهد الثالث
مدت إيمان يديها لداخل صدرها
مش بأداة
ولكن بإرادة
واخرجت الجلد اللي خرجه منها الكيان من قبل
كان لسه عليه الدم
ورمته جوه دائرة الطباشير القديمة اللي كانت في أول غرفة
بدأ الكيان الذي فوجئ بهذا
يصرخ
صرخة كأنها ملايين يعذبوا بوقتي واحد
الصوت جاب شقوق في الجدران
النيازك كانت بتنزل من السقف
المرايات كلها ولعت نار
لكن إيمان ظلت واقفة
تنظر له بنظري خاويه خاليه من الرحمع
وشعرها بيطير
وعينها ما بترمش
قالت بصوت ثابت ظاهريا:
أنا مش هخاف تاني
أنا اللي هقفل الممر
أنا اللي هحبسك
ورفعت إيدها
وصرخت:
ارجع لمطرحك
بالدم اللي أخدته
وبالخوف اللي زرعته
وبالليل اللي طال
أنا بقطعه
---
المشهد الرابع
اختفى الكيان
الدم غطى الأرض
الهواء بقى نضيف لأول مرة
الممر ضاق واختفى
وفتحت عينيها
كانت إيمان نائمة على سريرها
والنور يدخل من الشباك
والبيت ساكت
لكن ليس سكوت مخيف
بل سكوت عادي
قامت ونظرت في المراية
شاهدت نفسها
بس ملامحها قوية
عنيها لم تعد خائفة
قربت وقالت للمراية بحزم وصرامه:
أنا رجعت
وإنتي لو حاولتي ترجعي
أنا مستنياكي
ابتسمت
وخرجت من الأوضة
وباب الممر
فضل مقفول
للأبد
---
تمت بحمد الله
بقلم
محسن سالم
حالات لم يُكملها الطب
( استلهمتها من الكاتب الكويتي الرائع عبد الوهاب السيد الرفاعي وسلسلته حالات نادره)
---
د. هيثم العدوي – طبيب ومحلل نفسي، أربعيني، خدم سابقًا في مستشفيات عسكرية، يُعرف بين زملائه بـ "الهدوء القاتل".
في هذه المذكرات يعترف بأنه بدأ يلاحظ تشابهًا مرعبًا في حالات مختلفة مرت عليه، وكأنها "قصة واحدة" تتحدث على ألسنة متعددة.
الفصل الأول: "بقايا صوت"
"كنت أظن أنني سمعت كل شيء... إلى أن تحدثت معي تلك الفتاة، وهي لا تملك لسانًا."
في تمام العاشرة صباحًا
دخلت إلى مكتبي فتاة في أوائل العشرينات، شاحبة، ترتدي وشاحًا سميكًا حول رقبتها، وبجوارها والدتها التي لم تكف عن البكاء.
– دكتور ابنتي هديل لا تتحدث.
ليست خرساء
لكن منذ شهر توقفت عن الكلام وتكتب فقط جملاً واحدة على ورقة.
جملة واحدة دائمًا، بلا تغيير:
"هو في الحائط يسمعني."
طلبت من الأم أن تتركنا وحدنا.
خلعت الفتاة وشاحها ببطء، فظهرت آثار غرز دائرية صغيرة جداً على طول عنقها
كأنها ثقوب إبر أو عضات دقيقة للغاية.
– هل تؤمن بالأصوات التي لا يسمعها سواك يا دكتور؟
قالتها، بصوت جاف خافت، لم أستطع وقتها إدراك كيف خرج منها، لكن الأغرب أنها فتحت فمها ولم يتحرك لسانها.
...
مرت الجلسة الأولى بكثير من الصمت.
كنت ألاحظ أن الفتاة لا تتحرك نحو الكرسي مباشرة
بل تتحاشى السير بمحاذاة الحائط
كانت تمشي وكأنها تدور حول شيء ما.
وعندما طلبت منها أن ترسم ما تسمعه
رسمت ما بدا وكأنه وجه مشوّه – لكن الوجه لم يكن كاملاً
كان مقطوعًا من جهة واحدة، والجهة الناقصة تحاذي الحائط.
انتهت الجلسة الأولى، ولم تقل سوى جملة واحدة قبل أن تخرج:
– "إنه يعرف أنك تنظر إليّ، وسينظر إليك أنت أيضًا."
الفصل الثاني: "ضوء خلف الستارة"
المريض التالي كان "أمين.ع"، رجل أربعيني يعمل في شركة أمن.
جاءني لأن زوجته تصرّ على أنه يتحدث ليلاً أثناء نومه بكلمات ليست عربية
وأنه أحيانًا ينهض ويفتح ستارة الشباك ويظل يبتسم باتجاه الظلام.
في الجلسة الأولى، كان هادئًا
وقال بهدوء مرعب من نبرة صوته:
– دكتور، أنا لا أعاني من شيء. أنا فقط بدأت أسمع نفس الجملة يوميًا:
"أنت الثاني بعد الصوت."
– هل تعني أنك سمعتها من قبل؟
– لا يا دكتور... الجملة جاءتني في الحلم بعد أن قرأت جملة كتبتها فتاة صماء على الإنترنت.
شعرت بقشعريرة. تذكّرت جملة هديل:
"هو في الحائط، يسمعني."
...
في الجلسة الثانية، سلمني أمين شريط فيديو صوّره بنفسه في غرفته أثناء نومه. في الدقيقة ٣:٤٥ من التسجيل، رأينا شيئًا عجيبًا
هو ينهض من النوم، يفتح الستارة، ويهمس بشيء
ثم يختفي من الكاميرا لحظة
فقط ثانيتين
ثم يعود وهو يرتدي قميصًا مختلفًا تمامًا. في ليلته السابقة كان يرتدي أزرق
ثم عاد بالقميص الأحمر الذي قال إنه لم يلبسه منذ مات أخوه.
...
سألته عن قميص أخيه، فغرق في صمت. بعد دقيقتين، تمتم:
– أنا لم أعد أتذكّر إن كنت أنا اللي مت..
– ماذا تعني؟
– أخويا مات في حادث.
لكن لما فتحت الستارة يومها
حسيت إنه اللي كان بينام على سريري مش أنا!
الفصل الثالث: "الحالة ٥١"
جاءني اتصال من زميل قديم يعمل في مستشفى للأمراض النفسية شرق البلاد.
قال إن لديهم مريضًا "يُحدث تشويشًا كهربائيًا في الأجهزة"
وكل من يقترب منه يشعر بطنين في أذنه.
المريض اسمه "باسل.ه"، ١٧ سنة.
في أول لقاء، دخل الغرفة بهدوء مرعب
جلس على الكرسي مباشرة ونظر إلي نظره تسبر اغوار الاعماق.
– دكتور، تعرف لما تكون ساكن جوه شيء أكبر منك؟
– ماذا تقصد؟
– يعني لما تكون إنت، صوتك، ذاكرتك، مش بتاعتك… مجرد مستأجر فـ شقة قديمة…
– وهل هناك من "يؤجرك" تلك الشقة؟
– أنا آخر واحد سكن فيها
قبلي سكن فيها اللي خلي هديل تخرس
وأمين يغير هدومه فـ النوم
أنا بس "وعيت" أكتر منهم عشان كده جمعت اللي باقي منكم.
– من "كم" يا باسل؟
– منكم يا دكاترة.
أنتو الحالة رقم ٥١.
…
في نهاية الجلسة، انقطعت الكهرباء في الجناح.
وعندما عادت، وجدنا أن باسل لم يكن في الغرفة.
الباب مغلق بالكود ولا كاميرا التقطت خروجه.
لكن ظهر شيء آخر
في الغرفة، على الحائط الذي كان خلفه، ظهرت جملة مكتوبة بخط صغير جدًا:
"انتظرني في النوم التالي يا دكتور هيثم. سأحدثك من الجهة الأخرى من الصوت."
بالطبع... الآن نغوص أعمق، حيث ينفك نسيج العقل ويصبح الواقع مرآة مشروخة تتكرر فيها وجوه المرضى، وصدى أصواتهم يندمج في وعي الطبيب حتى لا يميز إن كان يعالجهم... أم يعالج نفسه.
الفصل الرابع: "ذاكرة لم أزرها من قبل"
في مساء الجمعة، وجدت على مكتبي مظروفًا بنيًا
بلا اسم مرسل، يحمل صورة قديمة بالأبيض والأسود. الصورة كانت لأربعة رجال يرتدون ملابس خمسينيات رثة... يجلسون أمام مبنى صغير على طراز المستشفيات الريفية.
الغريب في الصورة؟
الرجل الجالس في المنتصف هو أنا.
نسخة دقيقة مني.
نفس التقاطعة بين الحاجبين نفس الندبة على شحمة الأذن.
في ظهر الصورة، بخط أنيق كُتب:
"تُدعى الحالة الرابعة: الحجرة التي لا تُقفل."
وفي نفس الليلة... استيقظت في الرابعة صباحًا أتنفس بصعوبة يدي ترتعش وذاكرة غيري تتدفق في رأسي كالسيل.
رأيت نفسي أمشي في ممر رطب، جدرانه مكسوة بشبكات عنكبوت وأسمع خطوات خلفي لا تتوقف
أدرت وجهي، فرأيت شيئًا يركض من بعيد نحوي
رجل مشوه الوجه
لكنه كان يحمل بطاقتي المهنية!
في اليوم التالي، أتى إليّ مريض جديد:
شاب يُدعى "رأفت"، في أوائل الثلاثينات، هادئ ولهجته مهذبة، لكنه رفض الجلوس.
– دكتور، أنا كنت أعيش حياتي طبيعية… حتى نمت في حجرة الفندق رقم ٤.
– وماذا حصل هناك؟
– دخلت رجلاً… واستيقظت في جسد شخص آخر…
– هل تشك في هويتك؟
– لا يا دكتور… أنا متأكد. لأني عندما استيقظت... كنت أحمل صورة لرجل يشبهك تمامًا، وكتب خلفها "أعده حيث كان."
أخرج من جيبه صورة... كانت هي نفسها التي وصلتني.
الفصل الخامس: "أحلام لا يشاهدها أحد"
بدأت أشعر بالاختناق في غرفتي.
لم أعد أنام أكثر من ساعتين متواصلتين.
أصوات المرضى تتكرر في أحلامي، وجملهم تتشابه بطريقة مفزعة.
"هو في الحائط"
"غير ملابسه ثم اختفى"
"صوت من الجهة الأخرى"
كلها تخرج الآن من أفواه مرضى جدد، لم يعرفوا بعضهم البعض قط.
في جلسة مع مريضة تدعى "سهى"، شابة تبلغ ٢٦ عامًا، تعمل في الإخراج السينمائي، وتقول إنها لم تعد ترى أحلامًا حين تنام
بل تشاهد "ذكريات شخص آخر".
– دكتور، أرى نفسي رجلًا خمسينيًا يعمل في سكة الحديد... أكل بيدين نحيلتين لا أعرفهما
وأبكي كل ليلة على "موت طفلتي".
– هل أنجبتِ؟
– لا… ولست متزوجة أصلاً
– متى بدأت هذه الأحلام؟
– منذ أن زرت بيت جدي في المنصورة، ووجدت هناك دفترًا قديمًا مملوءًا بكلمات لم أفهمها
لكن بعدها تغيّر كل شيء.
أحضرت الدفتر... وعندما لمسته، شعرت بحرارة
وكأن الصفحة تنبض تحت جلدي.
الصفحة الأولى فيها كلمات بلغة لا أعرفها
ولكن كلمة واحدة وسط السطور واضحة:
"هيثم".
اسمي... بخط قديم، على ورق عمره سبعون عامًا على الأقل.
الفصل السادس: "المكان الذي لا يُرى"
صوت نقر خفيف يأتي كل ليلة من الجدار خلف مكتبي.
في البداية ظننتها فئران
ثم ظننتها تهيؤات، حتى سمعت بوضوح ليلة الثلاثاء:
"دكتور هيثم."
صوت أشبه بهمس بين صرير خشب وآهات
"لقد أرسلتهم إليك."
في صباح اليوم التالي، جاءتني فتاة في الثلاثين من عمرها، نحيفة بشدة، بشرتها شاحبة، وطلبت أن تبقى في العيادة طوال اليوم، لأن البيت الذي تسكنه "اختفى".
– كيف اختفى؟
– ذهبت أمس إلى منزلنا
وجدت نفس الشارع، نفس الأشجار
لكن البيت لم يكن هناك!
– وأين نمتِ؟
– في عيادة أسنان قديمة... وجدت مفتاحها في جيبي، ولم أزرها من قبل
ثم أخرجت من حقيبتها: نفس الصورة القديمة بالأبيض والأسود.
الصورة التي وصلتني، والتي حملها رأفت، والتي رأيتها في الحلم
الآن تحملها فتاة لم تسمع عنهم قط
الفصل السابع: "ما تبقى من الليل"
أصبحت أستيقظ يوميًا على جملة تُكتب على المرآة
"أنت كنت مريضهم جميعًا
لكن الآن أنت مريضك."
قررت تسجيل جلساتي الخاصة... حديثي مع نفسي.
صوتي تغير. وأنفاسي اصبحت أكثر بطئًا
ونبضي صار غير منتظم.
في جلسة مع مريض يُدعى "نادر"، ذكر أنه يسمع صوتي في ذهنه، رغم أننا لم نلتقِ من قبل.
– هل أنت طبيب؟
– لا يا دكتور
أنا كنت سائق تاكسي
لكن شيء بداخلي يقول إنك كنت أنا قبل ١٧ سنة.
ثم سألني سؤالًا جعل الدم يتجمد في عروقي:
– دكتور... هل تتذكر مستشفى "نورين"؟
– لا، ما هذه المستشفى؟
– إذًا لماذا كان اسمك مسجلًا في ملفاتها منذ عام ١٩٨٥؟
– أنا ولدت عام ١٩٧٨…
– بالضبط. وكان عمرك ٧ سنوات عندما دخلتها كمريض اسأل نفسك:
لماذا لا تتذكر طفولتك؟
…
في نهاية الجلسة، أعطاني قرصًا مرئيًا قال إنه صوره بهاتف قديم.
فتحت الملف.
وجدت نفسي فيه، أجلس في غرفة بيضاء
أرتدي زي مريض، وعلى صدري بطاقة تقول:
"الحالة: ١٣. الاسم: هيثم العدوي. المراقب: د. كمال يوسف.
ممتاز… نكمل إذًا دون توقف
وبذات الأسلوب العميق، الغارق في النفس البشرية ومهاوي الذاكرة المشروخة
ها نحن ندخل الفصل الثامن من "مذكرات الطبيب النفسي: الحالة رقم 13"
الفصل الثامن: "د. كمال لا يعيش هنا بعد الآن"
كنت أظن أنني أملك السيطرة.
أن ما أفعله جلسات مهنية، أن بيني وبين الجنون خطًا واضحًا يُدعى "التحليل"، حتى تلقيت اتصالًا من رقم محجوب.
صوت رجل عجوز قال بلكنه غامضه مرعبه:
– "لقد كنت المريض رقم ١٣ يا دكتور هيثم
تمامًا كما كنت الطبيب رقم ١٣ في السلسلة.
والآن جاء دورك لتُكمل الدائرة."
انقطع الخط.
في اليوم ذاته، فتحت ملفًا قديمًا من أرشيفي كنت قد خبأته لغرابته الشديدة:
"د. كمال يوسف"، طبيب نفسي عمل في الستينات، واختفى بعد أن زعم أنه "دخل في عقول مرضاه ولم يخرج".
الملف احتوى على شيء واحد فقط:
مخطط دائري به ثلاثة عشر رقمًا وكل رقم متصل بالذي قبله بسهم
وعند الرقم الأخير –١٣– رسم دائرة سوداء مكتوب بداخلها اسمي.
الفصل التاسع: "جلسة مع الجدار"
في ليلة الثلاثاء، وصلت عيادتي ولم أجد أحدًا
رغم أن لدي موعدًا مع مريض يدعى "أكرم".
لكن حين جلست على مكتبي، جاء صوت من خلف الجدار مباشرةً، همسًا كأن الجدار يتحدث:
– "أكرم هنا يا دكتور. فقط لا تفتّش وراء الجدار."
بدأ الجدار يتنفس فعلًا… يُصدر صوت شهقة وزفير خفيف. ركضت لأفتح شقًا خلف الستارة، كانت هناك فتحة مستديرة صغيرة، كأن أحدهم يراقبني منها.
وضعت عيني لأتفحص الداخل
فلمحت عينًا بشرية تنظر نحوي من الداخل، ثم اختفت.
ذهبت اليوم التالي إلى قسم الخرائط في الجامعة، وطلبت مخطط بناء العيادة، فاكتشفت المفاجأة أخبروني:
– "دكتور الجدار الذي تتحدث عنه ليس له امتداد معماري. خلفه مساحة هواء
لا توجد أي غرفة هناك."
ولكن ما وجدته كان أكثر رعبًا.
في الخريطة الأصلية، بخط اليد كُتب بخط باهت جدًا: "غرفة المراقبة: د. كمال يوسف – 1962"
الفصل العاشر: "الجلسة الممنوعة"
دخلت العيادة وقد قررت: سأُجري جلسة مع نفسي.
وضعت جهاز التسجيل، أغلقت الأنوار، وتحدثت مع الظل المقابل لي، كما لو كنت مريضًا.
– "ما اسمك؟"
– "أنا من تبقى حين اختفى الآخرون."
– "ما معنى هذا؟"
– "أنت من بدأ. أنت من نسيت. أنت من سمح لهم أن يدخلوا."
– "من هم؟!"
– "الذين لا يجلسون على الكرسي
بل يعيشون تحت الجلد."
ثم سكتت الغرفة. شعرت وكأنني داخل حلم
لكن أذني بدأتا تنزفان.
عندما أعدت تشغيل التسجيل
سمعت صوتي بوضوح
لكنه لم يكن بصوتي المعروف.
كان يسألني:
– "هل أنت د. هيثم العدوي؟"
وأجبت بسرعه:
– "لا... أنا كمال يوسف."
الفصل الحادي عشر: "العودة إلى الصفر"
ذهبت إلى بيت عائلتي القديم، فتحت خزانة قديمة في القبو، ووجدت صندوقًا خشبيًا.
فيه دفتر يوميات من عام 1985، باسم هيثم العدوي – القسم المغلق – مستشفى نورين.
وفيه مكتوب:
"اليوم بدأت أظن أن الطبيب ليس طبيبًا
وأنني لست مريضًا.
هذا الرجل الذي يسمّي نفسه د. كمال يتحدث وكأنه يعرفني منذ ولادتي. يقول إنني الجزء الوحيد الذي نجا من الجلسة الأخيرة
وإن باقي المرضى الآن يسكنون رأسي."
ثم تحتها:
"الغرفة الرابعة عشرة ستُفتح قريبًا. وعندها، لن أكون بحاجة للمرآة بعد الآن
لأن كل الوجوه التي رأيتها، هي وجهي."
الفصل الثاني عشر: "التكرار... اللانهائي"
اليوم، عُثر على جثة في العيادة، مشنوقة، وتحتها دفتر مذكرات جديد كتب بخط أنيق:
"مذكرات الطبيب النفسي – الحالة رقم ١٣"
في آخر صفحة، كتب:
"لقد أكملت الدائرة. الآن من سيقرأ هذه المذكرات، سيبدأ يرى الوجوه أيضًا.
العيادة ليست مكانًا
بل مرآة لكل عقل ظن يومًا أنه أقوى من الجنون."
أغلق المحقق الملف
لكنه لاحظ شيئًا غريبًا
في الصورة الملصقة للضحية، لم يكن هناك وجه.
مجرد ظل.
وظل يحمل في جيبه صورة قديمة جدًا لأربعة رجال يجلسون أمام عيادة، في منتصفهم
كان وجه يشبهه تمامًا.
النهاية؟
ربما ليست كذلك
لأنك الآن، حين تفتح الباب
هل أنت متأكد أنك أنت؟
أم أنك... الحالة رقم ١٤؟
---
بقلم
محسن سالم