Chapter Eleven
الفصل الحادي عشر: شُروقُ الذَّهب.. وَرَقصَةُ الغَسَق
(بقلم: سلاف)
انفجرتُ غيظاً من برودِهِ المستفز، فغادرتُ القاعةَ بخطواتٍ تضربُ الأرضَ بعنف، متوجهةً إلى جناحي وقلبي يغلي كمرجل. ما إن دلفتُ حتى ارتميتُ على السريرِ أبحثُ عن وسادتي، وقبضتُ عليها بكلتا يديَّ كأنها سيفٌ أثأرُ به لكرامتي.
وفي تلك اللحظة، انفتحَ البابُ وهلَّ "عزرائيل" بوقارِهِ المعهود، وما كاد يخطو خطوةً واحدةً حتى قذفتُهُ بالوسادةِ بكلِّ ما أوتيتُ من قوة، صارخةً: "خُذ هذه أيها المتغطرس!"
لكنه، وبحركةٍ رشيقةٍ لا تكادُ العينُ تدركُها، أمسكَ بالوسادةِ في الهواءِ بِيَدٍ واحدة، وارتسمت على وجهِهِ تلك الابتسامةُ الساخرةُ التي أمقتُها، وقال بهدوء: "أهذا كلُّ ما تملكين؟ حقاً.. إنكِ بلا عقل."
اندفعتُ نحوهُ وعينايَ تشرقانِ بالتحدي: "بل أنتَ من جُردتَ من الإنسانية.. أنتَ بلا قلب!"
رفعَ حاجبَهُ وردَّ ببرودٍ يمزقُ الأعصاب: "العيشُ بلا قلبٍ يا سلاف يمنحني القوة، أما العيشُ بلا عقلٍ كحالكِ.. فلا يمنحُ إلا الصداع."
استشطتُ غضباً، فخطفتُ وسادةً أخرى وهجمتُ بها عليهِ أضربهُ بها بتمرد، ثم استغللتُ ذهولَهُ المباغتَ وفررتُ نحو الشرفةِ الكبيرةِ هرباً من حصارِ عينيه. وما إن وطئتْ قدمايَ الرخامَ البارد، حتى تجمدتُ في مكاني، وسقطتْ كلُّ كلماتِ الحربِ من قاموسي.
كان المنظرُ يفوقُ الوصف؛ قرصُ الشمسِ يتهادى خلفَ الجبالِ كياقوتةٍ مشتعلة، يغزلُ خيوطَهُ الذهبيةَ فوقَ المدينةِ النائمة. اقتربَ عزرائيلُ مني، مستغرباً صمتي المفاجئ، ووقفَ بجانبي يراقبُ ملامحي المذهولة، ثم سألني بنبرةٍ خفتت حدتُها: "أهي المرةُ الأولى التي ترينَ فيها الشروق؟"
همستُ دونَ أن أشيحَ بنظري: "أجل.. لكن ما سلبَ لبي أكثر هو ذاك."
أشرتُ بسباتِي نحو ساحةِ المدينةِ البعيدة، حيث كانت هناك مجموعةٌ كبيرةٌ من الفتياتِ يتمايلنَ بحركاتٍ متناغمة، يرقصنَ رقصةً شعبيةً مبهجةً احتفالاً بقدومِ الضياء. كان المشهدُ يفيضُ بالحياةِ التي افتقدتُها في هذا القصرِ الصامت.
التفتَ إليَّ عزرائيل، وبدت في عينيهِ لمحةٌ غامضةٌ لم أفهمها، وسألني: "أتحبينَ الذهابَ إلى هناك؟"
نظرتُ إليهِ برجاءٍ ممزوجٍ بالشرط: "أجل.. سأذهب، بشرطِ ألا تُريقَ قطرةَ دمٍ واحدة، وألا تقتلَ أحداً هناك."
أنزلَ رأسهُ قليلاً، ومرتْ لحظةُ صمتٍ ثقيلةٍ قبل أن يقول: "لستُ متأكداً من قدرتي على لجمِ طبيعتي.. لكن لا بأس. انتظري هنا، سأنادي "كهرمان" لتهيئكِ لهذا الصخب."
غادرَ، ودخلتْ كهرمانُ بعد دقائق، وهي تحملُ صندوقاً خشبياً يفوحُ منه عطرُ الصندل. ابتسمتْ لي برقةٍ وقالت: "جلالةُ الأميرِ أمرني أن أجعلكِ تسرقينَ الأنظارَ من الشمسِ ذاتها."
بدأتْ كهرمانُ بمساعدتي على ارتداءِ فستانٍ لم أرَ مثلهُ قط؛ كان ذهبياً خالصاً، مرصعاً بخيوطِ الذهبِ الدقيقةِ التي تتداخلُ مع نسيجِ الحرير.
سألتُها وأنا أتأملُ انعكاسي في المرآة: "كهرمان، هل يذهبُ عزرائيلُ دائماً إلى هذه المهرجانات؟"
ردت وهي تصففُ شعري ببراعة: "سيدُنا يحبُّ الظلالَ يا آنسة، لكنهُ اليومَ يبدو وكأنهُ يبحثُ عن النورِ معكِ."
قلتُ بمرارة: "إنهُ يظنني بلا عقل، أتعلمين ذلك؟"
ضحكت كهرمان خِفيةً وقالت: "ربما يرى في جنونكِ ما افتقدهُ في رصانةِ مملكته. انظري إلى نفسكِ الآن.. أنتِ لستِ مجردَ ضيفة، أنتِ أميرةُ الذهبِ الفاتنة."
وقفتُ أمامها، فستاني يبرقُ مع كلِّ حركة، وشعرتُ لأولِ مرةٍ أنني أملكُ القوةَ لمواجهةِ ذلك الوحشِ الوسيمِ في عقرِ داره.