خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Seventeen | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Seventeen

Chapter Seventeen

الفصل السابع عشر: في حِمى الهيبة ومقامِ الإجلال وقفنا على ردهةِ الوجلِ نرقبُ انشقاقَ الباب، والزمنُ من حولنا كأنه رداءٌ ثقيلٌ يأبى المسير. كنا في ارتقابِ المدعو "سقسعوع"؛ ذلك الاسم الذي ينسلُّ إلى السمعِ بوقعٍ يثيرُ الغرابة، حتى خلتُه في غياهبِ ظنوني كياناً أسطورياً، بأصابع مدببةٍ كأنها نِصالُ القَدَر، وخصلاتِ شعرٍ تتدلى كليالٍ سحيقة، تماماً كما تُصوِّرُ المخيلاتُ كينونةَ الشياطين؛ رغم يقيننا الراسخ أنَّ عوالمَ الجانِّ أثيريةٌ محجوبة عن الأبصارِ القاصرة. أما وقعُ اسمهِ، فقد رنَّ في مسامعي كتعويذةٍ غامضة، مما أثار في نفسي دهشةً كتمتُها إجلالاً للمكان. انفتح البابُ فجأةً، فإذا بملامح "عزرائيل" تستحيلُ قناعاً من الجمودِ الصخري، وكأنَّ ذعرهُ المنصرمَ لم يكن إلا فصلاً من روايةٍ أتقنَ تمثيلها، أو لعلَّه يوارِي خلفَ ذلك الجمودِ وقاراً لا يهتز. احتشدَ جندُهُ كأنهم ظلالٌ منبثقةٌ من رَحِمِ الأرض؛ عشرةُ مقاسمةٍ مدججين بالصمت، تكتنفهم أرديةُ الغموض. ثم دلفَ إلى الردهةِ مَن لم يحسب له الخاطرُ حساباً؛ رجلٌ يجسدُ الرهبةَ في أعتى صورها، كأنَّه وحشٌ استعارَ هيئةَ البشر. شُلَّت أطرافي لمرآه؛ كان حاسرَ الرأسِ، كثَّ اللحيةِ بوقارٍ مريب، يداه خريطةٌ من الرموزِ والوشومِ التي تحاكي لغاتٍ بائدة. ضخمُ المنكبين، يقبضُ بيدٍ غليظة على كفِّ امرأةٍ كأنها خرجت من سديمِ الفناء؛ عيناها سوادٌ غائرٌ لا قرارَ له، تتدثرُ بسوادٍ ممزقٍ يمنحها جمالاً جنائزياً مروعاً. وفي قلبِ هذا الكدرِ، برزت فتاةٌ كأنها سقطت من جبينِ الفجر؛ رقيقةَ القسمات، في مقتبلِ العمر، يفيضُ سِحْرُها بهدوءٍ آسر. شعرُها ذهبيٌّ يغازلُ الضياء، وثوبُها بنفسجيٌّ داكنٌ يحاكي لونَ السماءِ قُبيلَ انطفاءِ الشفق. تعقبَ هذه القافلةَ رجلٌ يفيضُ وقاراً، تلمحُ في وجهه قبولاً ونوراً، يعلو هامتَه تاجٌ ذهبيٌّ وهاج، ولحيتُه مرتبةٌ كأنها خيوطٌ من فِضة. كان يرتدي عباءةً ناصعةَ البياض، تمنحه هالةً من النقاءِ والترفع. ما إن وقعت عليه عينا "عزرائيل" حتى ذابَ جمودُه وارتسمت على ثغره ابتسامةٌ تفيضُ برّاً؛ دنا منه بوقارٍ منقطعِ النظير، وطبعَ قبلةً على جبينه قائلاً بصوتٍ رخيم: "حيّاك الله يا والدي.. دارُنا تزدانُ بوطئك، ولكم في الصدرِ أرحبُ المقامات." ثم التفتَ نحو "سقسعوع" فصافحه بكياسة، وحين مدّت زوجةُ الأخير يدَها، تراجعَ بترفُّعٍ يفيضُ أدباً ونبلاً، وقال بنبرةٍ هادئةٍ قاطعة: "معاذَ الله.. إني رجلٌ لا يمسُّ من النساء إلا مَن أحلَّها لي ربي." أمسك بيدي بصرامةٍ حانية، واقتادني نحو الصالة الكبرى، والجميعُ يقتفي أثرنا في موكبٍ يلفُّه الصمتُ إلا من وقعِ الخطى المهيبة. كانت الصالةُ مِحراباً من الجمال؛ شموعٌ تتمايلُ في الزوايا كأنها أرواحٌ تحتفي باللقاء. جلسنا، وكان "عزرائيل" يفيضُ بروداً كأنَّه تمثالٌ من مرمر، حتى كسر "سقسعوع" طوقَ الصمتِ بصوتهِ العميق: "أيها الأميرُ سيف.. هلا أزحتَ الستار عن ماهيةِ هذه الدرةِ المصونةِ التي تلازمُ مَقامَك؟" أجابه "عزرائيل" ببرودٍ أرستقراطي، وكأن الكلماتِ تُنحتُ من صخر: "هذه سكينتي، وخليلةُ فؤادي التي ارتضيت.. هي 'سلاف'." تحدثَ والدهُ بنبرةٍ تفيضُ حكمةً وطمأنينة: "حياكِ الله يا سلاف.. آنستِ الديارَ وحللتِ في القلوبِ أهلاً، فلكِ منَّا عهدُ الأمانِ والود." أجبتُ بصوتٍ يصارعُ الرهبة: "حيّاك الله وبياك يا أبا عز..." ولم يكد الحرفُ يفارقُ ثغري، حتى استقرت كفُّ "عزرائيل" على فمي كأنها سدٌّ منيع، وقاطعني بحدةٍ مشوبةٍ بالتوتر، متوجهاً للجمع: "عذراً من مقامكم الكريم، فقد حان موعدُ ترياقِ 'سلاف'، وهو أمرٌ لا يقبلُ التأجيل." سحبني بقوةٍ خلفه نحو الرواقِ الخالي، وما إن صرنا بمعزلٍ عن الأعين، حتى التفتَ إليَّ بعينين تشتعلان عتباً، وهمس بفحيحٍ مروع: "ويحَكِ! مَن ذا الذي تدعينه بـ 'عزرائيل' في حضرةِ الملوك؟ إياكِ ونطقَ أسماءِ المنايا حيثُ تُسفكُ الدماء؛ فبعضُ الحروفِ قد تكونُ نَعياً لصاحبها قبل أوانِه!" والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته