خليلي عزرائيل الانيق - Chapter Twelve | روايتك

اسم الرواية: خليلي عزرائيل الانيق
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: Chapter Twelve

Chapter Twelve

الفصل الثاني عشر: طقوسُ الضياء.. وكبرياءُ الظل (بقلم: سلاف) هبطتُ درجاتِ السّلمِ الرخاميِّ وكأنني أخطو فوق سحابةٍ من نُورٍ مَصبوب، فستاني الذهبيُّ يهمسُ مع كلِّ حركـةٍ بوقارٍ ملكيّ، كأنهُ يَستردُّ مَجدَ القصرِ من غياهبِ الصمت. وعندَ مُنتهى الردهة، كان ينتظرني.. "عزرائيل". كان ينتصبُ كجبلٍ من الأبنوس، متدثراً بوقارٍ يَسرقُ من الليلِ كبرياءَهُ، وقد اعتلى وجهَهُ قناعٌ مريبٌ لا يَبينُ منهُ سوى بريقِ عينيهِ الذي يَخترقُ حُجبَ الروح، وكأنّهُ كائنٌ انسلَّ من أساطيرِ الفناءِ لِيرافقَ عروساً من شمس. مدَّ يدهُ القوية، وبآمريةٍ لا تتركُ مَجالاً للرفض، قبضَ على كفي وسحبني نحو الفضاءِ الفسيح. استقبلتني خيولُ الغسقِ عندَ البوابة، فاعتلينا صهوةَ فرسٍ أسودٍ كأنهُ قُدَّ من حجرِ النيزك. أحاطني بذراعيهِ ليقبضَ على الأعنة، فشعرتُ ببرودتهِ تُحاصرُ دفءَ ثوبي. قُلتُ لهُ بنبرةٍ تفيضُ عِناداً: — "أهذا القناعُ لِتحمي العالمَ من سَطوتك؟ أم لِتخفي ارتباكَ ملامحكَ أمامَ بهاءِ ثوبي؟" أجابَ بصوتهِ الرخيمِ وهو يَحثُّ الجوادَ على الركض: — "القناعُ يا ابنةَ البشرِ مَلاذُ العيونِ التي لا تحتملُ رؤيةَ الحقيقةِ عارية. نحنُ الآن في طريقنا لـ (وقتِ الشروق).. مِيقاتٌ يظنُّ فيهِ هؤلاءِ الغافلونَ أنَّ الشمسَ ستغسلُ خطاياهم، وما علموا أنَّ الظلَّ هو من يَحفظُ توازنَ الأرض." التفتُّ إليهِ بمشقةٍ وسألتُه باستفزاز: — "وهل اعتادَ (حاصدُ الأرواح) أن يرتادَ هذهِ الميادينَ لِيراقبَ الفتياتِ وهنَّ يرقصن؟ أم أنَّ رغبتكَ في التلصصِ على الأرواحِ لا تكتفي بأسوارِ القصر؟" رمقني بنظرةٍ حادةٍ من خلفِ قناعهِ وقال: — "أنا لا أرتادُ مَواطنَ الضجيجِ يا سلاف، ولولا عِنادُكِ الذي يُشبهُ تخبطَ الطيرِ في القفص، لَما وطئتْ قَدمايَ هذا الثرى الممتلئَ بالزيف. الرقصُ شأنُ العبيد، والمراقبةُ شأنُ الأسياد." ما إن اقتربنا من ساحةِ المدينة، حتى سادَ صمتٌ مفاجئٌ شَطرَ الصخبَ نصفين. تجمّدَ العازفون، وانحنتِ الأجسادُ بوقارٍ يمتزجُ بالرُّعبِ الفطريّ، وكأنَّ قَدراً محتوماً قد حلَّ في رِحابهم. تقدّمَ شابّانِ يرتجفانِ كأوراقِ الخريف، قال أولهما: "أنصتوا.. لقد أشرقَ سيدُنا بيننا." بينما تهمسَ الآخرُ بوجل: "جلالةَ الأمير.. ما الذي أتى بسيادتكَ إلى صخبنا المتواضع؟" ترجّلَ عزرائيلُ بوقارٍ ملكيّ، ثم مدَّ يدهُ ليساعدني على الهبوطِ وهو ينطقُ بكلماتٍ كالنصال: — "لم آتِ لِشارككم بلاهتكم.. لقد أحضرتُ السيدةَ (سلاف) لترى كيفَ تضيعُ الأعمارُ في ملاحقةِ السراب." قلتُ لهُ وأنا أشيحُ بوجهي عن يده: — "بل أحضرتني لِتمارسَ طقوسَ غروركَ أمامهم! انظر.. لقد وأدتَ الفرحةَ في مآقيهم بمجردِ حضورك." ردَّ ببرودٍ قاتل وهو يتوجهُ لمقعدٍ خشبيّ: — "الفرحُ بلا خوفٍ هو بلاهةٌ محضة، وأنا اليومَ وهبتُ لفرحهم ثقلاً لولايَ لَما شعرت بهِ قلوبهم الخاوية." جلسَ يرتشفُ الشايَ وعيناهُ تلاحقانِ كلَّ نبضةٍ في عروقي، بينما اندفعتْ نحوي فتياتُ المدينةِ والأطفالُ بذهولٍ صامت. أخرجتُ لساني لهُ باستفزازٍ صارخٍ أمامَ الجميع، فما كانَ منهُ إلا أن رفعَ حاجبهُ ببرودٍ ينمُّ عن احتقارٍ ذكيٍّ لعنادي، ونبسَ بكلمتينِ فقط: — "اصمتي.. وكلي." تراجعتُ بخطوة، وأنزلتُ لساني ببطءٍ والغيظُ يأكلُ أحشائي، ثم لزمتُ الصمتَ مرغمةً أمامَ هيبتهِ التي لا تُناقش، بينما أحاطَ بي الأطفالُ يلمسونَ ذهبَ فستاني كأنني معجزةٌ هبطت من السماء.