الفلاح المصري - الخامس - بقلم محمد أشرف | روايتك

اسم الرواية: الفلاح المصري
المؤلف / الكاتب: محمد أشرف
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الخامس

الخامس

الفصل الخامس: العرض جلس الرجل الأنيق في فناء البيت على كرسي بلاستيكي قديم. كان المشهد غريبًا. بدلته باهظة الثمن، وساعته اللامعة، وسيارته الحديثة لا تشبه شيئًا في القرية. قدم محمود الشاي بصمت. أما حسن فظل واقفًا. لم يكن يحب المقدمات الطويلة. قال مباشرة: — "خير؟" ابتسم الرجل. — "أنا اسمي سامح، وبمثل شركة استثمار عقاري." لم يبدُ على حسن أي اهتمام. فأكمل الرجل: — "الشركة بتشتري الأراضي في المنطقة." — "وعايزين إيه مني؟" — "أرضك." --- فتح سامح حقيبته وأخرج ملفًا. وضع ورقة أمام حسن. كان الرقم المكتوب كبيرًا. أكبر بكثير من أي مبلغ تخيل حسن أنه قد يحصل عليه مقابل الأرض. حتى محمود شعر بالصدمة. ذلك المبلغ يكفي لسداد الديون كلها. وربما بناء منزل جديد. وربما فتح مشروع صغير. وربما أكثر. --- نظر حسن إلى الورقة دون أن يلمسها. ثم سأل: — "وبعدين؟" استغرب سامح السؤال. — "يعني إيه؟" — "بعد ما أبيع الأرض أعمل إيه؟" — "تعيش مرتاح." ضحك حسن ضحكة قصيرة. لم تكن ضحكة فرح. بل ضحكة رجل سمع كلامًا لا يصدقه. — "أنا طول عمري فلاح." ثم أشار إلى الحقول. — "الراحة بالنسبة لي هناك." --- استمر الحديث أكثر من ساعة. حاول سامح إقناعه بكل الطرق. قال إن الزراعة لم تعد مربحة. وقال إن المستقبل للمشروعات الجديدة. وقال إن كثيرين من أهل القرية باعوا بالفعل. لكن حسن لم يعطه جوابًا. --- بعد مغادرة الرجل جلس محمود مع والده. قال بهدوء: — "المبلغ كبير يا بوي." ظل حسن صامتًا. — "الديون هتخلص." لم يرد. — "وإنت تعبان." رفع حسن رأسه أخيرًا. كانت عيناه مليئتين بشيء يشبه الحزن. — "عارف يا محمود." ثم أضاف: — "بس الأرض لما تروح... مبترجعش." --- في الأيام التالية بدأت الضغوط تزداد. الحاج رجب عاد يطالب بأمواله. البنك أرسل إنذارًا جديدًا بشأن القرض الزراعي. وأصبح كل من يقابل حسن يسأله السؤال نفسه: — "هتبيع؟" --- في إحدى الليالي خرج حسن وحده إلى الحقول. كان القمر مكتملًا. والهواء أكثر لطفًا من المعتاد. سار بين الخطوط الزراعية ببطء. كل جزء من هذه الأرض يحمل ذكرى. هنا كان يعمل مع أبيه. وهنا زرع أول محصول باسمه. وهنا لعب محمود وهو طفل. أدرك فجأة أنه لا يرى مجرد تراب. بل يرى عمره كله. --- في الصباح التالي حدث ما لم يكن أحد يتوقعه. وصل مأمور التنفيذ بصحبة عدد من الموظفين. ومعهم أوراق رسمية. تجمع أهل القرية بسرعة. خرج محمود مذعورًا. أما حسن فوقف عند الباب. قرأ المأمور الورقة ثم قال: — "في إجراءات حجز على جزء من الممتلكات لحين سداد المديونية." ساد الصمت. شعر محمود أن الأرض تهتز تحت قدميه. أما حسن فلم يتكلم. كان ينظر فقط إلى الورقة. كأن السنوات كلها وصلت إلى هذه اللحظة. لحظة لم يعد فيها الخطر مجرد تهديد... بل أصبح واقعًا يقف أمام باب بيته.