الكهف المحظور
عاصفة عشق
الفصل الخامس: الكهف المحظور
استيقظت المدينة على صوت الرِّياح العاتية.
كانت السُّحب الداكنة تُغطِّي السماء، والبحر يبدو أكثر اضطرابًا من أيِّ وقتٍ مضى.
وقف سليم على رصيف الميناء يُراقب الأمواج المتلاطمة، بينما كان الصيادون يُسرعون إلى تثبيت قواربهم خوفًا من العاصفة القادمة.
وفي تلك الأثناء، وصلت ليان.
كانت تحمل حقيبةً صغيرةً على ظهرها، وعيناها تمتلئان بالإصرار.
قالت:
— هل ما زلتَ تعتقد أنَّ هذه فكرةٌ سيئة؟
ابتسم سليم ابتسامةً خفيفة.
— نعم.
— وهل سنذهب رغم ذلك؟
— نعم.
ضحكت ليان.
لأول مرة منذ وصولها إلى المدينة، شعرت أنَّ الخوف والحماس يسيران جنبًا إلى جنب داخل قلبها.
---
بعد ساعةٍ واحدة، كان القارب الصغير يشقُّ طريقه عبر الأمواج.
جلس عادل بالقرب من المحرِّك، بينما كان سليم يُراقب الخريطة بعناية.
أما ليان، فكانت تنظر إلى الأفق.
وفجأةً...
ظهرت الجزيرة.
خرجت من بين الضباب كأنَّها شبحٌ قديم.
كانت أكبر ممَّا توقعت.
وأكثر غموضًا.
أشجارٌ كثيفة.
وصخورٌ سوداء شاهقة.
وقممٌ تختفي بين الغيوم.
همست ليان:
— أخيرًا...
جزيرة العاصفة.
---
ما إن وصلوا إلى الشاطئ حتى شعروا بأنَّ المكان مختلف.
كان هادئًا بصورةٍ غريبة.
لا أصوات طيور.
ولا حركة حيوانات.
وكأنَّ الجزيرة تُخفي أنفاسها.
أخرج عادل الخريطة.
وأشار إلى منطقةٍ تقع في قلب الجزيرة.
وقال:
— المدخل يجب أن يكون هنا.
بدأ الثلاثة السير بين الأشجار الكثيفة.
وكانت النباتات تزداد غرابةً كلما تعمَّقوا أكثر.
بعضها لم ترَ ليان مثله من قبل.
وبعضها كان يحمل ألوانًا غير مألوفة.
تذكرت كلمات جدِّها في الدفتر:
«الجزيرة ليست كما يظن الجميع.»
وبدأت تفهم ما قصده.
---
بعد ساعاتٍ من البحث، وصلوا إلى جدارٍ صخريٍّ ضخم.
توقَّف عادل فجأةً.
ثم قال:
— هذا هو المكان.
عقد سليم حاجبيه.
— لا أرى شيئًا.
اقترب عادل من الصخر.
وأزاح مجموعةً من النباتات المتسلقة.
فتحتها ليان بدهشة.
فقد ظهر مدخلٌ ضيقٌ مخفيٌّ خلفها.
مدخلٌ يقود إلى كهفٍ مظلم.
شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها.
وقالت:
— هذا هو الكهف؟
أومأ عادل.
— الكهف المحظور.
---
أضاءوا المصابيح.
ثم دخلوا بحذر.
كان الهواء باردًا.
ورائحة الرطوبة تملأ المكان.
تقدَّموا ببطءٍ عبر ممراتٍ ضيقةٍ ومتعرجة.
وعلى الجدران ظهرت نقوشٌ قديمة.
رموزٌ غامضة.
وخرائط.
وكتاباتٌ لم يفهموا معناها.
قالت ليان:
— مَن الذي بنى هذا المكان؟
أجاب عادل:
— هذا ما حاول كثيرون اكتشافه.
لكن لم ينجح أحد.
---
وفجأةً...
توقَّف سليم.
وأشار إلى الأرض.
كانت هناك آثار أقدامٍ حديثة.
لم تكن آثارهم.
نظر إلى عادل.
ثم إلى ليان.
وقال بجدية:
— لسنا أول من وصل إلى هنا.
ساد الصمت.
فالجميع كان يعرف مَن المقصود.
الرجل صاحب المعطف الأسود.
لقد سبقهم.
---
واصلوا السير بسرعةٍ أكبر.
حتى وصلوا إلى قاعةٍ واسعةٍ داخل الكهف.
وفي منتصفها استقرَّت بوابةٌ حجريةٌ ضخمة.
وفوقها الرمز نفسه الموجود على الخريطة.
لكن شيئًا آخر جذب انتباههم.
شيء جعل الدم يتجمَّد في عروقهم.
فأمام البوابة مباشرةً...
كان هناك رجلٌ ممدَّدٌ على الأرض.
بلا حراك.
ركضت ليان نحوه.
ثم توقفت فجأةً.
وشهقت من شدَّة الصدمة.
لأنها تعرَّفت إلى وجهه.
كان الرجل العجوز الذي ظهر في الميناء حاملًا قطعة الخريطة.
لكنَّه لم يكن نائمًا.
ولم يكن فاقدًا للوعي.
بل كان ميتًا.
وبجواره ورقةٌ صغيرة.
التقطها سليم بسرعة.
ثم قرأ ما كُتب عليها.
فتغيَّر لون وجهه.
سألته ليان بقلق:
— ماذا كُتب؟
رفع رأسه ببطء.
وقال:
— لقد سبقني إلى السرّ...
لكنَّه لم يخرج منه حيًّا.
وفي أسفل الرسالة...
كان هناك توقيعٌ واحد.
توقيع الرجل صاحب المعطف الأسود.
---
وفي اللحظة نفسها...
دوَّى صوتُ إغلاقٍ هائل داخل الكهف.
واهتزَّت الأرض تحت أقدامهم.
ثم انطفأت إحدى المصابيح.
وغرق جزءٌ من القاعة في الظلام.
وأدرك الثلاثة أنَّ الخطر لم يعد بعيدًا.
بل أصبح معهم داخل الكهف نفسه.