خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Eighteen | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Eighteen

Chapter Eighteen

رمقني بِلَحْظٍ خَطَفَ مُهْجَتِي فَرَقًا مِمَّا قَذَفْتُهُ بِهِ مِنْ مَقَال، حِينَ قُلْتُ لَهُ مُسْتَفْهِمَةً: «وَكَيْفَ لِي أَنْ أَدْعُوَكَ فِي وَضَحِ هَذَا التِّيهِ؟ أَمِيرٌ أَنْتَ، أَمْ شَبَحُ وُحُوشٍ ضَارِيَةٍ تَجُوبُ الفَلَوَاتِ؟». لَمْ يُمهِلْنِي رَيْثَمَا أَلْتَقِطُ أَنْفَاسِي، إِذِ امْتَدَّتْ كَفُّهُ اليَابِسَةُ كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ صَخْرٍ جَلْمَد، فَقَبَضَ عَلَى ثَغْرِي بِقُوَّةٍ جَافَّةٍ كَتَمَتْ دَقَّاتِ قَلْبِي قَبْلَ صَوْتِي، وَهَمَسَ فِي أُذُنِي بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ لَكِنَّهَا ثَقِيلَةٌ كَالرَّدَى: «أَخْفِضِي عَلَيْكِ وَاهِيَ صَوْتِكِ، فَلَيْسَ فِي هَذَا الفَضَاءِ مُتَّسَعٌ لِهَذَا الهَذَيَانِ المَمْقُوت» . سَادَ المَكَانَ صَمْتٌ رَهِيبٌ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْر، وَارْتَدَّتِ الأَنْفَاسُ إِلَى الصُّدُورِ خَائِفَةً وَجِلَة، ثُمَّ رَفَعَ كَفَّهُ عَنْ فَمِي بِتُؤَدَةٍ بَالِغَةٍ تُرَافِقُهَا هَيْبَةٌ مُظْلِمَةٌ، وَأَرْدَفَ بِبُرُودٍ يُجَمِّدُ الدِّمَاءَ فِي العُرُوقِ، كَأَنَّ المَشَاعِرَ لَمْ تُخْلَقْ فِي صَدْرِهِ قَطُّ: «مَا الَّذِي دَهَاكِ لِتَنْعَتِينِي بِذَاكَ الوَصْفِ المُوحِشِ؟ وَأَيُّ سَبَبٍ حَمَلَ ظَنَّكِ عَلَى هَذَا المَوْرِدِ المَخُوفِ؟». نَظَرْتُ فِي صَرْخَدِ عَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ لَا قَاعَ لِسِرِّهِمَا، وَشَعَرْتُ بِأَنَّ الأَرْضَ تَمِيدُ بِي، فَقُلْتُ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ يَفِيضُ صِدْقًا: «لأَنَّكَ فِي سُكُونِكَ وَحَرَكَتِكَ، وَفِي إِطْرَاقِكَ وَلَحْظِكَ، تُدْنِي المَوْتَ مِنْ مَخْيَلَتِي، كَأَنَّكَ المَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ». لَمْ تَهْتَزَّ لَهُ قَصَبَةٌ، وَلَمْ يَطْرِفْ لَهُ جَفْنٌ، بَلْ رَمَقَنِي بِنَظَرَاتٍ بَلَغَتْ مِنَ التَّبَلُّدِ مَدَاهَا، كَأَنَّهُ مَلِكٌ يَرْقُبُ ذَرَّةً تَعْبَثُ فِي تُرَابِ مَمْلَكَتِهِ، وَقَالَ بِكَلَامٍ قَاطِعٍ لَا لَبْسَ فِيهِ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ تَهَكُّمًا مُسْتَفِزًّا بِالبَشَرِ وَمَخَاوِفِهِمْ: «لَسْتُ أَرَى فِي فَنَدِكِ هَذَا بَأْسًا، بَيْدَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ فِي نَوَامِيسِ العَرَبِ نَبْزُ الآدَمِيِّينَ الفَانِينَ بِأَسْمَاءِ المَلَائِكَةِ الأَطْهَارِ الأَبْرَارِ.. لِذَا، انْفِضِي عَنْكِ هَذَا العَجْزَ، وَالتَمِسِي لِي اسْمًا غَيْرَهُ، يَلِيقُ بِمَقَامِي وَمَقَامِكِ». طَأْطَأْتُ رَأْسِي صَاغِرَةً، وَأَوْمَأْتُ بِأَسَفٍ يَفْرِي حُشَاشَتِي، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي وَقُلْتُ لَهُ بِجَلَدٍ مُسْتَعَارٍ: «سَأَدْعُوكَ إِذَنْ.. السَّادَم». تَحَرَّكَتْ شَفَتَاهُ عَنْ شِبْهِ ابْتِسَامَةٍ مَعْدُومَةٍ، تَكَادُ لَا تُبِينُ، وَهِيَ التِي تُوقِظُ فِي النَّفْسِ الوَجَلَ أَكْثَرَ مِمَّا تَبْعَثُ الطُّمَأْنِينَةَ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ مُعْلِنًا قَبُولَ هَذَا اللَّقَبِ الجَدِيدِ، مُسْتَطْرِدًا بِنَبْرَةٍ بَارِدَةٍ كَجَلِيدِ القِمَمِ الشَّاهِقَةِ: «حَسَنٌ.. لِيَكُنْ لَكِ مَا ابْتَغَيْتِ. وَالآنَ، تَكَلَّفِي مَظْهَرَ العَفْوِيَّةِ، وَاخْلَعِي عَنْكِ رِدَاءَ الذُّعْرِ هَذَا، فَإِنَّ العُيُونَ تَرْمُقُنَا، وَالـ...». لَمْ يَكَدْ يَنْطِقُ بِبَقِيَّةِ حَرْفِهِ، حَتَّى انْقَطَعَ حَبْلُ النَّجْوَى بَيْنَنَا بِدَوِيٍّ جَافٍّ، إِذِ انْشَقَّ سِتَارُ الظُّلْمَةِ عَنْ خُرُوجِ أَبِيهِ العَجُوزِ، يَجُرُّ خَلْفَهُ مَهَابَةَ السِّنِينَ المَاكِرَةِ، فَنَادَى بِصَوْتٍ أَجَشَّ خَرَقَ سُكُونَ المَكَانِ: «سَيْفُ.. يَا بُنَيَّ». التَفَتَ السَّادَمُ نَحْوَهُ بِحَرَكَةٍ وَئِيدَةٍ تَخْلُو مِنْ أَيِّ مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ الإِجْلَالِ أَوِ المُفَاجَأَةِ، بَلْ كَانَ التِفَاتُهُ تَجْسِيدًا لِلْبُرُودِ المَحْضِ، فَأَكْمَلَ العَجُوزُ وَعَيْنَاهُ تَبْرُقَانِ بِطَمَعٍ تَلِيدٍ: «أَمَا آنَ الأَوَانُ يَا سَيْفُ أَنْ نَشْرَعَ فِي إِنْفَاذِ مَا قَطَعْتَ لِي مِنْ عَهْدٍ غَلِيظٍ، وَوَعْدٍ طَالَ انْتِظَارُهُ؟ الوَقْتُ يَسْرِقُنَا، وَالمَنَايَا لَا تَنْتَظِرُ الخَائِفِينَ». أَجَابَهُ السَّادَمُ، وَدُونَ أَنْ تَتَحَرَّكَ فِي وَجْهِهِ عَضَلَةٌ وَاحِدَةٌ، بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ مِنَ التَّهَكُّمِ البَارِدِ مَا يَسْتَفِزُّ الحَجَرَ الأَصَمَّ: «إِنَّ دُونَ هَذَا الأَمْرِ يَا أَبِي خَرْطُ القَتَادِ، وَسَيْرٌ فِي دُرُوبٍ مُتَعَرِّجَةٍ لَا تَقْوَى عَلَيْهَا أَقْدَامُكَ الكَلِيلَةُ.. الأَمْرُ لَيْسَ بِتِلْكَ السُّهُولَةِ التِي يَظُنُّهَا عَقْلُكَ المُنْهَكُ». احْمَرَّتْ وَجْنَتَا العَجُوزِ غَيْظًا، وَتَقَدَّمَ خُطْوَةً ثُمَّ هَتَفَ بِإِلْحَاحٍ مَشُوبٍ بِالرَّجَاءِ: «امْضِ فِيهِ لأَجْلِي، وَلَا تَلْتَفِتْ وَرَاءَكَ.. ثِقْ بِي فَحَسْبُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَانِي مَجْدِكَ العَتِيدِ». وَلَمَّا رَأَيْتُ الأَنْفَاسَ تَحْتَدِمُ، وَالأَسْرَارَ تَتَكَاثَفُ كَغُيُومٍ سُودٍ تُنْذِرُ بِصَاعِقَةٍ، قَاطَعْتُهُمَا بِجُرْأَةٍ وَقُلْتُ: «مَا خَطْبُكُمَا؟ وَمَا الَّذِي يَجْرِي فِي خَبَايَا هَذَا اللَّيْلِ وَتَحْتَ سَقْفِ هَذِهِ الدَّارِ؟». ارْتَدَّتْ نَظَرَاتُ الأَبِ العَجُوزِ نَحْوِي، فَتَأَمَّلَ قَوَامِي بِنَظَرَاتٍ فَاحِصَةٍ تَخْتَرِقُ السِّتْرَ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ آمِرَةٍ: «أَتُحْسِنِينَ الطَّهْوَ؟ هَلْ تَجِيدُ يَدَاكِ صُنْعَ الزَّادِ؟». أَوْمَأْتُ بِرَأْسِي إِيجَابًا وَعَيْنَايَ مُعَلَّقَتَانِ بِالثَّرَى، فَقَالَ أَبُو السَّادَمِ وَعَلَامَاتُ الِارْتِيَاحِ تَبْدُو عَلَى مُحَيَّاهُ: «إِذَنْ فَلْتَنْبَرِي فَوْرًا لِإِعْدَادِ مَأْدَبَةٍ حَافِلَةٍ، وَجْبَةٍ تَلِيقُ بِوُجَهَاءِ الضِّيَافَةِ الَّذِينَ أَوْشَكُوا عَلَى بُلُوغِ عَتَبَتِنَا». لَكِنَّ السَّادَمَ اسْتَوْقَفَهُ بِرَفْعِ كَفِّهِ، وَفِي صَوْتِهِ نَبْرَةٌ مُسْتَفِزَّةٌ تَجْعَلُ السَّامِعَ يَشْعُرُ بِالضَّعَةِ، وَقَالَ بِبُرُودٍ مُطْبِقٍ: «كَلَّا يَا أَبِي.. بَلْ سَتَتَوَلَّى كَهْرُمَانُ أَمْرَ الوِفَادَةِ وَالصَّنِيعِ، فَلَيْسَ لِهَذِهِ المَرْأَةِ شَأْنٌ بِخِدْمَةِ الضُّيُوفِ». انْصَاعَ العَجُوزُ عَلَى كُرْهٍ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ الأَشْيَبِ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَدْخَلِ الحُجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَائِلًا: «إِذَنْ وَلِجَا الدَّارَ، وَاقْعُدَا حَيْثُ يَنْبَغِي، فَقَدْ حَانَ أَوْجُ النَّجْوَى وَفَصْلُ الخِطَابِ.. نُرِيدُ الحَدِيثَ فِي شَأْنِ المَلِكِ العَظِيمِ وَعَرْشِهِ المُتَأَرْجِحِ». خَطَوْتُ خَلْفَ السَّادَمِ بِهُدُءٍ حَذِرٍ، كَانَ يَمْشِي أَمَامِي كَأَنَّهُ قَدَرٌ لَا مَحِيصَ عَنْهُ، وَدَخَلْنَا الحُجْرَةَ الغَارِقَةَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ الشَّاحِبَةِ، فَجَلَسْنَا فِي مَجْلِسِنَا المَعْهُودِ تَحُفُّنَا الرِّيبَةُ. وَحِينَ اسْتَقَرَّ بِنَا المَقَامُ، تَنَحْنَحَ سَقْسَعُوعُ، وَارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ عَلَامَاتُ الكِبْرِيَاءِ الزَّائِفِ، ثُمَّ قَالَ وَعَيْنَاهُ تَسْتَطِيرَانِ شَرَرًا: «لِوَاءُ الحُكْمِ مِنْ بَعْدِي، وَسُلْطَانُ هَذِهِ البِلَادِ، سَيَنْعَقِدُ لِوَلَدِي عَلِيٍّ.. هَذَا قَضَاءٌ مُبْرَمٌ لَا رَدَّ لَهُ». نَظَرَ إِلَيْهِ السَّادَمُ، وَعَلَتْ ثَغْرَهُ تِلْكَ الِابْتِسَامَةُ المُلْتَوِيَةُ، السَّاخِرَةُ وَالمُسْتَفِزَّةُ إِلَى حَدِّ الجُنُونِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ جِدًّا، كَأَنَّهُ يَهْمِسُ بِحَدِيثٍ عَابِرٍ لَا قِيمَةَ لَهُ: «هَهْ.. هَذَا مَطْمَعٌ بَعِيدُ المَرَامِ، نَازِعٌ إِلَى المُحَالِ، لَنْ يَبْلُغَهُ بَنَانُ وَلَدِكَ أَبَدًا مَا حَيِيَ، وَلَنْ تَطَأَهُ أَقْدَامُهُ وَلَوْ انْطَبَقَتِ السَّمَاءُ عَلَى الأَرْضِ». انْتَفَضَ سَقْسَعُوعُ مِنْ مَجْلِسِهِ كَالمَذْعُورِ، وَصَاحَ بِصَوْتٍ زَلْزَلَ أَرْكَانَ الغُرْفَةِ: «أَرَاكَ نَكَثْتَ بِمَا عَاهَدْتَنِي عَلَيْهِ! أَتُنْكِرُ مِيثَاقَكَ الغَلِيظَ؟ أَيْنَ الوَفَاءُ بِالعُهُودِ يَا سَيْفُ؟». أَجَابَهُ السَّادَمُ، وَلَمْ يَطْرِفْ لَهُ جَفْنٌ، وَظَلَّ مُتَّكِئًا بِبُرُودِ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ فِي عَرَاءِ الصَّحْرَاءِ: «بَلْ وَفَيْتُ بِالعَهْدِ مَوْفُورًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ، وَمَا كُنْتُ يَوْمًا مِمَّنْ يَرْجِعُونَ فِي أَقْوَالِهِمْ أَوْ يَنْكُثُونَ غَزْلَهُمْ». صَرَخَ سَقْسَعُوعُ وَقَدْ بَلَغَتْ بِهِ الحَيْرَةُ وَالغَيْظُ مَبْلَغَهُمَا، وَالشَّرَرُ يَتَطَايَرُ مِنْ عَيْنَيْهِ: «فَأَيْنَ هِيَ إِذَنْ؟ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدِّمْهَا لِيَ الآنَ! أَيْنَ آيَةُ وَفَائِكَ الَّتِي وَعَدْتَ؟». فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ المِتْرَعَةِ بِالتَّشْوِيقِ، حَيْثُ انْحَسَرَتِ الأَنْفَاسُ فِي الحَنَاجِرِ وَتَعَلَّقَتِ الأَبْصَارُ بِشَفَتَيِ السَّادَمِ، تَحَرَّكَتْ يَدُهُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَأَشَارَ بِسَبَّابَتِهِ البَارِدَةِ نَحْوِي أَنَا.. سُلَافَ، وَنَبَضَتْ أَحْرُفُهُ بِهُدُوءٍ قَاتِلٍ مَجْنُونٍ: «هَذِهِ هِيَ الشَّاهِدَةُ وَالعَهْدُ.. هَذِهِ هِيَ، أُخْتِي سُلَافُ». وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّتِ الإِشَارَةُ عَلَيَّ، حَتَّى انْشَقَّتِ الأَرْضُ عَنْ ذُهُولٍ صَاعِقٍ صَبَّ المَلَاحِظَ صَبًّا، وَانْطَلَقَتْ صَرْخَةٌ جَمَاعِيَّةٌ مُدَوِيَةٌ، مَزَّقَتْ سِتَارَ الصَّمْتِ مِنْ فَمِ سَقْسَعُوعَ وَزَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ مَعًا، دَوَتْ فِي أَرْجَاءِ القَصْرِ كَقَصْفِ الرَّعْدِ فِي بَطْنِ الغَمَامِ: «مَاذَا؟!!!». رأيكم والا ساتوقف.