Chapter Sixteen
الفصل السادس عشر:
ترددت أصداء ضحكتي في القاعة الباردة، ضحكة مرّة مزجت بين التشفي والذهول، ونظرتُ إليه بعينين يلمع فيهما بريق السخرية:
— "سيد الأموات.. يخشى الموت؟ عزرائيل العظيم يرتجفُ لذكرِ زائر؟ يا لها من سخريةٍ قدرية تليقُ بملكٍ مثلك!"
لم يرد على إهانتي كعادته، بل تقدم نحوي بخطواتٍ مثقلة بالهواجس، وقبض على يدي بقوةٍ لم تكن للبطش هذه المرة، بل كانت كغريقٍ يتشبثُ بقشة، وقال بصوتٍ منخفض حاد:
— "لا وقت للسجال يا سلاف، النصلُ قد اقترب من الوريد.. أحتاجُ مساعدتكِ، والآن!"
توقفتُ عن الضحك، ونظرتُ إلى ملامحه المضطربة خلف قناع البرود، وقلتُ بتعجب:
— "مساعدتي؟ أنا؟ وما الذي تملكهُ بشريةٌ ضعيفة مثلي لتقدمه لكيانٍ مثلك؟"
اتخذ مكانه على الأرض بالقرب مني، في حركةٍ جردته من كبريائه الملكي للحظة، وقال وعيناه تصوبان نحو المجهول:
— "سقسعوع.. أعتى شياطين هذا العالم وأكثرهم دموية. إنه لا يعترف بالعرش إلا لمن يملكُ بجانبه 'أنثى' تعادلُ جبروته.. هو يريد انتزاع ملكي بحجة أنني وحيد، بلا شريكةٍ تروض جنوني أو تشاركه. يريدُ أن يثبت أنني ناقص الصلاحية للحكم."
رفعتُ حاجبي بذهول وصحتُ: "وما شأني أنا؟"
ردَّ ببرودٍ صقيعي: "ستقومين بدورِ الشيطانة المتمردة.. رفيقة دربي، وسيدة قصري."
ضحكتُ باستهزاء: "أنا شيطانة؟ انظر إليّ، أنا بشرية من لحمٍ ودم، يقتلها العطش ويؤلمها القيد!"
أمسك بوجهي، وكانت أصابعه باردة كالموت، وهمس: "لا تعلمين ما يخفيه هذا العالم الكبير يا صغيرة.. أنتِ تملكين من التمرد ما يفوق مئة شيطان. مثّلي هذا الدور، وسأمنحكِ كل ما تشتهينه.. أي مقابل تطلبينه، سيكون لكِ."
صمتُّ لبرهة، الأفكار تتصارع في رأسي كأمواجٍ هائجة، ثم قلتُ بنبرةٍ مدروسة:
— "موافق.. لكن المقابل سأعلنهُ حين يسدلُ الليل ستائره وينصرفُ ضيفك الثقيل. هل تقبل؟"
أومأ برأسه ومدَّ يده إليّ: "انهضي.. لم يعد لدينا وقت لمفاوضاتٍ أطول."
سألتُه وأنا أستندُ إلى يده: "كم بقي من الوقت قبل أن تطأ قدماه هذا الجحيم؟"
— "ساعتان.. ساعتان فقط لنحولكِ من أسيرةٍ حزينة إلى ملكةٍ للشياطين."
صاح عزرائيل بصوتٍ جهوري استدعى سبع فتياتٍ من "الجن"، كأنهن خُلقن من دخانٍ ورماد. أمرهن بإعدادي، واختفى هو في ظلال الممرات.
طقوس التحول
اقتادتني الفتيات السبع إلى غرفةٍ لم أدخلها من قبل، كانت تفوح منها رائحة البخور القديم والمسك الأسود. حاولتُ الحديث معهن، أردتُ معرفة أي شيء عن "سقسعوع"، لكنهن كنَّ كالتماثيل الرخامية؛ عيونهن واسعة بلا بؤبؤ، وشفاههن مخيطة بصمتٍ أبدي. لم ينطقن بكلمة، بل كانت حركاتهن سريعة ومتناغمة كأنها رقصةٌ جنائزية.
ألبسنني فستاناً "فيكتورياً" فاحم السواد، خُيط من حريرٍ غريب الملمس، ينسدلُ بطبقاتٍ ثقيلة توحي بالهيبة. كانت حوافه مطرزة بخيوطٍ حمراء قانية تشبه عروقاً نابضة بالدم، وضاق عند الخصر حتى شعرتُ أن أنفاسي باتت ملكاً لهذا الثوب. وضعت إحداهن تاجاً من الشوك الأسود فوق رأسي، وأخرى خضبت جفوني برمادٍ مسحور جعل عينيّ تبدوان كجمرتين في ليلةٍ مظلمة.
عندما حانت الساعة، نزلتُ الدرج العظيم ببطء. كان القصر قد تبدل؛ الشموع تشتعلُ بلهبٍ أزرق، والظلال تتراقص على الجدران كأنها كائناتٌ حية. كان عزرائيل يقف في أسفل الدرج، يرتدي عباءته الملكية، وبدت قامته مهيبة بشكلٍ مرعب.
توقفتُ أمامه، فرفع رأسه ونظر إليّ مطولاً. ساد صمتٌ ثقيل، قبل أن يقول ببرودٍ مشوب بالإعجاب:
— "لقد أتقنتِ الهيئة.. هل أنتِ جاهزة لسكب السم في أذني عمي؟"
أجبتُه بابتسامةٍ باردة هزت ثباته:
— "أنا جاهزة لأجعله يصدق أن الجحيم نفسه قد انحنى أمامي.. لكن تذكر يا عزرائيل، الثمنُ الذي سأطلبه قد يجعلك تتمنى لو أن سقسعوع أخذ عرشك ورحل."
ضيق عينيه ونفخ دخان سيجارته بعيداً:
— "لا تبالغي في الثقة.. فالمسرحية لم تبدأ بعد، والذئبُ على الأبواب."
سارسل لكم اليوم فصلين، ترقبو ☠️