الفتاه الذي جاءت مع العاصفه
عاصفة عشق
الفصل الأوّل: الفتاة التي جاءت مع العاصفة
كانت السَّماء مُلبَّدةً بالغُيوم، والرِّياح تعصف بقوَّةٍ على طول الطريق الساحليِّ المؤدِّي إلى مدينة «المرسى».
جلست «ليان» بجوار نافذة الحافلة، تُراقب الأمواج الهائجة وهي ترتطم بالصخور بعنفٍ، وكأنَّ البحر يُعلن غضبه على العالم بأسره.
لم تكن ليان سعيدةً بهذه الرحلة.
فبعد وفاة جدِّها قبل أشهرٍ قليلة، اضطرت إلى ترك منزلها القديم والانتقال للعيش مع خالتها في مدينةٍ لم تعرفها من قبل.
تنهدت بهدوءٍ، وأغلقت الكتاب الذي كانت تحمله بين يديها.
همست لنفسها:
— بدايةٌ جديدة... أو هكذا يقول الجميع.
لكنَّها لم تكن تؤمن بذلك.
فبعض النهايات تترك جروحًا لا تمحوها الأيام بسهولة.
---
توقَّفت الحافلة أخيرًا أمام محطةٍ صغيرةٍ بالقرب من الميناء.
نزل الركاب الواحد تلو الآخر، بينما اشتدَّت الرِّياح أكثر.
حملت ليان حقيبتها، وسارت بخطواتٍ سريعةٍ نحو الرصيف.
وفجأةً...
اندفع شابٌّ من الجهة المقابلة بسرعةٍ كبيرة.
واصطدم بها مباشرةً.
سقطت حقيبتها على الأرض، وتناثرت بعض الكتب.
رفعت رأسها بغضبٍ.
— ألا تنظر أمامك؟!
أجاب الشاب وهو يلتقط الكتب بسرعة:
— وأنا أقول الشيء نفسه!
كانت عيناه بنيَّتين داكنتين، ونبرته مستفزَّةً على نحوٍ غريب.
ناولها آخر كتاب، ثم قال:
— على أيِّ حال، يبدو أنَّ الحقيبة بخير.
عقدت ذراعيها أمام صدرها.
— والحمد لله أنَّ غرورك بخير أيضًا.
ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة.
ثم استدار وغادر دون أن يقول كلمةً أخرى.
بقيت ليان تُحدِّق في أثره للحظات.
قبل أن تتمتم:
— يا له من شخصٍ متكبِّر!
---
في المساء، وصلت إلى منزل خالتها المطلِّ على البحر.
كان منزلًا قديمًا، لكنَّه جميلٌ ودافئ.
وبينما كانت ترتِّب أغراضها داخل الغرفة الجديدة، لفت انتباهها إطارٌ خشبيٌّ معلَّقٌ على الجدار.
اقتربت منه.
كان يحتوي على صورةٍ قديمةٍ لرجلٍ يحمل خريطةً كبيرة.
وعلى أسفل الصورة كُتبت عبارةٌ قصيرة:
«البحر لا يُخفي أسراره إلى الأبد.»
تجمَّدت في مكانها.
فهي تعرف ذلك الرجل.
إنَّه جدُّها.
لكنَّها لم ترَ هذه الصورة من قبل.
---
في صباح اليوم التالي، قررت الذهاب إلى الميناء لاستكشاف المدينة.
كان المكان يعجُّ بالناس والصيادين والقوارب.
وأثناء تجوُّلها بين الأرصفة، وقع بصرها على لوحةٍ خشبيةٍ قديمةٍ مُثبَّتةٍ بجوار أحد المخازن.
كُتب عليها:
«ممنوع الاقتراب من جزيرة العاصفة.»
توقفت.
وأعادت قراءة الاسم مرَّةً أخرى.
جزيرة العاصفة.
اسمٌ غريب.
ومثير.
وفي اللحظة نفسها، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.
— أنصحكِ ألَّا تهتمي بتلك الجزيرة.
استدارت بسرعة.
فوجدت الشاب نفسه الذي اصطدم بها بالأمس.
وقف أمامها واضعًا يديه في جيبيه.
ثم أضاف:
— كثيرون حاولوا الوصول إليها... ولم يعودوا كما كانوا.
رفعت حاجبيها باستغرابٍ.
— ولماذا؟
نظر نحو البحر البعيد.
وقال بصوتٍ هادئٍ هذه المرَّة:
— لأنَّ بعض الأسرار... من الأفضل أن تبقى مدفونة.
وقبل أن تسأله المزيد، دوَّى صوتُ الرعد في السماء.
واهتزَّ الهواء مع هبَّةِ رياحٍ قويَّة.
وفي الأفق البعيد...
ظهرت لمحةٌ خاطفةٌ لجزيرةٍ غامضةٍ وسط الضباب.
جزيرةٍ ستُغيِّر حياة ليان إلى الأبد.
ولم تكن تعلم أنَّ رحلتها نحوها قد بدأت بالفعل.