حين انتصر الحب
عاصفة عشق
الفصل الثامن: حين انتصر الحب
كانت الأمطار تنهمر بغزارةٍ، حتى بدا وكأنَّ السماء تُفرغ كل ما في جوفها فوق الجزيرة.
وقف الجميع على الشاطئ وسط الرياح العاتية.
وكان البحر يزمجر أمامهم بلا رحمة.
نظر فؤاد إلى الأمواج الهائجة.
ثم إلى الحقيبة التي يحملها.
الحقيبة التي ضحّى من أجلها بسنواتٍ من عمره.
وخسر بسببها أصدقاءه.
وطارد بسببها سرًّا كان أكبر منه.
للمرة الأولى، لم يرَ فيها كنزًا.
بل رأى سبب تعاسته.
---
اقتربت موجةٌ ضخمة من الشاطئ.
واهتزَّت الأرض تحت أقدامهم.
صرخ عادل:
— علينا المغادرة فورًا!
لكن القارب المتضرر لم يكن قادرًا على حمل الجميع في تلك الحالة.
بدأ سليم يحاول إصلاح الجزء المكسور بسرعة.
بينما كانت ليان تساعده.
أما فؤاد، فبقي واقفًا في مكانه.
ينظر إلى الحقيبة.
ثم أغلق عينيه.
وألقى بها في البحر.
شهقت ليان.
أما عادل، فظلَّ يحدق فيه بدهشة.
راقب الجميع الحقيبة وهي تختفي بين الأمواج.
وكأنَّ سنواتٍ طويلة من الطمع اختفت معها.
خفض فؤاد رأسه.
وقال بصوتٍ مبحوح:
— تأخرت كثيرًا... لكنني فهمت أخيرًا.
---
وبعد جهدٍ كبير، نجح سليم وعادل في إصلاح القارب بما يكفي للإبحار.
صعد الأربعة إليه بسرعة.
وفي اللحظة التي ابتعدوا فيها عن الشاطئ، دوَّى صوتٌ هائل خلفهم.
التفتت ليان.
ورأت جزءًا من الجرف الصخري ينهار بالقرب من الكهف.
ثم اختفى مدخله تمامًا تحت الصخور.
همست:
— انتهى كل شيء.
لكن سليم نظر إليها وقال:
— لا... أظن أنَّ كل شيء بدأ الآن.
---
استغرقت رحلة العودة ساعاتٍ طويلة.
وكانت الأمواج تقذف القارب من جهةٍ إلى أخرى.
إلا أنَّ العاصفة بدأت تضعف تدريجيًّا.
ومع اقتراب الفجر، ظهرت أضواء المدينة في الأفق.
شعرت ليان براحةٍ لم تشعر بها منذ زمن.
لقد نجوا.
رغم كل ما حدث.
لقد نجوا.
---
بعد أيامٍ قليلة، نُقلت المعلومات التي احتفظ بها جدُّ ليان ووالد سليم إلى الجهات المختصة.
وتقرر حماية الجزيرة وما تحتويه من إرثٍ تاريخيٍّ وعلميٍّ.
أما فؤاد، فقد اعترف بكل ما فعله.
ولم يحاول الهرب.
كان يعلم أنَّ بعض الأخطاء لا يمكن محوها.
لكن يمكن الاعتراف بها.
---
ومع مرور الأسابيع، عادت الحياة إلى هدوئها تدريجيًّا.
عادت القوارب إلى البحر.
وعاد الصيادون إلى أعمالهم.
وعادت شوارع المدينة إلى ضجيجها المعتاد.
لكن شيئًا واحدًا لم يعد كما كان.
قلب ليان.
---
في إحدى أمسيات الصيف، كانت الشمس تغرق ببطءٍ في البحر.
والسماء تتلوَّن بدرجاتٍ من البرتقالي والذهبي.
جلست ليان على الرصيف الخشبي الذي شهد أول لقاءٍ بينها وبين سليم.
تذكرت يوم اصطدم بها وأسقط كتبها.
فضحكت.
كم بدا مستفزًّا يومها!
---
سمعت خطواتٍ خلفها.
ولم تكن بحاجةٍ إلى الالتفات لتعرف صاحبها.
جلس سليم إلى جوارها.
وساد بينهما صمتٌ مريح.
الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات.
ثم قال مبتسمًا:
— ما الذي يضحكك؟
أجابته وهي تنظر إلى البحر:
— كنت أتذكر أول مرة التقينا فيها.
ضحك.
— وأعتقد أنكِ لم تكوني معجبةً بي كثيرًا.
التفتت إليه.
— لم أكن معجبةً بك إطلاقًا.
رفع حاجبيه متظاهرًا بالصدمة.
فضحكت من جديد.
---
هدأت الضحكات.
وعاد الصمت.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
كان يحمل شيئًا لم يعد أيٌّ منهما قادرًا على تجاهله.
نظر سليم إلى الأفق للحظات.
ثم قال بهدوء:
— عندما كنا داخل الكهف... وخفتُ أن أفقدكِ...
توقف.
وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
ثم أكمل:
— أدركتُ أنَّكِ أصبحتِ أهم مما توقعت.
شعرت ليان بأن قلبها يخفق بقوة.
خفضت نظرها للحظة.
ثم رفعت عينيها إليه.
وكانت ابتسامتها كافية.
كافية لتخبره بكل شيء.
---
في تلك اللحظة، كانت الشمس تختفي خلف البحر.
وكانت آخر خيوط الضوء تنعكس فوق الأمواج.
أما العاصفة التي جمعت بينهما...
فقد أصبحت ذكرى.
ذكرى غيَّرت حياتهما إلى الأبد.
لقد بدأت القصة بسرٍّ أخفاه البحر.
وبجزيرةٍ غامضة.
وبمغامرةٍ لم يتوقعها أحد.
لكنها انتهت بشيءٍ أكثر قيمةً من أيِّ كنز.
انتهت بقلبين وجدا طريقهما إلى بعضهما.
رغم الخوف.
ورغم الأسرار.
ورغم العواصف.
ولهذا...
لم يكن اسمها «عاصفة عشق» من فراغ.
فبعض قصص الحب لا تبدأ بوردةٍ أو رسالة.
بل تبدأ بعاصفة.
تمت رواية: عاصفة عشق 🌪️❤️📖