خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Fifteen | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Fifteen

Chapter Fifteen

الفصل الخامس عشر: أنطولوجيا القيد.. وانبعاث الفوضى لم يعد صدري حيّزاً يتسع لشرر الغيظ، فاندفعتُ نحو المائدة كإرادةٍ عمياء تصطدم بجدار الحتمية. وبحركةٍ مباغتة، نزعتُ كأسهُ البلوريَّ المترع بالماء، وصببتهُ فوق رأسهِ؛ محاولةً يائسة لغسلِ وقارٍ زائف. انزلق السائلُ ببطءٍ رتيب على تضاريس ملامحه التي لم تكن وجهاً، بل قناعاً من رخامٍ صلد. بلل الماءُ خصلات شعره الفاحم، واستقرّت القطراتُ فوق رموشه الكثيفة كطلٍّ فوق نصلِ سيف، دون أن يرمش له جفن، وكأنه كائنٌ يتجاوز في سكونه حدود المادة. ساد صمتٌ جنائزيّ، صمتٌ يشبه العدم الذي يسبق الخلق. تجمدت أنفاسي وأنا أراقبه، وتراجعتُ خطوةً للوراء؛ فقد صرخت غريزتي بأنني استحققتُ للتو انتباه شيطانٍ كان يكتفي بتجاهلي. لكنه ظلَّ قابعاً في مكانه، يمسحُ قطرةً ضلت طريقها إلى شفته ببرودٍ يغتال الإحساس، ثم رفع مِحجريه نحوي ونطق بصوتٍ رخيم، يجرد الوجود من معناه: — **"هل استنفدتِ أدواتكِ التعبيرية يا صغيرة؟ أم أنَّ طفولتكِ لا تزال تبحثُ عن وسيلةٍ لإثبات حضورها أمام حتميّة حضوري؟"** تقهقرتُ، وشعرتُ ببرودةِ البلاط تتسلل إلى وجداني كأنها تجمد الدماء في عروقي. قلتُ بنبرةٍ يحاول الكبرياءُ فيها استجداء البقاء: — **"هذا جزاءُ ترفعِكَ الذي يحسبُ نفسه فوق مستوى التأثير! جئتُ لتعلم أنك لستَ بكيانٍ متعالٍ، بل محض كائنٍ يمكن اختراقُ حصونه بجرعةِ ماءٍ تافهة."** نهض ببطءٍ يحاكي تمدد الظلّ في ساعة الغروب؛ بدت قامته استطالةً للعدم في غرفته. ظلَّ يتقدم بينما كنتُ أنا أنحسرُ نحو الهامش، لكنه توقف بغتةً، وقال بنبرةٍ هادئة حدّ الموت: — **"لا تبتعدي.. لن أمارس ضدكِ فعلاً مادياً، أعدُكِ بسلامِ مَن فقدَ كل شيء."** شلّني صدقٌ مريب في نبرته، فتوقفتُ بالقرب منه، ظناً مني أنَّ فجوةً إنسانية قد فُتحت في جدار قلبه المصمت. وفجأة، استلَّ من بين طيات ردائه قارورةً صغيرة، وبحركةٍ مباغتة كلدغةِ قدرٍ لا يُرد، نضحَ عليَّ مادةً سوداء، حالكة كأنها مُستلّة من ليلٍ سرمديّ لم تشرق عليه شمس. شهقتُ بذهولٍ وأنا أرى فستاني الذهبي، ذاك الرمزُ الهشّ للبهجة، يتسخُ بلطخةٍ مظلمة تلتهم الضوء: — **"ماذا فعلت؟! لقد منحتني ميثاقاً.. أيها الخديعة المتجسدة، لقد وعدتني!"** أمال رأسهُ جانباً، وابتسامةٌ شاحبة لا تلامسُ وعيه ترتسم على ثغره، وقال بهمسٍ جنائزي: — **"تؤ.. تؤ.. لا ترتهني لوعودِ مَن يسكنون الظلال. الوعودُ محضُ لغوٍ يقتاتُ عليه الضعفاء لتبرير عجزهم، أما الحقيقة.. فتُصاغُ بالفعل، لا بالقول."** لم أستطع الرد؛ لأنَّ وجعاً ميتافيزيقياً انفجر في أعماق كياني. لم يكن ألماً حسياً، بل كان شعوراً بتمزقِ نسيجِ كينونتي الأصيلة. سقطتُ على ركبتيَّ، وشعرتُ بصوته يخترقُ جدران وعيي، يسكبُ فيه كلماتٍ كأنها طلاسم من زمنٍ سحيق، لم تنطقها حنجرة، بل صبّها الوجود في عقلي صباً: > **"أيتها النفسُ الرافضة، قُيِّدتِ بميثاقِ السكونِ والمخبوء.. بما نفثتُ فيكِ من سوادِ المآل.. فلا نطقٌ إلا بتقديري، ولا حركةٌ إلا بأمري.. أنتِ المسكنُ وأنا الشاغل، وأنتِ القيدُ وأنا السجنُ الحصين."** > بدأتُ أغرق في سديمٍ من الفراغ. حاولتُ الصراخ، لكنَّ صوتي كان صدىً لبئرٍ نضبَ معينها؛ فمي مُغلقٌ بختمٍ غير مرئي، وعينايَ تفيضان بدموعِ العجزِ المطلق. كان هو هناك، يقفُ بشموخهِ المتغطرس، أشعل سيجارته ببرودٍ لا يُطاق، ونفخَ دخانها في الفضاء، يراقبُ تهاوي أركاني كأنني لوحةٌ فنية يكتملُ معناها بلحظةِ فنائها. وفجأة، دوت صرخةٌ شرخت جدار الصمت الرخامي: — **"سيدي! أرجوك.. ارحمها، الروحُ لا تحتملُ عبء هذا السواد!"** كانت "كهرمان"، التي دخلت القاعة بذعرٍ بادي. تلاشت الغلالةُ السوداء عن بصري تدريجياً، وبدأتُ أستعيد أنفاسي بشهقاتٍ مسموعة، بينما سقط شعري على وجهي في فوضى توحي بالانكسار. نظر عزرائيل إليها ببرودٍ يجمّد الهواء، فتابعت وهي ترتجف من هول الخبر: — **"لديَّ أنباءٌ تُنذر بالخطر يا سيدي.."** أومأ برأسه دون أن يبدي أي انفعالٍ بشري، فأكملت بصوتٍ خفيض: — **"عمُّك.. (سقسعوع).. سيزورنا الليلة."** كأنَّ صاعقةً ضربت المكان! انتفض عزرائيل من مكانه، واهتزَّت ملامحه الجامدة للمرة الأولى، وصرخ بصوتٍ زعزعَ أركان الثريات: — **"ماذا؟!"** خرجت كهرمان مسرعة، وبقيتُ أنا على الأرض، أتلوى تحت وطأة عطشٍ يسكن الروح قبل الجسد. زحفتُ نحو المائدة، عينايَ معلقتان بكأسِ ماءٍ هناك كأنه الخلاص. توجه نحوي، وبيدٍ لم تعرف يوماً الارتعاش، قبض على فكي بقوةٍ حاسمة، وأجبرني على الشرب حتى ارتويتُ قسراً. مسحتُ فمي بردائي الملوث بسواده، وقلتُ بصوتٍ مبحوح يخرج من تحت الأنقاض: — **"هل سقيتني الآن ذيفاناً جديداً؟ أم أنَّ هذا فصلٌ آخر من طقوسِ الاسترقاق؟"** نظر إليَّ بعينين يغزوهما قلقٌ طارئ لم أعهده في جبروته، وقال بصرامةٍ قاطعة: — **"لا وقت لديَّ للسجال الفلسفي الآن يا سلاف.. الفوضى قادمة، وعليّكِ مساعدتي، وإلا فإنَّ تلاشي وجودنا معاً سيكون أهون ما نلقاه الليلة."**