الرسالة الأخيرة - ٤_٥ - بقلم A | روايتك

اسم الرواية: الرسالة الأخيرة
المؤلف / الكاتب: A
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ٤_٥

٤_٥

تجمدت ليان وسليم والجدة نرجس في أماكنهم. كان الصوت واضحًا جدًا هذه المرة. لم يكن صوتًا قادمًا من هاتف أو تلفاز. بل من داخل الغرفة نفسها. من أحد الأركان المظلمة. شعرت ليان بأن يدها ترتجف وهي تمسك الصورة القديمة. أما سليم فرفع ضوء الهاتف نحو مصدر الصوت. لكن الضوء لم يكشف شيئًا. فقط الظلام. ظلام كثيف وكأن الضوء يرفض الدخول إليه. ثم تكرر الصوت. "أخيرًا وجدتم صورتي." ابتلعت ليان ريقها بصعوبة. وقالت بصوت مرتجف: "من أنت؟" ساد الصمت لثوانٍ طويلة. ثم جاء الرد. "نسيتُ اسمي." شعرت الجدة نرجس بقشعريرة قوية. هذا الجواب أعاد إليها ذكريات حاولت نسيانها لسنوات طويلة. تقدمت خطوة للأمام وقالت: "أنت الطفل الذي اختفى." صدر صوت أشبه بالضحكة القصيرة. ثم قال: "هذا ما يعتقده الجميع." بدأ الهواء داخل الغرفة يبرد أكثر فأكثر. حتى إن أنفاسهم أصبحت مرئية. نظر سليم حوله بتوتر. كان الباب مغلقًا. والنوافذ مغلقة. ومع ذلك كانت الرياح تتحرك داخل الغرفة. كأن هناك شيئًا غير مرئي يدور حولهم. فجأة سقطت الصورة من يد ليان. واستقرت على الأرض. لكن الغريب أن الصورة بدأت تتحرك وحدها. ببطء شديد. تنزلق فوق الأرض الخشبية. ثم توقفت أمام خزانة قديمة في زاوية الغرفة. نظر الجميع إليها. همست ليان: "أعتقد أنها تريدنا أن نفتحها." صرخت الجدة فورًا: "لا!" التفتت إليها ليان. كانت الجدة خائفة بطريقة لم ترها من قبل. قالت نرجس: "في المرة الماضية فتحت كل شيء أرشدتني إليه الرسائل." "وماذا حدث؟" سألت ليان. أغلقت الجدة عينيها. ثم قالت: "اختفت صديقتي." ساد الصمت. وأكملت بصوت مكسور: "كانت معي في تلك الليلة. اسمها هدى." تنهدت بحزن. "سمعنا أصواتًا غريبة داخل منزل مهجور. ثم وجدنا صندوقًا. وبعدها بدأت الرسائل." ارتجفت يدها. "وفي إحدى الليالي خرجت هدى من غرفتها ولم تعد أبدًا." سألت ليان: "هل بحثتم عنها؟" أومأت الجدة. "بحثت المدينة كلها." "ولم يجدوها؟" هزت رأسها. "لم يجدوا أي أثر." في تلك اللحظة... صدر صوت طَرق خفيف من داخل الخزانة القديمة. تك. تك. تك. نظر الجميع إليها. ثم ظهر شيء أغرب. بدأ الباب الخشبي للخزانة ينفتح وحده. ببطء شديد. صرررر... ارتفع نبض قلب ليان. واقترب سليم بحذر. وعندما انفتح الباب بالكامل... ظهر شيء لم يتوقعه أحد. لم يكن هناك وحش. ولا شبح. بل مجموعة دفاتر قديمة مرتبة بعناية. فقط دفاتر. مد سليم يده وأخذ أحدها. قرأ العنوان المكتوب على الغلاف. ثم اتسعت عيناه. "ليان..." "ماذا؟" ناولها الدفتر. نظرت إليه. وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. كان مكتوبًا: يوميات ليان لكن ليان لم تكتب هذا الدفتر أبدًا. فتحته بسرعة. وكانت الصفحة الأولى تحمل تاريخًا قبل أسبوع. بدأت تقرأ. "استيقظت اليوم متأخرة. تشاجرت مع سليم بسبب كوب مكسور." شهقت ليان. هذا ما حدث فعلًا قبل أسبوع. قلبت الصفحة التالية. "في الغد ستعثر ليان على الصورة القديمة." تجمدت. رفعت رأسها ببطء. ثم نظرت إلى سليم. "هذا كُتب قبل أن نجد الصورة." أخذ سليم الدفتر منها. وبدأ يقلب الصفحات بسرعة. وفجأة توقف. كانت هناك صفحة أخيرة. مكتوب فيها: "في ليلة الخامس من يونيو ستدخل ليان الغرفة القديمة." نظر الجميع حولهم. هم بالفعل داخل الغرفة القديمة. ثم أكمل القراءة. "ستسمع الصوت للمرة الأولى." رفع رأسه. الصوت ظهر بالفعل. ثم قرأ السطر التالي. وتغير لون وجهه فورًا. سألته ليان بقلق: "ماذا كُتب؟" لكنه لم يجب. انتزعت الدفتر من يده. وقرأت بنفسها. "وفي النهاية ستختار ليان." تحت الجملة كان هناك فراغ. كأن الكاتب لم يكمل بعد. شعرت ليان برعب غريب. من كتب هذا؟ وكيف عرف كل ما سيحدث؟ وفجأة تحرك القلم الموضوع فوق المكتب القديم. وحده. دون أن يلمسه أحد. ارتفع قليلًا. ثم سقط على الصفحة. وبدأ يكتب. أمام أعينهم. خطًا أسود بطيئًا. حرفًا بعد حرف. لم تستطع ليان إبعاد نظرها. حتى اكتملت الجملة. "ستختار بين الحقيقة... أو النجاة." سقط القلم على الأرض. وساد الصمت. لكن الصمت لم يدم طويلًا. فقد بدأت الجدران تهتز. اهتزت الخزانة. وسقطت بعض الصناديق. ثم ظهر صوت الطفل مجددًا. هذه المرة كان أقرب من أي وقت مضى. "أريد أن أتذكر." همست ليان: "تتذكر ماذا؟" جاء الجواب: "من أنا." نظرت الجدة نحو الظلام. ثم قالت: "لهذا السبب يفعل كل هذا." نظر إليها سليم. "ماذا تقصدين؟" تنهدت. وقالت: "طوال هذه السنوات ظننت أنه يريد الانتقام." ثم هزت رأسها. "لكنني كنت مخطئة." "إذن ماذا يريد؟" أجابت: "ذكرياته." ساد الصمت. ثم أضافت: "ربما لا يعرف حتى أنه مات." في اللحظة نفسها انخفضت حرارة الغرفة أكثر. وبدأت الضبابية تنتشر في الهواء. ثم ظهر شيء داخل الظلام. شكل صغير. يقف قرب النافذة. طفل. لأول مرة استطاعوا رؤيته بوضوح. كان يرتدي ملابس قديمة. وشعره داكن. ووجهه شاحب جدًا. لكنه لم يكن مخيفًا كما تخيلوا. بل بدا حزينًا. وحيدًا. نظر إليهم بعينين ممتلئتين بالحيرة. ثم قال بصوت خافت: "هل تعرفون اسمي؟" لم يجب أحد. اقترب خطوة. ثم أخرى. وقال: "لقد بحثت طويلًا." كانت عيناه مليئتين بالدموع. وأضاف: "لكنني لا أتذكر." وفجأة... ارتفع صوت صرير حاد داخل المنزل كله. وانطفأت أضواء الهواتف. وغرق المكان في الظلام الكامل. آخر ما سمعته ليان قبل أن يبتلعهم الظلام كان صوت الطفل وهو يقول: "هناك شخص آخر هنا..." ثم جاء صوت جديد. صوت لم يسمعوه من قبل. صوت رجل بالغ. غاضب. وعميق. يخرج من مكان مجهول داخل المنزل. "لا ______________________________________________ وقفت ليان في مكانها غير قادرة على الحركة. كان الطفل يقف أمام النافذة، شاحب الوجه، وعيناه مليئتان بالحيرة. نظر إليهم للحظات طويلة ثم قال بصوت خافت: "هل تعرفون اسمي؟" لم يجب أحد. كانت الجدة نرجس تحدق فيه وكأنها ترى شبحًا من الماضي. أما سليم فكان يحاول إخفاء خوفه، لكنه لم ينجح. اقترب الطفل خطوة صغيرة. "أرجوكم... أخبروني من أنا." شعرت ليان بحزن غريب وهي تنظر إليه. لأول مرة لم يبدو مخيفًا. بدا وحيدًا فقط. وكأنه ضائع منذ سنوات طويلة. قالت ليان بهدوء: "وجدنا دفترًا في المدرسة." رفع الطفل رأسه بسرعة. "دفتر؟" أومأت. "وكان مكتوبًا عليه اسم يوسف سالم." تجمد الطفل. بقي صامتًا لعدة ثوانٍ. ثم همس: "يوسف..." وكأن الاسم أعاد إليه ذكرى بعيدة جدًا. فجأة بدأ الهواء داخل الغرفة يتحرك بقوة. واهتزت النوافذ. وسقطت بعض الأوراق القديمة من فوق الرفوف. أمسكت الجدة بطرف الطاولة لتتوازن. وقالت بخوف: "لقد بدأ يتذكر." في اللحظة نفسها صدح صوت الرجل الغامض داخل المنزل. صوت عميق ومخيف. "توقفوا." ارتجفت ليان. جاء الصوت مرة أخرى. "لا تدعوه يتذكر." نظر يوسف حوله بخوف. "هذا الصوت..." وضعت ليان يدها على كتفه. "هل تعرفه؟" أغلق عينيه للحظة. ثم وضع يده على رأسه وكأنه يحاول استرجاع شيء. ظهرت صور متفرقة في ذهنه. شارع قديم. سماء ممطرة. يد كبيرة تمسك بيده. ثم ظلام. الكثير من الظلام. فتح عينيه فجأة. "كنت مع شخص." قالت الجدة بسرعة: "من كان؟" هز رأسه. "لا أتذكر." وفجأة انطفأت جميع الأضواء. غرقت الغرفة في ظلام دامس. ثم ظهر ظل طويل عند الباب. كان أطول من أي شخص عادي. ووقف بلا حركة. شعرت ليان بأن قلبها سيتوقف. أما يوسف فتراجع للخلف. كان يرتجف. همس: "هو..." تقدم الظل خطوة واحدة. ثم خطوة أخرى. وقال بصوت بارد: "كان يجب أن تبقى الذكريات مدفونة." صرخت ليان: "من أنت؟!" لكن الظل لم يجب. بدلًا من ذلك رفع يده ببطء. وفجأة بدأت الصور القديمة المعلقة على الجدران تتساقط واحدة تلو الأخرى. تحطمت الإطارات على الأرض. وتناثرت قطع الزجاج في كل مكان. أمسك سليم بعصا خشبية كانت قربه. وتقدم أمام ليان والجدة. "ابتعد عنهما." ضحك الظل ضحكة قصيرة. "أنت لا تعرف مع من تتحدث." ثم التفت نحو يوسف. وقال: "تعال معي." تراجع يوسف خطوة. "لا." أصبح صوت الرجل أكثر غضبًا. "تعال." لكن يوسف هز رأسه. ثم نظر إلى ليان. لأول مرة ظهر شيء من الشجاعة في عينيه. وقال: "أريد أن أعرف الحقيقة." ساد الصمت. وبعد لحظة طويلة بدأ الظل يتلاشى ببطء. لكن قبل أن يختفي تمامًا قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع: "إذا عرف الحقيقة... سيعرف ما فعلته أنا." واختفى. عادت الأنوار فجأة. وعاد الهدوء إلى المنزل. لكن أحدًا لم يشعر بالراحة. نظرت ليان إلى يوسف. وقالت: "يبدو أن هذا الرجل يعرف ما حدث لك." أومأ يوسف ببطء. ثم نظر إلى النافذة. كانت الأمطار قد بدأت تتساقط في الخارج. وقال بصوت خافت: "أعتقد أن ذكرياتي موجودة في مكان آخر." "أين؟" سألت ليان. رفع يوسف يده وأشار نحو التل الموجود في أطراف المدينة. ثم قال: "هناك..." "هناك بدأ كل شيء." وتبادل الجميع النظرات. فقد أدركوا أن رحلتهم لم تنتهِ بعد. بل إن الحقيقة الحقيقية كانت تنتظرهم في ذلك المكان المجهول.