لعنة الليرة - نغمة بروح 9 - بقلم ايمان بنݣرعة | روايتك

اسم الرواية: لعنة الليرة
المؤلف / الكاتب: ايمان بنݣرعة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: نغمة بروح 9

نغمة بروح 9

استيقظ أرفيوس وهو يلهث. جلس في سريره دفعة واحدة، ويده فوق صدره. كان الظلام لا يزال يملأ الغرفة. لكن صورة الرجل لم تفارق عينيه. ذلك الرجل ذو الشعر الفضي. وذلك الصوت. "كل نغمة جميلة لها ثمن..." ظل صدى العبارة يتردد في رأسه للحظات. نظر نحو النافذة. السماء بدأت تتحول من السواد إلى الأزرق الباهت. كان الفجر يقترب. مسح وجهه بكفيه. — مجرد حلم... قالها لنفسه. لكنه لم يقتنع تمامًا. انحنى نحو الأرض وأخرج الليرة من تحت سريره. عندما لامست أصابعه الذهب الدافئ شعر بشيء من الطمأنينة. لم تكن الليرة مخيفة. بل كانت أجمل شيء رآه في حياته. فكيف يمكن لشيء بهذا الجمال أن يحمل الشر؟ ابتسم ابتسامة صغيرة. ثم نهض ليستعد لليوم. --- في الطابق السفلي كانت رائحة الخبز الساخن تملأ المنزل. وقفت إيلارا قرب الموقد وهي تخرج أرغفة مستديرة من الفرن الحجري الصغير. أما ليون فكان يجلس على الطاولة ينحت قطعة خشبية كعادته. رفع رأسه فور رؤية ابنه. — صباح الخير أيها الموسيقي. ابتسم أرفيوس. — صباح الخير. وضعت إيلارا قطعة خبز أمامه. ثم ربتت على شعره. — لم تنم جيدًا؟ تفاجأ. — كيف عرفتِ؟ — لأنني أمك. — هذا ليس جوابًا. — بل أفضل جواب. ضحك ليون. أما إيلارا فجلست بجانب ابنها. كانت تبتسم كعادتها. لكن أرفيوس لاحظ للمرة الأولى هالات خفيفة تحت عينيها. اختفت بسرعة حين ضحكت. فظن أنه يتخيل. --- بعد الإفطار مباشرة حمل أرفيوس ليرته وخرج. كان الموعد قرب النهر. النهر الذي يبعد عشر دقائق فقط عن القرية. مكانهم المفضل منذ الطفولة. هناك كانوا يصطادون الأسماك. ويبنون السدود الصغيرة بالحجارة. ويتشاجرون ثم يتصالحون بعد دقائق. وحين وصل... كان أندرياس أول الحاضرين. مستلقيًا فوق صخرة كبيرة وكأنه مالك الأرض. ويده خلف رأسه. وعيناه مغمضتان. — أندرياس؟ لم يتحرك. — أندرياس؟ ما زال ساكنًا. اقترب أرفيوس. فجأة فتح أندرياس عينيه وصاح: — هااا! قفز أرفيوس للخلف. وانفجر أندرياس ضاحكًا. — للمرة السابعة تنجح الخطة! — سأرميك في النهر يومًا ما. — تقول هذا دائمًا ولا تفعل. جلس أرفيوس بجانبه. — لأنني شخص متحضر. — جبان. — متحضر. — جبان متحضر. --- بعد دقائق وصلت مريم. كانت تحمل دفتر الرسم الخاص بها بين ذراعيها. لوحت لهم من بعيد. — صباح الخير. — صباح الخير. أجاب أرفيوس. أما أندرياس فرفع يده فقط. — لماذا تحملين ذلك الدفتر في كل مكان؟ سألها. — ولماذا تحمل أنت عقلك الفارغ في كل مكان؟ ردت فورًا. ضحك أرفيوس. أما أندرياس فوضع يده فوق قلبه. — هذه إساءة يا ناس يا حرااام — ان تدخلت مرة أخرى في شؤوني سأرميك في النهر — لماذا الجميع يريدوني رميي في النهر يال العار !!! --- وصل إلياس بعد ذلك بقليل. وكالعادة... كان يحمل كتابًا. نظر أندرياس إلى السماء مستسلمًا. — أخبرني يا إلياس. هل توجد لحظة واحدة في حياتك لا تحمل فيها كتابًا؟ فكر إلياس جديًا. — لا أظن. — هذا مخيف. — المعرفة ليست مخيفة. — بل هي مخيفة عندما تحمل أربعمائة صفحة. --- وقبل أن يرد إلياس... وصل صوت حوافر مألوف. فتبادل الجميع النظرات. ثم قال أندرياس بسرعة وهو يحاول تعديل شعره: — لا تنظروا إلي. فابتسم أرفيوس. — لم يقل أحد شيئًا. — أعرف أنكم تفكرون فيه. --- ظهرت أوريليا فوق فرسها الرمادي. وكأنها خرجت من إحدى الأساطير. كان شعرها البني الداكن مربوطًا جزئيًا خلف رأسها، بينما تركت بعض الخصلات تتراقص مع الريح. وقفت فوق السرج للحظة قصيرة قبل أن تقفز إلى الأرض بخفة أدهشت مريم كعادتها. هبطت دون أي تردد. ثم ربتت على عنق الفرس. — أحسنت يا ايها الرمادي التفتت إليهم. — صباح الخير أيها الكسالى. — صباح النور قال الجميع. إلا أندرياس. فقد نسي الكلام أصلًا. --- لاحظت أوريليا ذلك. فنظرت إليه. — هل فقدت القدرة على النطق؟ — لا. — جيد. — نعم. — ماذا؟ — ماذا؟ ضحكت أوريليا. أما مريم فاضطرت إلى إدارة وجهها حتى لا تنفجر ضاحكة. --- جلست أوريليا على العشب قرب إلياس مباشرة. وكأن ذلك أمر طبيعي جدًا. وبالفعل كان طبيعيًا. فمنذ سنوات وهما يتناقشان في كل شيء. في الكتب. في النجوم. في الأساطير. وفي الأسئلة التي تجعل بقية الناس تندم على مشاركتهما الحديث. قال إلياس: — انتهيت من الكتاب؟ — نعم. — ورأيك؟ — البطل غبي. — هذا ملخصك؟ — نعم. — استغرقت أسبوعًا لقراءة أربعمائة صفحة لتقولي "البطل غبي"؟ — كانت أربعمائة صفحة تثبت أنه غبي. ضحك أرفيوس. أما أندرياس فهز رأسه. — لا أفهم كيف تتحدثان هكذا. — لأنك لا تقرأ. قالت أوريليا. — أقرأ. — ماذا؟ — اللافتات في السوق. فانفجر الجميع ضاحكين. حتى مريم التي كانت تحاول التظاهر بالهدوء. --- في تلك اللحظة ظهرت إيلارا وأم أندرياس من بعيد. كانتا تحملان سلتين كبيرتين. ولوحت إيلارا لهم. — لا تقتربوا من الطعام! صرخ أندرياس فورًا: — إذن أحضرتِ طعامًا! — هذا بالضبط ما فهمته من الجملة؟ — نعم. — يا للكارثة. ضحكت إيلارا. وكانت ضحكتها دافئة إلى درجة جعلت الجميع يبتسمون دون شعور. ثم بدأت مع أم أندرياس في فرش القماش الأحمر فوق العشب قرب النهر. بينما راقبهم الأصدقاء. ولم يكن أحد منهم يعلم... أن هذا اليوم الجميل سيبقى في ذاكرتهم طويلًا ما إن انتهت إيلارا وأم أندرياس من فرش القماش الأحمر حتى بدأ أندرياس يتقدم نحوهما بخطوات حذرة. راقبته والدته بعينين ضيقتين. — لا. توقف. — لكنني لم أفعل شيئًا بعد. — لأنني أعرفك. — هذا ظلم. — هذه خبرة. ضحك الجميع. أما إيلارا ففتحت إحدى السلال وأخرجت بعض الفطائر الصغيرة. فلمعت عينا أندرياس. — كنت أعلم أن الحياة لا تزال تحمل خيرًا. — ابتعد. قالت والدته. فابتعد فعلًا... خطوتين فقط. ثم عاد من الجهة الأخرى. --- جلس الجميع قرب النهر. كانت المياه تتدفق بهدوء فوق الصخور الصغيرة، بينما كانت أشعة الشمس تنعكس فوق السطح كقطع من الزجاج الذهبي. رفع أرفيوس الليرة بين يديه. فساد الصمت تلقائيًا. حتى أندرياس. وهو أمر نادر الحدوث. نظر أرفيوس إلى أوتارها. شعر بقلبه ينبض أسرع قليلًا. ثم بدأ العزف. في البداية خرجت النغمات مترددة. لكن شيئًا فشيئًا بدأ الخوف يختفي. وأخذ اللحن يتدفق من بين أصابعه بسلاسة. لم يكن اللحن حزينًا. ولا مبهجًا تمامًا. بل كان يشبه النهر أمامهم. هادئًا. حرًا. مليئًا بالحياة. وحين انتهى... لم يتكلم أحد لثوانٍ. ثم صفقت أوريليا أولًا. تبعها إلياس. ثم مريم. ثم إيلارا. ثم الجميع. حتى أم أندرياس. أما أندرياس فكان آخر من صفق. ليس لأنه لم يعجبه اللحن. بل لأنه كان شاردًا. تمامًا. — أندرياس؟ قال أرفيوس. انتبه فجأة. — ماذا؟ — لماذا تحدق هكذا؟ أشار أندرياس نحو الليرة. — كنت أفكر. — وهذه أول مرة اووه لا اصدق قالت أوريليا. فانفجر الجميع ضاحكين. أما أندرياس فتنهد. — سأرحل يومًا ما إلى مكان يقدّر عبقريتي. — جرّب القمر. قالت أوريليا. — أظن أن سكانه سيتحملونك أكثر. --- جلس أرفيوس وسطهم وهو يشعر بسعادة لم يشعر بها منذ زمن. لأول مرة بدا له أن الليرة تنتمي إليه فعلًا. اقتربت مريم قليلًا. — لقد كنت رائعًا. نظر إليها مبتسمًا. — حقًا؟ — نعم. ثم ترددت لحظة. — أعجبتني النهاية أكثر شيء. — أنا أيضًا. قالت أوريليا. فالتفت أرفيوس إليها فورًا. — حقًا؟ — خصوصًا المقطع الأخير. كان فيه شيء جميل. لاحظت مريم سرعة التفاتته. فعضّت شفّتها بخفة. ثم فتحت دفترها وكأن الأمر لا يعنيها. لكن أندرياس لاحظ. وإلياس لاحظ. وأوريليا نفسها لاحظت. أما أرفيوس فلم يلاحظ شيئًا. كعادته. --- بعد قليل تمدد إلياس فوق العشب واضعًا يديه خلف رأسه. نظر إلى السماء. — هل فكرتم يومًا كيف سيصبح شكل حياتنا بعد عشر سنوات؟ ساد الصمت. ثم قال أندرياس: — سأكون غنيًا. — كيف؟ سألته أوريليا. — لا أعرف. لكنني سأكون غنيًا. — خطة رائعة. قالت. — أشكرك. --- قالت مريم: — أريد أن أصبح رسامة حقيقية. ليس فقط هنا. أريد أن أرى المدن. والمعارض. وأرسم أشياء لم أرها بعد. ابتسمت إيلارا. — وستنجحين. أنتِ ترسمين أفضل من أغلب الكبار أصلًا. أشرق وجه مريم. كانت تحب إيلارا كثيرًا. الجميع كان يحبها. --- ثم التفت إلياس نحو أوريليا. — وأنت؟ رفعت حاجبها. — ماذا؟ — ماذا تريدين أن تفعلي بعد عشر سنوات؟ فكرت قليلًا. ثم قالت: — أريد أن أعرف أكثر. — أكثر ماذا؟ — كل شيء. ضحك أندرياس. — هذا مستحيل. — أعرف. قالت ببساطة. — لكن هذا لا يمنعني من المحاولة. --- ثم صمتت لحظة. وأخذت ترمي حصى صغيرة نحو النهر. وقال إلياس: — حسنًا. سؤال آخر. ما أجمل دقائق يومك؟ توقفت أوريليا عن اللعب بالحصى. ونظرت إلى الماء. أما أندرياس... فبدأ يدعو في أعماقه بكل ما يملك. "قولي عندما أرى أندرياس ." "قولي عندما أتحدث مع أندرياس." "قولي أي شيء له علاقة بي." لكن أوريليا ابتسمت ابتسامة بعيدة. ثم قالت: — أحب الدقائق الأولى التي أستيقظ فيها... حين لا أكون أنا تمامًا... ولا هذا العالم يطالبني بأن أكون ما يريد. ساد الصمت. حتى إيلارا توقفت عن ترتيب الأطباق. وأخذ الجميع يستمع. — جسد ساكن، كأنه نجا لتوه من معركة لا أتذكرها... وعقل صامت، أخيرًا تخلى عن ضجيجه دون مقاومة. في تلك اللحظة... لا أفكر... لا أقلق... لا أشتاق... كأن قلبي تعلم مؤقتًا كيف ينبض دون خوف. وكأن روحي استأذنت من كل ما يؤلمها... وغابت. أكون خفيفة... بلا ماضٍ يثقلني. ولا مستقبل يلوح بأسئلته الثقيلة. مجرد صفحة بيضاء. لم تكتب عليها خيبات. ولم تلامسها يد أحد. ثم للأسف... يبدأ كل شيء بالعودة. التفاصيل. الأسماء. الوجوه. الأفكار. وهكذا تنتهي حياة أجمل نسخة مني... التي تعيش في تلك الدقائق القليلة فقط. لم يتكلم أحد. حتى النهر بدا أكثر هدوءًا. أما أندرياس... فكان ينظر إليها كمن تلقى ضربة في القلب. ثم تمتم دون وعي و قبل أن يدرك ما يجري : — وقعت في الحب يا سادة ! سمعه أرفيوس. فانفجر ضاحكًا. ولحق به إلياس. ثم مريم. أما أوريليا فرمت عليه حصاة صغيرة. أصابته في كتفه. — توقف عن قول أشياء كهذه. — لم أقل شيئًا. — قلت. — أثبتوا ذلك. — سمعنا جميعًا. قال إلياس. — خائن. رد أندرياس فورًا. --- بعد دقائق عاد الحديث بصورة أكثر خفة. كانت أوريليا تتحدث عن كتاب قرأته. بينما كان أندرياس يحاول فهم ما تقوله دون نجاح. وأخيرًا قالت له: — مشكلتك أنك لا تفرق بين وظيفة عقلك ووظيفة قلبك. أجابها دون تفكير. — لا فرق بين وظيفة عقلي وقلبي كلاهما مشغولان بك . ساد الصمت. وتجمد الجميع. بمن فيهم أندرياس نفسه. اتسعت عيناه. — أوه. وضعت مريم يدها فوق فمها. أما إلياس فبدأ يضحك أصلًا. وتحول وجه أندرياس إلى اللون الأحمر. — أقصد... أقصد... كلاهما لا يعملان! أبدًا! فضحك الجميع بقوة. حتى أوريليا نفسها. رغم أنها حاولت التظاهر بالانزعاج. لكن ابتسامتها فضحتها. --- كانت الضحكات لا تزال تتردد فوق ضفة النهر حين خرجت إيلارا من ظل الشجرة وهي تحمل صينية العصير. عليها أكواب زجاجية صغيرة، ينعكس فوقها ضوء الشمس المتكسر عبر أوراق الصفصاف. كانت تبتسم وهي تنظر إلى الأطفال. أطفال... هكذا كانت تراهم دائمًا. رغم أنهم كانوا يكبرون عامًا بعد عام. أندرياس الذي لا يجلس دقيقة واحدة في مكانه. مريم التي تخبئ قلبًا حساسًا خلف مظهرها الهادئ. إلياس الذي يفكر أكثر مما ينبغي. أوريليا التي تبدو وكأنها ولدت وفي روحها حصان بري. وأرفيوس... ابنها. الذي كان يزداد شبهًا بوالده كل يوم. توقفت لحظة تنظر إليه وهو يضحك مع أصدقائه. وشعرت بدفء غامر في صدرها. لكن... فجأة. ارتجفت يدها. ارتجافة صغيرة جدًا. إلا أنها كانت كافية. انزلق أحد الأكواب. وسقط. وتحطم فوق الحجارة. توقف الحديث. التفت الجميع. وأسرع أرفيوس نحوها فورًا. — أمي! ابتسمت بسرعة. — لم يحدث شيء. لكن أرفيوس كان قد أمسك يدها بالفعل. فتجمد. كانت باردة. باردة على نحو غريب. كأنها كانت خارج المنزل في ليلة شتوية. — يدك باردة جدًا. ضحكت إيلارا بخفة. — لأنني أغسل الخضار بالماء البارد منذ الصباح. — لا... أظنها أبرد من ذلك. ربتت على رأسه. — أنت تقلق أكثر من اللازم. ثم التفتت إلى الآخرين. — هيا. لا تدعوا كأسًا مكسورًا يسرق يومنا الجميل. وعادت الابتسامات شيئًا فشيئًا. لكن أرفيوس ظل يفكر بالأمر. ولو لثوانٍ. --- بعد الغداء تمدد أندرياس فوق القماش الأحمر. واضعًا يديه خلف رأسه. وقال: — لو سألني أحد عن السعادة... فسأقول إنها أن تأكل حتى تعجز عن الوقوف. — هذا ليس تعريف السعادة. قالت أوريليا. — بل هو تعريفك أنت. — إذن هو تعريف ممتاز. --- أما إلياس فكان جالسًا قرب النهر يعبث بعصا صغيرة بين أصابعه. بينما كانت مريم تقلب صفحات دفتر الرسم. ثم رفعت رأسها فجأة. — لدي فكرة. — خطيرة؟ سأل أندرياس. — لماذا تفترض دائمًا أن أفكاري خطيرة؟ — لأنك صديقة أوريليا. — وما المشكلة؟ سألته أوريليا. — لا شيء. قال بسرعة. — أخاف على حياتي فقط. --- تنهدت مريم. ثم رفعت دفترها. — أريد أن أرسمنا. — جميعًا؟ سأل أرفيوس. — نعم. — حتى أنا؟ قال أندرياس. — للأسف. فانفجر الجميع ضاحكين. --- بدأوا يتحركون بحثًا عن أماكن مناسبة. جلس ليون قرب الشجرة. أما أم أندرياس فجلست بجانبه وهي تحاول منع ابنها من الحركة كل عشر ثوانٍ. وقف إلياس إلى جوار أوريليا. بينما جلست مريم أمامهم. ثم أشارت إلى أرفيوس. — اقترب قليلًا. اقترب. — أكثر. اقترب. ثم جلست أوريليا قربه لتظهر في الرسم. في اللحظة نفسها تقريبًا... شعرت مريم بانزعاج صغير. صغير جدًا. لكنه كان موجودًا. --- اقتربت القطة السوداء من مكانهم بهدوء. كأنها خرجت من الظل نفسه. جلست قرب أرفيوس. ثم لفت ذيلها حول قدميها. — ها هي مجددًا. قال إلياس. — إنها تحب أرفيوس. قالت أم أندرياس. — أو تحب الليرة. قالت أوريليا. — أو تحب الطعام. قال أندرياس. فحدقت فيه القطة. ثم أدارت رأسها بازدراء واضح. فضحك الجميع. --- بدأت مريم الرسم. خطوط خفيفة أولًا. ثم تفاصيل أكثر. ثم وجوه. كانت ترسم بسرعة وثقة. فهي تعرف وجوههم جميعًا. تعرف كيف يبتسم أرفيوس. وكيف يرفع إلياس حاجبه حين يفكر. وكيف تبدو أوريليا حين تستعد للجدال. وكيف يبدو أندرياس حين يحاول أن يبدو ذكيًا. أي نادرًا. --- وبعد فترة... توقفت. عبست. ثم حدقت في الورقة. اقترب أرفيوس. — ماذا؟ لم تجب. حدقت أكثر. ثم مزقت الصفحة فجأة. تفاجأ الجميع. — ماذا حدث؟ سألت أوريليا. — لا أعرف. قالت مريم. ثم أضافت بتردد: — الرسمة لم تعجبني. — أرينا إياها. قال إلياس. — لا. — مريم. — لا. لكن أم أندرياس التقطت إحدى القطع الممزقة قبل أن تطير. ثم نظرت إليها. وتغيرت ابتسامتها قليلًا. كان وجه إيلارا في الرسم... شاحبًا. ومتعبًا. أكثر من الواقع بكثير. كأنه وجه شخص مريض. شعرت مريم بالانزعاج فورًا. — لا أعرف لماذا رسمتها هكذا. أقسم أنني لم أقصد. نظرت إيلارا إلى القطعة. ثم ابتسمت ابتسامة هادئة. — ربما لأنني أصبحت عجوزًا. — لستِ عجوزًا. قال أرفيوس فورًا. ضحكت. — حسنًا. إذن ربما لأن رسامتنا الصغيرة تحتاج إلى الطعام أكثر. وعادت الأحاديث إلى طبيعتها. لكن مريم ظلت تشعر بعدم الراحة. --- ومع مرور الوقت بدأت الشمس تنخفض ببطء. وصار الضوء ذهبيًا. ثم برتقاليًا. ثم مائلًا إلى الحمرة. وأصبح النهر أشبه بشريط من النار السائلة. جلس الجميع يتحدثون عن أشياء كثيرة. عن أحلامهم. وعن المدرسة. وعن قصص القرية. وعن أسوأ المواقف المحرجة التي مروا بها. وكان أندرياس يفوز في كل مرة. لأنه يمتلك عددًا مرعبًا منها. --- وحين بدأت الشمس تختفي خلف التلال... بدأت النزهة تنتهي. جمعت إيلارا الأطباق. وأعادت أم أندرياس ترتيب السلال. وقف إلياس أولًا. — يجب أن أعود. أبي ينتظرني. ثم ودعهم. ورحل. بعده بقليل غادرت مريم. لكن قبل أن ترحل التفتت نحو أرفيوس. — كان عزفك جميلًا اليوم. ابتسم. — شكرًا. ابتسمت هي الأخرى. ثم مضت في طريقها. أما أوريليا فصعدت إلى ظهر فرسها. لكن قبل أن تغادر قالت: — في المرة القادمة... اعزف شيئًا أسرع. — لماذا؟ سأل أرفيوس. — لأن أندرياس بدا وكأنه سيبكي. — كنت متأثرًا فنيًا. احتج أندرياس. — بالطبع. قالت أوريليا. ثم انطلقت ضاحكة. واختفت بين الأشجار. --- ظل أندرياس يراقب الطريق الذي رحلت فيه. طويلًا. طويلًا جدًا. ثم تنهد. — أتعلم يا أرفيوس؟ — ماذا؟ — أظن أنني أحببتها منذ أول مرة رأيتها. — قلت هذا الأسبوع الماضي. — وما زلت محقًا. --- لكن اللحظة الرومانسية لم تدم. إذ دوى صوت مألوف من بعيد. — أندرياااااس! شحب وجهه. — أوه لا. — أمك؟ سأل أرفيوس. — للأسف. ثم بدأ يركض. ووراءه والدته. وخفها الشهير. بينما انفجر الجميع ضاحكين للمرة الأخيرة ذلك اليوم. --- وبعد قليل... عاد الهدوء. ورحل الجميع. وبقيت الشمس تودع السماء ببطء. وبقي في قلب أرفيوس شعور غريب. شعور جميل... ومقلق في الوقت نفسه. شعور يشبه نهاية يوم لا تريد له أن ينتهي. ولم يكن يعلم... أن الليل الذي ينتظره... سيكون مختلفًا تمامًا. عاد أرفيوس إلى المنزل مع والديه بينما كانت آخر خيوط الشمس تغيب خلف التلال البعيدة. كان المساء هادئًا. هادئًا على نحو جميل. الهواء لطيف. والسماء مغطاة بألوان بنفسجية وبرتقالية متداخلة. أما أرفيوس فكان يسير ممسكًا بليرته. كل بضع خطوات ينظر إليها. ثم يبتسم وحده. لاحظت إيلارا ذلك. فضحكت. — لو استطعتَ لحملتها إلى المائدة. — ربما. — وإلى النوم. — ربما. — وإلى الحمام. ضحك ليون بصوت مرتفع. أما أرفيوس فاحتج: — هذه مبالغة. — انك تحدق فيها أكثر مما يحدق أندرياس في اوريليا ردت إيلارا. ثم وضعت ذراعها حول كتفيه للحظة قصيرة. فشعر بالدفء. ذلك الدفء الذي لا يشعر به إلا حين تكون أمه قريبة. --- في المنزل تناولوا العشاء معًا. وكان الحديث كله تقريبًا عن النزهة. قال ليون: — أظن أن أندرياس سيطلب الزواج من أوريليا قبل أن يبلغ العشرين. كادت إيلارا تختنق من الضحك. أما أرفيوس فقال: — قبل العشرين؟ قد يفعلها غدًا. — لا أستبعد ذلك. قالت إيلارا. ثم بدأت تقلد أندرياس بطريقة جعلت أرفيوس يضحك حتى دمعت عيناه. — "أوريليا... لقد فكرت طويلًا..." ثم وضعت يدها فوق قلبها وأكملت بصوت مسرحي: — "ثلاث دقائق كاملة." فضحك الجميع. حتى ليون. --- بعد العشاء صعد أرفيوس إلى غرفته. كانت القطة السوداء مستلقية فوق السرير. تحتل نصف الوسادة كأنها المالكة الحقيقية للغرفة. — ابتعدي قليلًا. قال لها. فتثاءبت. ولم تتحرك. — هذا سريري. أغمضت عينًا واحدة. ثم عادت للنوم. تنهد. — يومًا ما سأتعلم لغتك. --- جلس قرب النافذة. والقمر بدأ يصعد ببطء فوق القرية. أخرج الليرة. ووضعها فوق ركبتيه. كان سعيدًا. سعيدًا أكثر مما كان منذ زمن طويل. تذكر ضحكات أصدقائه. وكلمات أوريليا. ورسمة مريم. ومطاردة أم أندرياس لابنها. حتى ابتسامة أمه وهي ترتب الطعام قرب النهر. كل شيء بدا جميلًا. دافئًا. بسيطًا. كأنه أحد تلك الأيام التي يتمنى الإنسان أن تبقى إلى الأبد. --- مرر أصابعه فوق الأوتار. فانطلقت النغمات. هادئة أولًا. ثم أكثر ثقة. ثم أكثر جمالًا. أغمض عينيه. وترك الموسيقى تقوده. وكان اللحن يتدفق بسهولة غريبة. كأن الليرة تعرف الطريق وحدها. وكأن أصابعه لا تفعل سوى ملاحقتها. ابتسم. واستمر في العزف. ثم... فجأة. وسط كل ذلك الجمال... خرج صوت مختلف. نغمة واحدة فقط. لكنها كانت حادة. ومكسورة. وحزينة على نحو لم يسمعه من قبل. كأن شخصًا يبكي بعيدًا جدًا. توقف أرفيوس فورًا. فتح عينيه. ونظر إلى الليرة. ثم إلى أصابعه. ثم عاد إلى الليرة. — ماذا...؟ جرب الوتر نفسه مرة أخرى. خرج طبيعيًا. أعاد المحاولة. ما زال طبيعيًا. اختفت النغمة. وكأنها لم تكن موجودة أصلًا. لكن قلبه لم يهدأ. شعر بقشعريرة خفيفة تمر في ظهره. --- في تلك اللحظة رفعت القطة السوداء رأسها. كانت مستلقية فوق السرير. لكنها لم تنظر إلى أرفيوس. بل إلى الباب. تحديدًا... إلى باب غرفة والديه في نهاية الممر. ثبتت عينيها هناك. وسكنت تمامًا. اختفت كسلها المعتاد. واختفت نظرتها العابثة. وحل محلها شيء آخر. شيء يشبه... الحزن. --- ظل أرفيوس يراقبها للحظات. ثم هز رأسه. — أصبحت أتخيل أشياء كثيرة. وضع الليرة جانبًا. واستلقي فوق السرير. وبعد دقائق قليلة... غلبه النعاس. --- لا يعرف كم مر من الوقت. لكنه استيقظ فجأة. كانت الغرفة مظلمة. والقمر انتقل إلى منتصف السماء. جلس ببطء. ثم نظر نحو الوسادة. فارغة. القطة اختفت. عبس. — اين انت ؟ لا جواب. نظر تحت السرير. لا شيء. فتح الخزانة. لا شيء. تنهد. ثم خرج إلى الممر. --- كان المنزل غارقًا في الصمت. صمت الليل العميق. ذلك الصمت الذي يجعل أصغر الأصوات تبدو أعلى مما هي عليه. تقدم ببطء. باحثًا عن القطة. حتى سمع همسًا. توقف. الصوت قادم من غرفة والديه. تردد. ثم اقترب خطوة. دون أن يقصد التنصت. لكنه سمع اسم أمه. فتجمد مكانه. كان صوت ليون. منخفضًا. ومتعبًا. — يجب أن نزور الحكيم غدًا يا إيلارا. ساد صمت قصير. ثم جاء صوتها. هادئًا. لكن فيه شيء لم يسمعه أرفيوس من قبل. إرهاق. إرهاق عميق. — لا. — إيلارا... — لا أريد ذلك الآن. — لكنك تعلمين أن— قاطعته برفق. — أعلم. ساد الصمت ثانية. ثم قالت: — أرفيوس سعيد هذه الأيام. سعيد أكثر مما رأيته منذ سنوات. لا أريد أن أخيفه. ولا أن أفسد عليه فرحته. شعر أرفيوس بأن قلبه بدأ ينبض أسرع. دون أن يفهم السبب. واصل ليون حديثه: — لكنه سيعرف عاجلًا أم آجلًا. — ليس الآن. أرجوك. ليس الآن. --- وقف أرفيوس في مكانه. باردًا. ساكنًا. وكأن الكلمات تحولت إلى أحجار سقطت داخله. ماذا تقصد؟ ماذا سيعرف؟ ولماذا الحكيم؟ ولماذا بدا صوت أبيه خائفًا؟ ولماذا كانت يد أمه باردة؟ ولماذا ظهرت متعبة في رسم مريم؟ ولماذا... شعر فجأة بأنه لا يريد معرفة الإجابة؟ --- تراجع خطوة. ثم أخرى. ثم عاد إلى غرفته بصمت. أغلق الباب. وجلس فوق سريره. كانت القطة السوداء هناك. عادت دون أن يشعر. جالسة قرب النافذة. تنظر إلى القمر. حملها بين ذراعيه. لأول مرة منذ زمن. وكأنها الشيء الوحيد الثابت في تلك اللحظة. --- رفع رأسه نحو الباب. كان جزء منه يريد الخروج. وسؤال والديه مباشرة. لكن جزءًا آخر... كان خائفًا. خائفًا من الجواب.