خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Thirteen | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Thirteen

Chapter Thirteen

الفصل الثالث عشر: تَرنيمةُ العِصيان.. وَتُفاحةُ الصَّمت (بقلم: سلاف) انخرطتُ في حلقةِ الرقصِ كشعلةٍ ذهبيةٍ أضاعتْ طريقها في ليلِ القصرِ طويلاً، لِتجدَ أخيراً مَلاذها تحتَ ضياءِ الشروق. كانت الفتياتُ يَتفحصنني بفضولٍ يمزجُ بين الرهبةِ والغبطة، لِتخترقَ "ميرا" –أكثرهنَّ جُرأةً– حاجزَ الصمتِ هامسةً وهي تتثنى بليونة: "أخبرينا يا سيدةَ القصرِ المَنذور، مَن هذا الكيانُ الذي يرقبُكِ بعينِ صقرٍ لا يغفل؟ أهو سيّدُ رُوحِكِ، أم سَجانُ خُطاكِ؟" أجبتُها بصوتٍ رفيعٍ تعمدتُ أن يَصلَ إلى مسامعهِ البعيدةِ كوَخزِ الإبر: "بل هو خِليلي، وصفيُّ رُوحي، وربما أخي الذي ضلَّ طريقَ القَرابة.. إنهُ مجردُ رفيقٍ أرهقَهُ الخوفُ عليَّ من غَدرِ النَّسمة، فاستحالَ ظلاً لا يَنفد." تعالت ضحكاتُ الفتيات، لكنَّ ألحانَ الطبولِ انقطعتْ فجأةً بصيحةِ سيدةٍ وقورةٍ بوسط الساحة: "الآن.. فليكتملْ بَهاءُ الشروق، وليجتمع كلُّ ثنائيٍ في رقصةِ المِيقات!" في رمشةِ عين، تهافتَ ثلاثةُ شبانٍ نحوي، تبرقُ أعينهم بشغفٍ أمامَ فستاني الذهبي. لكنَّ الهواءَ حولنا تجمدَ فجأة؛ فقد انتصبَ عزرائيلُ كعاصفةٍ سوداءَ مزقت حُجبَ الضياء، وفي لَمحةٍ لا تدركها الأبصار، استلَّ خنجرهُ المرصعَ بالياقوتِ وكأنهُ يتهيأُ لنحرِ رقابهم. وثبتُّ نحوهُ، وقبضتُ على يدهِ التي تُشبهُ نَحتَ الصوان، وهمستُ بلهجةٍ آمرة: "الوعدُ يا عزرائيل! أتذكرُ الميثاقَ الغليظ، أم أنَّ نصلَ الغضبِ أعماه لُبّك؟" زفرَ بقوةٍ هزت أركانَ صدري، وأعادَ الخنجرَ إلى غِمدهِ بصريرٍ يَنذرُ بالشر، ثم طوقَ خصري بآمريةٍ لا تُرد، ونطقَ بفخامةٍ تجرحُ الكبرياء: "إذن، فلتكن الرقصةُ لِسيدكِ، قبل أن أحولَ مِيقاتَ شروقهم إلى مأتمٍ جنائزي." بدأنا الرقص، وكنتُ أتعثرُ في خُطواتي كطائرٍ كُسرتْ أجنحتُه، فأنفاسي تلهثُ خلفَ رزانةِ خُطاهُ الواثقة. انحنى نحوي، وهسيسُ صوتهِ الباردِ يلامسُ أذني: "انظري لِعينيَّ يا سلاف، واتركي لجسدكِ رفاهيةَ الانقياد.. هكذا، يميناً ثم يساراً، كأنكِ قِطعةٌ من رداءِ الليلِ تتبعُ القمر." رفعتُ مآقيَّ إليهِ، وابتسامةُ مكرٍ مستفزةٍ تنضُحُ من ثغري، وقلتُ بصوتٍ رقيقٍ مسموم: "أتعلمُ يا عزرائيل.. أنتَ لطيفٌ جداً حين تخلعُ قناعَ الوحشِ وتتظاهرُ بالبشر." تصلبتْ مفاصلُهُ فجأة، واشتعلتْ عيناهُ بلهيبٍ استترَ خلفَ القناع، فتركَ يدي بعنفٍ لَبقٍ وكأنها جمرةٌ أحرقتْ تاريخَ قسوته، وانكفأ عائداً إلى مقعدهِ بخطواتٍ غاضبةٍ تَشقُّ الزحام. تبعتُهُ والضحكةُ المكتومةُ تُمزقُ حنجرتي، وما إن استقرَّ في مَجلسِهِ حتى نزعتُ الكأسَ من بين أصابعهِ وشربتُ مِنهُ بتمردٍ صارخ، وقلتُ له: "أنتَ مجردُ غبيٍّ تائهٍ في غُروره، لا تطيقُ سماعَ حقيقةِ لُطفكَ المستتر!" ردَّ بحدةٍ ونبرةٍ تفيضُ بالوعيد: "بل أنتِ الغبيةُ التي تظنُّ أنَّ العبثَ بهيبةِ الملوكِ أمامَ الرعاعِ هو انتصارٌ يُذكر." — "بل أنتَ الغبي!" — "كُفّي.. بل أنتِ!" وقبل أن ينفجرَ سيلُ عِنادي، التقطَ تفاحةً قرمزيةً من الخِوان، ودسَّها في فمي بمهارةٍ فائقةٍ أَسكتتْ صدى صوتي، وهو يهمسُ من خلفِ قناعه: "الوقتُ لا ينتظرُ حماقتكِ.. لقد حانَ مِيقاتُ العودةِ للظلال، فقد استهلكتِ من النورِ مِقداراً قد يَحرقُ أجنحةَ فراشةٍ رعناءَ مثلكِ." طوالَ طريقِ الإيابِ فوقَ متنِ الفرس، كان السجالُ لا يهدأ؛ هو يرميني بكلماتٍ كالنبالِ عن رعونتي، وأنا أهجو صلفَهُ وكبرياءَه، والجوادُ ينهبُ الأرضَ تحتنا وكأنهُ الشاهدُ الوحيدُ على حربٍ لا تنتهي بين قلبٍ من نارٍ وآخرَ من جليد.