عندما كانت حياة ابسط مما ظننت
🌸
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
المدينة غارقة في صمتها المعتاد.
الأضواء القليلة المتبقية خلف النوافذ كانت تبدو كنجوم صغيرة ضاعت بين الأزقة.
أما ملاك...
فلم تستطع النوم.
كانت مستلقية فوق سريرها، تنظر إلى السقف بصمت.
وكعادتها كلما هرب النوم من عينيها، بدأت الأفكار تزورها واحدة تلو الأخرى.
ذكريات...
وجوه...
أصوات...
وأشياء كانت تتمنى لو أنها لم تحدث أصلًا.
أغمضت عينيها بقوة.
حاولت أن تطرد تلك الأفكار.
لكنها عادت من جديد.
وكأن الماضي يرفض أن يتركها بسلام.
تنهدت ببطء.
ثم جلست فوق السرير.
نظرت نحو النافذة.
كانت السماء مظلمة.
لكنها كانت تعلم أن خلف هذا الظلام توجد شمس تنتظر موعدها لتشرق.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت في نفسها:
"يا رب... اجعل أيامي القادمة أجمل من أيامي الماضية."
كانت ملاك في السادسة عشرة من عمرها.
لكن قلبها كان يشعر أحيانًا وكأنه عاش سنوات أكثر بكثير.
مرت بأشياء جعلتها تنضج بسرعة.
وتتعلم أشياء لم تكن تتوقع أن تتعلمها في هذا العمر.
لكن القصة لم تبدأ هنا.
بل بدأت منذ سنوات.
عندما كانت طفلة صغيرة.
طفلة لا تعرف شيئًا عن الحزن.
ولا تعرف شيئًا عن الخذلان.
ولا تعرف أن بعض الناس يدخلون حياتنا فقط ليعلمونا درسًا ثم يرحلون.
في تلك الأيام...
كانت الحياة أبسط.
أبسط بكثير.
كانت ملاك تستيقظ كل صباح على صوت أمها.
تتناول فطورها بسرعة.
وتحمل حقيبتها المدرسية.
ثم تخرج من البيت وهي تظن أن العالم كله جميل.
كانت تحب المدرسة.
ليس لأنها كانت تعشق الدراسة فقط.
بل لأنها كانت تحب الأحلام التي تصنعها داخل رأسها.
كانت تتخيل نفسها طبيبة أحيانًا.
وأستاذة أحيانًا.
وكاتبة مشهورة أحيانًا أخرى.
كانت تؤمن أن المستقبل ينتظرها بابتسامة.
وكان قلبها مليئًا بالأمل.
في ذلك الوقت...
لم تكن تعرف شيئًا عن الخوف.
كانت تضحك من قلبها.
وتفرح من قلبها.
وتثق بالناس من قلبها.
وربما كانت تلك أكبر مشكلة لديها.
الثقة.
كانت تمنحها للجميع.
دون أن تطلب دليلًا.
ودون أن تسأل نفسها إن كان الطرف الآخر يستحقها فعلًا.
مرت السنوات.
وكبرت ملاك قليلًا.
وكبر معها فضولها تجاه الحياة.
أصبحت تلاحظ أشياء جديدة.
وتسمع أحاديث جديدة.
وترى أشخاصًا مختلفين.
وكان ذلك طبيعيًا.
فكل إنسان يمر بمرحلة يبدأ فيها باكتشاف العالم من حوله.
لكن ملاك لم تكن تعرف أن العالم ليس دائمًا كما يبدو.
وأن بعض الابتسامات ليست صادقة.
وأن بعض الوعود لا تعيش طويلًا.
في أحد الأيام...
كانت جالسة مع مجموعة من الفتيات.
كان الجميع يضحك ويتحدث.
لكنها كانت تراقب فقط.
تراقب الناس.
وتراقب طريقة حديثهم.
وتراقب كيف يمكن أن يتغير الإنسان بسرعة.
في تلك اللحظة...
شعرت بشيء غريب.
شعرت أنها لا تنتمي بالكامل إلى أي مكان.
وكأنها تبحث عن شيء لا تعرف اسمه.
شيء يجعلها تشعر أنها مفهومة.
ومحبوبة.
ومهمة.
ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن الاهتمام...
بدأت ملاك تقترب من أشخاص جدد.
لم تكن تعلم أن بعض الطرق تبدأ بخطوة صغيرة جدًا.
لكنها قد تغير سنوات كاملة من حياتنا.
وفي تلك اللحظة...
كانت أول صفحة من قصة طويلة تُكتب دون أن تشعر.
قصة ستحمل معها الفرح والحزن.
الدموع والابتسامات.
الأخطاء والدروس.
والطريق الذي سيقودها في النهاية...
إلى الله.