وصية 10
لم ينم أرفيوس إلا قليلًا.
كلما أغمض عينيه عاد إليه صوت والدته من خلف الباب.
"لا أريد أن أخيفه..."
ثم يعود صوت والده.
"يجب أن نزور الحكيم..."
ثم الصمت.
ذلك الصمت الذي كان يخيفه أكثر من الكلمات نفسها.
ظل يتقلب فوق فراشه ساعات طويلة.
وقطته قرب سريره و كأنها تحميه من شيء خفي
لكن حتى القطة بدت مختلفة تلك الليلة.
لم تكن نائمة حقًا.
كانت تفتح عينيها بين حين وآخر.
وتنظر نحو باب الغرفة.
كأنها تنتظر شخصًا لا يأتي.
---
حين تسلل أول ضوء للفجر عبر النافذة، استسلم أرفيوس أخيرًا.
نهض من سريره.
وغسل وجهه بالماء البارد.
لكنه لم يشعر بالانتعاش.
كان التعب داخل رأسه لا على وجهه.
---
نزل إلى الطابق السفلي.
فرأى والدته قرب الموقد.
كالعادة.
لكن...
ليس كالعادة تمامًا.
كانت إيلارا المرأة التي تستيقظ قبل الجميع.
وتغني أحيانًا وهي تخبز.
وتدور في المنزل وكأن لديها طاقة تكفي عشرة أشخاص.
أما اليوم...
فبدت أبطأ.
أبطأ بقليل فقط.
لكن أرفيوس لاحظ.
لاحظ لأنها أمه.
ولأن الإنسان يرى أصغر التغييرات في الوجوه التي يحبها.
---
كانت تقطع الخبز حين سعلت.
سعلة قصيرة.
حاولت إخفاءها.
ثم ابتسمت فورًا عندما رأته.
— صباح الخير يا صغيري.
لم تقل "صغيري" منذ أسابيع.
كانت تقولها فقط حين تشعر أنه حزين.
وهذا أخافه أكثر.
اقترب منها.
وقبل أن يتكلم ظهر ليون.
حاملًا إبريق الماء.
فما إن رآها تمد يدها نحوه حتى قال بسرعة:
— اتركيه.
— ليون...
— قلت اتركيه.
ابتسمت باستسلام.
— كما تريد.
أخذ الإبريق منها ووضعه بنفسه.
راقب أرفيوس المشهد.
شيء فيه لم يعجبه.
والده لا يتصرف هكذا.
أبدًا.
---
جلسوا إلى المائدة.
وكانت المحادثة قصيرة.
قصيرة على نحو غريب.
حتى إيلارا لم تكن تمازحهم كعادتها.
بل كانت تكتفي بالابتسام والاستماع.
أما ليون فكان شاردًا.
وكأنه يفكر في شيء يرفض أن يتركه.
---
فجأة رفعت إيلارا يدها إلى جبينها.
لثانية واحدة فقط.
ثم أنزلتها.
لكن أرفيوس رأى الحركة.
— هل أنت بخير؟
ابتسمت فورًا.
— بالطبع.
— أنت متعبة.
— لأنني استيقظت مبكرًا.
— أنت تستيقظين مبكرًا كل يوم.
ضحكت.
لكن ضحكتها انتهت بسرعة هذه المرة.
أسرع مما ينبغي.
---
بعد الإفطار خرج ليون إلى الفناء.
وتبعه أرفيوس.
كان يعرف أنه إن لم يسأل الآن فلن يستطيع التفكير في شيء آخر.
وجد والده قرب كومة الحطب.
يحاول إصلاح مقبض فأس قديم.
لكن من الواضح أن عقله لم يكن مع العمل.
وقف أرفيوس أمامه.
صامتًا.
رفع ليون رأسه.
ونظر إلى وجه ابنه.
فعرف مباشرة.
عرف أن لحظة المواجهة وصلت.
---
— أبي...
قالها أرفيوس بصوت منخفض.
— نعم؟
— أمي مريضة... أليس كذلك؟
ساد الصمت.
هبطت عين ليون نحو الأرض.
ثم نحو الفأس.
ثم عاد ينظر إلى ابنه.
ولم يجب.
وهنا...
عرف أرفيوس الجواب.
لأن الصمت أحيانًا أوضح من الكلمات.
---
— سمعتكما البارحة.
قالها أرفيوس بسرعة.
— لم أكن أتنصت.
كنت أبحث عن قطتي فقط.
لكنني سمعت.
تنهد ليون طويلًا.
طويلًا جدًا.
كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا.
ثم وضع الفأس جانبًا.
وجلس فوق جذع خشبي.
وأشار لابنه أن يجلس.
---
— أمك مريضة فعلًا.
شعر أرفيوس بأن قلبه انقبض.
حتى وهو يعرف الجواب مسبقًا.
سماعه بصوت مرتفع كان مختلفًا.
مختلفًا تمامًا.
— ما المرض؟
سأل فورًا.
— لا نعرف.
رمش أرفيوس.
— ماذا؟
— لا نعرف.
كررها ليون ببطء.
— الحكيم فحصها أكثر من مرة.
وجرب أعشابًا كثيرة.
وسأل حكماء من قرى أخرى.
لكن أحدًا لم يفهم ما يحدث.
---
بدأ الخوف يتسلل إلى صدر أرفيوس.
— لكنها ستشفى... أليس كذلك؟
لم يجب ليون مباشرة.
لكن هذه المرة لم يكن صمته يائسًا.
بل مترددًا.
كأنه يبحث عن كلمات صحيحة.
— لا أحد قال إنها لن تشفى.
رفع أرفيوس رأسه بسرعة.
فأكمل ليون:
— لكن لا أحد يعرف كيف يعالجها أيضًا.
وهذا ما يخيفني.
---
نظر بعيدًا نحو الحقول.
ثم قال بصوت خافت:
— كل يوم تتعب أكثر قليلًا.
وكل يوم تصبح أبرد.
وأضعف.
لكنها ترفض الراحة.
وترفض أن تقلقك.
وترفض حتى أن تشكو.
هذه أمك.
تعرفها.
---
ابتسم أرفيوس رغم خوفه.
نعم.
كان يعرفها.
إيلارا كانت آخر شخص في العالم يعترف بأنه يتألم.
---
— هل هي خائفة؟
سأل أخيرًا.
سكت ليون لحظة.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
— لا.
أنا الذي أخاف.
أما هي...
فما زالت تطمئنني أنا.
---
شعر أرفيوس بغصة في حلقه.
ونظر نحو نافذة المنزل.
كانت والدته تتحرك داخل المطبخ.
ترتب الأطباق.
وتبتسم.
وكأن شيئًا لم يحدث.
وفجأة أدرك شيئًا غريبًا.
الأمهات يقضين أعمارهن يحرسن الجميع.
لكن من يحرس الأمهات؟
---
في تلك اللحظة وصل صوت مألوف من الطريق المؤدي إلى المنزل.
— أرفيووووووس!
أندرياس.
رفع أرفيوس رأسه.
ورأى صديقه يركض كالمجنون.
وخلفه مريم وإلياس.
أما أوريليا فكانت تمتطي فرسها الرمادي.
لكن ما إن اقتربوا...
حتى خفتت ابتساماتهم.
لأنهم رأوا وجه أرفيوس.
ورأوا شيئًا لم يعتادوا رؤيته فيه.
الخوف.
الخوف الحقيقي.
وكانت أوريليا أول من أدرك...
أن هذا اليوم لن يكون يومًا عاديًا.
كان أندرياس أول من وصل.
كعادته.
ركض نحو أرفيوس وهو يلوح بيديه.
— لدي خبر خطير!
لكن كلماته توقفت في حلقه عندما اقترب.
نظر إلى وجه صديقه.
ثم إلى ليون.
ثم عاد إلى أرفيوس.
واختفت ابتسامته تدريجيًا.
— ماذا حدث؟
لم يجب أرفيوس.
فقط هز رأسه.
— لا شيء.
قالها بسرعة.
بالسرعة نفسها التي يقول بها الناس أكبر أكاذيبهم.
---
وصلت مريم بعده مباشرة.
كانت تحمل دفتر الرسم كعادتها.
أما إلياس فكان يحمل كتابًا تحت ذراعه.
وأوريليا كانت تقود فرسها من اللجام بعد أن ترجلت.
اقترب الأربعة.
وساد صمت قصير.
ذلك النوع من الصمت الذي يشعر فيه الجميع أن هناك شيئًا لا يقال.
---
كانت أوريليا أول من كسره.
— حسنًا.
قالت وهي تعقد ذراعيها.
— من مات؟
رفع أرفيوس رأسه فجأة.
فابتسمت ابتسامة خفيفة.
— لأن وجهك يقول إن العالم انتهى.
أما إذا كان الأمر أقل من ذلك فأظن أننا نستطيع التعامل معه.
---
رغم كل شيء...
خرجت ضحكة صغيرة من أرفيوس.
صغيرة جدًا.
لكنها كانت موجودة.
فتنفس أندرياس بارتياح.
— الحمد لله.
كنت أظن أنني سأضطر إلى أن أصبح شخصًا عاقلًا اليوم.
---
قال إلياس بهدوء:
— ماذا حدث؟
هذه المرة لم يستطع أرفيوس الهرب.
نظر إلى أصدقائه.
ثم إلى الأرض.
وقال بصوت منخفض:
— أمي مريضة.
اختفت آخر آثار المزاح.
تمامًا.
---
حتى أندرياس لم يجد شيئًا يقوله.
وهو أمر نادر جدًا.
---
كانت الريح تحرك الأعشاب الطويلة حولهم.
بينما ظل الجميع صامتين.
ثم سألت مريم برفق:
— مريضة كيف؟
هز رأسه.
— لا أعرف.
الحكماء لا يعرفون.
وأبي لا يعرف.
لا أحد يعرف.
---
شعر أندرياس بانقباض غريب في صدره.
لقد كان يحب إيلارا.
الجميع كان يحبها.
كيف لا؟
كانت المرأة الوحيدة في القرية التي كانت تعاملهم جميعًا وكأنهم أبناؤها.
هي من كانت تطردهم من المطبخ حين يسرقون الطعام.
ثم تعطيهم الطعام بنفسها بعد دقيقة.
وهي من كانت تضمّد جروحهم بعد الشجارات.
وهي من كانت تدافع عنهم أمام أهلهم.
---
تمتم أندرياس:
— أم أرفيوس لا تمرض.
قالها بعفوية.
كأن الأمر حقيقة كونية.
فابتسمت مريم رغم حزنها.
أما أرفيوس فشعر بغصة أكبر.
لأنه كان يفكر بالشيء نفسه.
---
جلسوا جميعًا تحت شجرة قريبة.
ولم يتحدث أحد لبعض الوقت.
حتى أوريليا.
التي كانت تملك رأيًا في كل شيء.
---
أخيرًا قالت:
— عندما كنت صغيرة...
مرض أبي مرضًا شديدًا.
نظروا إليها.
لم تكن تتحدث كثيرًا عن والدها.
— ظننت أنه سيموت.
بقيت أبكي أيامًا.
وأتخيل ألف كارثة كل ليلة.
ثم شفي.
وبعدها اكتشفت أن نصف معاناتي لم يكن بسبب مرضه...
بل بسبب خيالي.
رفعت نظرها نحو أرفيوس.
— لا أقول إن الأمر بسيط.
لكن لا تجعل عقلك يكتب النهاية قبل أن تبدأ القصة.
---
ظل صامتًا.
لكن كلماتها بقيت داخله.
---
قال إلياس:
— وأوريليا محقة في شيء.
— شيء واحد فقط؟
اعترضت.
— اليوم.
قال ببرود.
فضحك أندرياس رغم نفسه.
---
ثم أكمل إلياس:
— لا أحد يعرف ما المرض.
وهذا مخيف.
لكنه يعني أيضًا أن أحدًا لا يعرف ماذا سيحدث لاحقًا.
وقد يكون هذا أمرًا جيدًا.
---
شعر أرفيوس بأن اختناق صدره خف قليلًا.
قليلًا فقط.
---
في تلك اللحظة خرجت إيلارا من المنزل.
تحمل سلة صغيرة.
وكأنها لم تكن محور الحديث كله منذ دقائق.
ابتسمت عندما رأتهم.
— إذن اجتمع مجلس الحكماء؟
قال أندرياس فورًا:
— نعم.
ونتيجة الاجتماع أننا جائعون.
فضحكت.
ضحكتها نفسها.
الدافئة.
المألوفة.
لكن أرفيوس لاحظ شيئًا آخر.
كان هناك تعب خلف عينيها.
كأن الابتسامة تبذل جهدًا أكبر من المعتاد.
---
اقتربت منهم.
وأخرجت بعض قطع الحلوى.
— خذوا.
قبل أن ينهار أندرياس من الجوع.
— أنا أحبك يا خالة إيلارا.
قالها فورًا.
— أعلم.
— أكثر من أمي أحيانًا.
— أندرياس!
جاء صوت أمه من بعيد حيث كانت قرب البير الذي امام منزل اورفيوس تسقي الاغنام
فانفجر الجميع ضاحكين.
---
جلسوا يأكلون ويتحدثون.
وحاول أندرياس استعادة الأجواء المعتادة.
فبدأ يحكي قصة سخيفة عن ديك هاجمه صباحًا.
وأصر أن الديك كان يحمل ضغينة شخصية تجاهه.
وقال إن عينيه كانتا "مليئتين بالكراهية".
فأمضى عشر دقائق كاملة يصف معركة أسطورية بينه وبين دجاجة.
---
وببطء...
بدأ أرفيوس يضحك.
مرة.
ثم مرتين.
ثم نسي خوفه لبضع دقائق.
---
وكانت إيلارا تراقبه من بعيد.
تراقب عودته التدريجية إلى نفسه.
فتبتسم.
كأن ذلك وحده يكفيها.
---
بعد الظهيرة بقليل...
بدأ الأصدقاء يستعدون للمغادرة.
لكن قبل أن يرحلوا...
نادته إيلارا.
— أرفيوس.
التفت.
كانت واقفة عند باب المنزل.
وشيء في نبرتها جعله ينتبه.
— نعم؟
ابتسمت له.
ابتسامة هادئة.
حنونة.
وقالـت:
— تعال يا بني.
أريد أن أتحدث معك قليلًا.
---
شعر بشيء غريب في صدره.
لا يعرف لماذا.
لكن قلبه خفق أسرع.
بينما ودعه أصدقاؤه و استعدوا للرحيل
وصعد خلف والدته نحو غرفتها.
غير مدرك...
أن الكلمات التي سيسمعها بعد دقائق...
ستظل ترافقه طوال حياته.
صعد أرفيوس خلف والدته الدرج الخشبي ببطء.
كانت خطواتها أبطأ من المعتاد.
ليست بطيئة إلى درجة تلفت انتباه أي شخص عابر.
لكن أرفيوس لم يكن شخصًا عابرًا.
كان ابنها.
وكان يعرف إيقاع خطواتها كما يعرف إيقاع نبض قلبه.
كم مرة سمعها تصعد هذا الدرج وهي تحمل سلة غسيل؟
كم مرة سمعها تهبط مسرعة لأن الخبز في الفرن؟
كم مرة استيقظ على صوتها وهي تدندن أغنية قديمة في الصباح؟
كان البيت كله يحتفظ بآثارها.
في الخشب.
وفي الجدران.
وفي الهواء نفسه.
---
فتحت باب غرفتها.
ودخلت.
ثم جلست على حافة السرير.
كان ضوء العصر يتسلل من النافذة الصغيرة ويغمر الغرفة بلون ذهبي هادئ.
الغرفة نفسها التي عاش فيها والداه سنوات طويلة.
فوق الخزانة صورة قديمة لهما يوم زفافهما.
وعلى الرف مزهرية صنعتها إيلارا بنفسها.
وفوق الكرسي عباءة ليون التي كان ينساها دائمًا هنا.
كانت غرفة مليئة بالحياة.
لكن لسبب لا يفهمه...
شعر أرفيوس بشيء من الحزن وهو ينظر إليها.
---
ربتت إيلارا على المكان بجانبها.
— اجلس.
جلس.
وظل ينتظر.
لكنها لم تتكلم مباشرة.
بل ظلت تنظر إليه للحظات.
طويلًا.
وكأنها تحفظ ملامحه.
فشعر بالارتباك.
— ماذا؟
ابتسمت.
— لا شيء.
كنت أفكر فقط...
كم كبرت.
تنهد أرفيوس.
— أمي...
أرجوك لا تبدئي.
— لا أبدأ ماذا؟
— حديث "كنت صغيرًا والآن أصبحت كبيرًا".
ضحكت.
ضحكة قصيرة ودافئة.
— لكنه صحيح.
---
مدت يدها.
وأبعدت خصلة شعر سقطت فوق جبينه.
كما كانت تفعل وهو طفل.
فجأة تذكر ليلة أصابته فيها الحمى وهو في السابعة.
تذكر كيف بقيت مستيقظة بجانبه حتى الصباح.
وتذكر كيف كانت تضع يدها على جبينه كل بضع دقائق.
وتهمس:
"أنا هنا."
كان يظن وقتها أن الأمهات لا يتعبن.
ولا يمرضن.
ولا يخفن.
الأمهات فقط...
يبقين.
---
فتحت إيلارا أحد الأدراج.
وأخرجت قطعة قماش مطوية بعناية.
كانت بيضاء.
مطرزة بخيوط زرقاء وفضية.
وقد بدت قديمة.
لكنها محفوظة بعناية كبيرة.
وضعتها بين يدي أرفيوس.
فتأملها باستغراب.
— ما هذه؟
مررت أصابعها فوق التطريز.
— بدأت صنعها قبل سنوات.
— جميلة.
— أعلم.
قالتها بثقة جعلته يضحك.
ثم أضافت:
— صنعتها لزوجتك.
---
رفع رأسه فجأة.
— ماذا؟
— زوجتك.
— أمي!
— ماذا؟
— أنا في الخامسة عشرة!
— وأنت تتصرف وكأنني قلت إن الزفاف غدًا.
— هذا أسوأ.
---
ضحكت مرة أخرى.
لكن هذه المرة انتهت الضحكة بسعال خافت.
حاولت إخفاءه.
إلا أن أرفيوس لاحظه.
كالعادة.
---
نظر إلى قطعة القماش.
ثم إليها.
— ولماذا تعطينها لي الآن؟
سكتت قليلًا.
ثم قالت بهدوء:
— لأن الأشياء الجميلة لا يجب أن تبقى مخبأة داخل الأدراج.
---
لم تعجبه الإجابة.
شعر أنها تخفي شيئًا خلف الكلمات.
شيئًا لا تريد قوله.
---
وضعت يدها على خده.
فشعر مجددًا بذلك البرد الغريب.
برد لم يكن موجودًا قبل أسابيع.
وكان يكرهه.
لأنه يذكره بكل مخاوفه.
---
نظرت إلى عينيه مباشرة.
وقالـت:
— أرفيوس...
— نعم؟
— أوعدني بشيء.
بدأ قلبه يخفق أسرع.
— ماذا؟
ساد صمت قصير.
ثم قالت بصوت هادئ جدًا:
— لو غبت عنك يومًا...
لا تدع الحزن يسكت موسيقاك.
تجمد.
---
شعر وكأن الكلمات ضربته في صدره.
— أي غياب؟
ابتسمت.
لكن ابتسامتها كانت متعبة هذه المرة.
— أي غياب.
— لا.
— أرفيوس...
— لا.
كررها بقوة أكبر.
— لا تتحدثي هكذا.
---
سكتت.
أما هو فشعر بالغضب فجأة.
غضب خرج من الخوف.
— ستتعافين.
قالها بسرعة.
— الحكيم سيجد علاجًا.
أو شخصًا يعرف علاجًا.
أو أي شيء.
ستتعافين.
---
كانت تنظر إليه فقط.
بعينين مليئتين بشيء لم يفهمه.
حب.
وحزن.
وفخر.
وأشياء أخرى كثيرة.
---
— ربما.
قالتها أخيرًا.
— وربما سأعيش حتى أصبح عجوزًا مزعجة وأتدخل في حياة أحفادي.
— هذا أفضل.
قال فورًا.
— إذن لنتفق على ذلك.
ابتسمت.
— اتفقنا.
---
ارتاح قليلًا.
لكن شيئًا ما بقي عالقًا في صدره.
شيء يشبه شوكة صغيرة.
---
نهض من مكانه.
وحمل قطعة القماش.
ثم نظر إليها مرة أخيرة.
كانت لا تزال تبتسم.
تحاول أن تبدو قوية.
تحاول أن تكون الأم التي عرفها دائمًا.
الجدار الذي يحتمي خلفه الجميع.
لكن للمرة الأولى في حياته...
رأى الشقوق الصغيرة في ذلك الجدار.
ورآها تحاول إخفاءها.
---
وقبل أن يخرج من الغرفة...
قالت فجأة:
— أرفيوس؟
التفت.
— نعم؟
— أنا فخورة بك.
---
اتسعت عيناه.
فضحك بخجل.
— بسبب الليرة؟
هزت رأسها.
— بسبب قلبك.
---
لم يعرف لماذا.
لكن تلك الجملة وحدها كانت كافية لتجعله يشعر بغصة في حلقه.
فاكتفى بابتسامة صغيرة.
ثم خرج.
وأغلق الباب خلفه.
---
في الممر...
وقف للحظة.
ينظر إلى قطعة القماش بين يديه.
ثم إلى الأرض.
ثم إلى النافذة.
كانت السماء صافية.
والعالم يبدو طبيعيًا.
هادئًا.
لكن داخله...
كان شيء ما ينهار ببطء.
شيء لا يملك اسمًا.
ولا يستطيع إيقافه.
ولهذا...
حمل ليرته بعد قليل.
وغادر المنزل.
متجهًا نحو الغابة.
دون أن يدرك أن الموسيقى التي سيعزفها هناك...
ستجعل اللعنة تفتح عينيها من جديد.
لم يخبر أحدًا إلى أين يذهب.
خرج من المنزل وليرته معلقة على ظهره، وسار عبر الطريق الترابي المؤدي إلى أطراف القرية. كانت الشمس لا تزال مرتفعة، والناس منشغلين بأعمالهم اليومية، لكن كل شيء بدا بعيدًا عنه.
كأن هناك زجاجًا شفافًا يفصله عن العالم.
كان يرى الناس.
ويسمع أصواتهم.
لكن قلبه لم يكن معهم.
كان ما يزال في تلك الغرفة.
عند تلك الجملة.
"لو غبت عنك يومًا..."
كلما حاول طردها عادت.
أشد وضوحًا.
وأشد قسوة.
---
عند أطراف القرية لمح أندرياس جالسًا فوق سياج خشبي.
كان يرمي الحصى نحو الطريق.
وحين رأى أرفيوس قفز فورًا.
— ها أنت!
كنت أبحث عنك.
تابع أرفيوس السير.
فمشى أندرياس بجانبه.
— ماذا قالت لك خالتي إيلارا؟
صمت أرفيوس.
— أرفيوس؟
صمت.
— هل أنت بخير؟
توقف أرفيوس فجأة.
ونظر إليه.
كانت عيناه حمراوين قليلًا.
كأنهما لم تناما.
فاختفت الابتسامة من وجه أندرياس.
مرة أخرى.
---
— أخاف.
قالها أرفيوس أخيرًا.
ببساطة.
دون أقنعة.
دون محاولة للتظاهر بالقوة.
فقط...
أخاف.
---
شعر أندرياس أن الكلمات عالقة في حلقه.
لم يكن جيدًا في مواساة الناس.
كان جيدًا في إضحاكهم.
وفي التورط بالمشاكل.
وفي الهروب من أمه.
أما هذا...
فلم يعرف كيف يتعامل معه.
---
لذلك قال الحقيقة فقط.
— وأنا أيضًا.
رفع أرفيوس رأسه.
— ماذا؟
— أخاف عليها أيضًا.
ساد صمت قصير.
ثم أضاف أندرياس:
— عندما كنت صغيرًا كنت أعتقد أن خالتك تعرف كل شيء.
إذا ضعت أعرف أنها ستجدني.
إذا جرحت نفسي أعرف أنها ستعالجني.
إذا غضبت أمي أعرف أنها ستدافع عني.
هي...
لا أعرف.
كانت دائمًا موجودة.
---
ابتسم أرفيوس رغم حزنه.
— وما زلت تسرق الطعام من مطبخها.
— هذا لأنني أحبها.
قال أندرياس باحتجاج.
— وهذه لغة الحب الخاصة بي.
---
لأول مرة منذ الصباح خرجت من أرفيوس ضحكة حقيقية.
صغيرة.
لكن حقيقية.
---
تنفس أندرياس براحة.
ثم أشار إلى الغابة.
— اذهب.
— ماذا؟
— اذهب إلى مكانك السري.
أعرف أنك ذاهب إليه أصلًا.
— وكيف عرفت؟
— لأنك كلما حزنت تختفي هناك.
ثم وضع يده فوق كتف صديقه.
وأكمل بصوت منخفض:
— وعندما تنتهي...
ارجع.
لا تواجه كل شيء وحدك.
---
هز أرفيوس رأسه.
ثم أكمل طريقه.
بينما بقي أندرياس يراقبه من بعيد.
ولأول مرة منذ سنوات...
لم يكن يملك مزحة واحدة يقولها.
---
دخل أرفيوس الغابة.
الغابة نفسها التي وجد فيها الليرة.
الغابة نفسها التي بدأت فيها كل الحكاية.
وكان المكان هادئًا.
هادئًا أكثر من المعتاد.
حتى الطيور بدت قليلة.
---
وصل إلى البقعة التي اعتاد الجلوس فيها.
وضع قطعة القماش التي أعطته إياها أمه بجانبه.
ثم جلس.
وأخرج الليرة.
---
في البداية لم يعزف.
ظل ينظر إليها فقط.
إلى الذهب اللامع.
إلى الأوتار.
إلى النقوش الغريبة المحفورة على أطرافها.
ثم تذكر شيئًا فجأة.
كل شيء بدأ منذ ظهورها.
كل شيء.
---
قبض على الليرة بقوة.
وشعر بالغضب يشتعل داخله.
غضب على المرض.
على العجز.
على الخوف.
على الكلمات التي لا يستطيع أحد الإجابة عنها.
---
ثم ضرب الأوتار.
وانطلق اللحن.
---
لم يكن اللحن هادئًا هذه المرة.
ولا حالمًا.
ولا رقيقًا.
كان عاصفة.
خرجت النغمات قوية.
حادة.
صادقة.
مليئة بكل ما لم يستطع قوله.
---
عزف خوفه.
عزف غضبه.
عزف حبه لأمه.
وعزف الرعب الذي يشعر به كلما تخيل البيت من دونها.
---
كانت أصابعه تتحرك بسرعة لم يعرفها من قبل.
وكأن شيئًا ما يقودها.
وكأن الموسيقى أصبحت أكبر منه.
---
بدأت الطيور تصمت.
واحدة تلو الأخرى.
---
ثم توقفت أصوات الحشرات.
---
وحتى الريح...
بدت وكأنها تستمع.
---
ارتجفت أوراق الأشجار.
وانحنت بعض الأغصان برفق.
كأن الغابة كلها تنصت لذلك اللحن.
---
وكان اللحن جميلًا.
جميلًا على نحو يكاد يؤلم.
جميلًا أكثر من أي شيء عزفه أرفيوس في حياته.
---
وفي اللحظة نفسها...
في المنزل...
كانت إيلارا ترتب بعض الملابس داخل غرفة النوم.
توقفت فجأة.
وضعت يدها على حافة الخزانة.
وأغمضت عينيها.
---
شعرت بدوار مفاجئ.
---
ثم جاء السعال.
أقوى من كل مرة.
---
انحنت للأمام.
وحاولت التقاط أنفاسها.
لكن السعال ازداد.
وازداد.
وازداد.
---
سقط أحد الأغطية من يدها.
ثم سقطت هي على ركبتيها.
---
في الطابق السفلي سمع ليون الصوت.
فرفع رأسه فورًا.
— إيلارا؟
---
ثم ركض.
---
ركض بأقصى ما يستطيع.
وصعد الدرج دفعتين دفعتين.
---
وحين دخل الغرفة...
شعر بأن قلبه توقف للحظة.
---
كانت إيلارا على الأرض.
تتنفس بصعوبة.
وشحوب وجهها أشد من أي وقت مضى.
---
جثا بجانبها فورًا.
— إيلارا!
---
رفعت نظرها إليه.
وحاولت الابتسام.
حتى الآن.
حتى وهي تتألم.
كانت تحاول أن تطمئنه.
---
أما في الغابة...
فلم يكن أرفيوس يعرف شيئًا.
كان ما يزال يعزف.
وكان اللحن يزداد جمالًا.
ويزداد قوة.
ويزداد سحرًا.
---
وكأن الليرة...
تأخذ شيئًا.
وتمنحه شيئًا آخر.
---
وكأن هناك ميزانًا خفيًا في مكان ما...
يعمل بصمت.
تلاشت آخر نغمة بين الأشجار ببطء.
ثم عاد الصمت.
ذلك الصمت العجيب الذي يأتي بعد الموسيقى العظيمة.
ظل أرفيوس جالسًا مكانه.
لاهثًا قليلًا.
وكأنه خرج لتوه من سباق طويل.
كانت يداه ترتجفان.
ليس من التعب وحده.
بل من شيء آخر.
شيء لم يفهمه.
---
نظر حوله.
الغابة هادئة.
هادئة أكثر مما ينبغي.
الطيور التي كانت تملأ المكان قبل قليل لم تعد تغرد.
حتى الهواء بدا ساكنًا.
---
أخفض رأسه نحو الليرة.
ومرر أصابعه فوق أوتارها.
فشعر ببرودة خفيفة تسري في أطرافه.
كأن الآلة نفسها تستيقظ شيئًا فشيئًا.
---
— ما بك؟
همس لها دون وعي.
بالطبع لم تجبه.
لكن سؤالًا صغيرًا بدأ ينمو داخله.
سؤال حاول تجاهله منذ يوم وجدها.
من صنع هذه الليرة؟
ولماذا يشعر أحيانًا أنها تستمع إليه؟
---
في تلك اللحظة لمح قطته
كانت جالسة فوق صخرة بعيدة.
تحدق في عمق الغابة.
ولم تكن تنظر إليه.
بل إلى شيء خلف الأشجار.
شيء لا يراه.
---
نهض أرفيوس.
وحمل الليرة.
ثم بدأ العودة نحو القرية.
أما قنديشة...
فلم تتحرك.
---
ظل أرفيوس يبتعد.
خطوة بعد أخرى.
حتى اختفى بين الأشجار.
عندها فقط...
قفزت القطة السوداء من فوق الصخرة.
وحين لامست الأرض...
لم تعد قطة.
---
تمدد الظل.
واستطال.
وتحول الفراء الأسود إلى شعر طويل ينساب كالليل.
واختفت الكفوف الصغيرة.
لتظهر مكانها يدان رقيقتان.
---
وقفت فتاة شابة وسط الغابة.
ثوبها الأسود يتحرك مع الريح.
وعيناها اللامعتان تحملان عمقًا لا ينتمي إلى عالم البشر.
كانت قنديشة.
ابنة هاديس.
ابنة الظلام القديم.
وحارسة سر لم يكن أرفيوس يعرف عنه شيئًا.
---
— يمكنك الخروج الآن.
قالت بهدوء.
---
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تحرك الظل بين الأشجار.
ببطء.
---
وخرج شاب طويل القامة.
نعم انه ويليام
لم يكن وجهه قاسيًا.
ولا مخيفًا. كالعادة
بل كان حزينًا بطريقة غريبة تجعلك لا تعرف مشاعره الحقيقية
---
توقف على بعد خطوات منها.
ونظر في الاتجاه الذي رحل فيه أرفيوس.
ثم قال:
— لقد بدأت.
---
عقدت قنديشة ذراعيها.
— كنت أعلم أنك ستظهر.
---
ابتسم ابتسامة خفيفة.
باهتة.
— وكيف لا أظهر؟
النغمة الأخيرة كانت أقوى مما توقعت.
---
اشتد بريق عيني قنديشة.
— لا تنطق باسمها.
---
— الليرة؟
قالها بهدوء.
---
فهبّت ريح باردة بين الأشجار.
---
أجابت بصوت أخفض:
— لا تنطق اسمها وكأنه شيء عادي.
---
نظر ويليام نحو الأفق.
— لم تكن يومًا شيئًا عاديًا.
---
ساد الصمت.
ثم أضاف:
— كل عزف يزداد جمالًا.
---
وأكمل بعد لحظة:
— والثمن يزداد كذلك.
---
انقبض فك قنديشة.
---
— لا يزال هناك وقت.
---
هز رأسه ببطء.
— الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يوجد.
---
لم يعجبها كلامه.
ولم يكن ذلك جديدًا.
منذ قرون وهي لا تحب طريقته في الحديث.
---
قالت بحدة:
— أنت تستمتع بمراقبة الكوارث.
---
رفع حاجبه.
— لو كنت أستمتع بها لما بدوت حزينًا هكذا.
---
لأول مرة...
لم تجد ردًا.
---
نظر ويليام إلى الليرة البعيدة في يد أرفيوس الذي صار نقطة صغيرة بين الأشجار.
وقال:
— هل يعرف؟
---
— لا.
---
— وهل ستخبرينه؟
---
اتسعت عيناها قليلًا.
— أخبر أرفيوس أن كل نغمة جميلة قد تسرق روحًا؟
أن كل معجزة لها ثمن؟
أن الليرة لا تمنح شيئًا مجانًا؟
---
سكتت.
ثم أضافت:
— لا.
لن أفعل.
---
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— ستكرهين اليوم الذي يعرف فيه الحقيقة.
---
همست:
— وأنا أكره اليوم الذي بدأت فيه الليرة تعزف من جديد.
---
ساد الصمت.
---
ثم التفت ويليام نحوها.
— ابنة هاديس...
احرصي عليه يا شقيقتي
---
ضيقت عيني