الرساله الاخيره
📖 الفصل الخامس: الرسالة الأخيرة
لم تنم المقدم ليلى مراد تلك الليلة.
كانت الورقة التي عُثر عليها فوق السيارة المحترقة أمامها على المكتب.
"توقفي الآن... وإلا ستكونين التالية."
لأول مرة منذ بداية القضية، شعرت أن القاتل لم يعد مجرد شبح يختبئ خلف الأدلة والرسائل.
لقد أصبح قريبًا.
قريبًا جدًا.
لكن التهديد لم يزدها إلا إصرارًا.
كان هناك شيء واحد ما زال يشغل عقلها أكثر من أي شيء آخر.
دفتر سامح.
الاعتراف الذي لم تكمله.
السر المدفون منذ عشر سنوات.
---
في صباح اليوم التالي، عادت ليلى إلى الفيلا وأغلقت على نفسها داخل غرفة المكتب.
فتحت الدفتر الأسود من جديد.
وبدأت تقرأ ما كتبه سامح قبل موته.
كانت الكلمات مكتوبة بخط مرتب في البداية، ثم أصبحت أكثر اضطرابًا كلما تقدمت الصفحات.
حتى وصلت إلى الليلة المشؤومة.
ليلة اختفاء محمود فوزي.
وجاء فيها:
"لم يكن محمود خائنًا كما ادعينا.
بل كان الوحيد الذي رفض السرقة.
عندما اكتشف تحويل الأموال، هدد بإبلاغ السلطات.
خاف الجميع.
خاف عادل.
وخاف شريف.
وخاف فؤاد.
وأنا أيضًا خفت.
في تلك الليلة اجتمعنا لمناقشة الأمر.
لكن النقاش تحول إلى شجار.
ثم حدث ما لم نخطط له أبدًا..."
توقفت ليلى للحظة.
وأكملت القراءة.
"سقط محمود أثناء الشجار.
ارتطم رأسه بالحافة المعدنية للطاولة.
لم يتحرك بعدها.
اعتقدنا أنه مات.
فقررنا إخفاء الحقيقة.
دفناه سرًا داخل المخزن القديم التابع للمشروع.
واتفقنا أن يختفي اسمه من كل الأوراق إلى الأبد."
شعرت ليلى ببرودة تسري في أطرافها.
لقد ارتكبوا جريمة.
ثم بنوا حياتهم كلها فوقها.
لكن شيئًا آخر كان مكتوبًا في السطر الأخير.
جملة واحدة فقط:
"لكننا كنا مخطئين...
لأن محمود لم يمت."
---
في نفس اللحظة تقريبًا، تلقى كريم اتصالًا عاجلًا.
تم العثور على المخزن القديم المذكور في الاعتراف.
تحركت قوة من الشرطة فورًا.
وبعد ساعات من البحث داخل المبنى المهجور، اكتشفوا غرفة سفلية مغلقة خلف جدار إسمنتي قديم.
وعندما كُسر الجدار...
وجدوا الحقيقة.
لم يكن هناك جثمان.
لكن كانت هناك آثار واضحة لشخص عاش في المكان لفترة طويلة.
سرير قديم.
بطاطين.
علب طعام.
ومذكرات.
الكثير من المذكرات.
---
كانت المذكرات كلها بخط محمود فوزي.
قرأت ليلى الصفحات بسرعة.
واكتشفت الحقيقة كاملة.
في ليلة الشجار، فقد محمود وعيه فقط.
وعندما استعاد وعيه بعد ساعات، وجد نفسه مدفونًا داخل الغرفة.
لكنه تمكن من النجاة والخروج بصعوبة.
إلا أنه لم يبلغ الشرطة.
بل اختفى.
واختار الانتقام.
سنوات طويلة قضاها يراقب الشركاء الأربعة.
يدرس حياتهم.
ويخطط.
وينتظر.
حتى يحين الوقت المناسب.
---
لكن المفاجأة جاءت في الصفحة الأخيرة.
توقفت ليلى عن القراءة فجأة.
وأعادت قراءة السطور مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
قال كريم بقلق:
"في إيه؟"
رفعت رأسها ببطء.
وعيناها متسعتان من الصدمة.
"محمود ما قتلش حد."
ساد الصمت.
"إيه؟"
دفعت إليه المذكرات.
وبدأ يقرأ.
كان محمود يكتب أنه كان يرسل الرسائل فقط.
يراقبهم.
ويخيفهم.
ويتركهم يواجهون خوفهم.
أما الوفيات السابقة...
فكانت حوادث حقيقية بالفعل.
لكن شعور الذنب جعل كل واحد منهم يعيش سنوات من الرعب.
حتى أصبحوا سجناء خوفهم.
---
توقفت ليلى فجأة.
ثم قالت:
"يبقى سامح؟"
إذا لم يكن محمود قاتلًا...
فمن قتل سامح؟
---
في تلك اللحظة بالذات، رن هاتف كريم.
وجاء الخبر الصادم.
تم تحديد صاحب البصمة المجهولة.
بعد مطابقتها مع سجل حديث.
نظرت ليلى إلى التقرير.
ثم شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها.
الاسم كان:
يوسف سامح الجوهري.
ابن الضحية.
---
بعد ساعات من التحقيق، انهار يوسف واعترف بكل شيء.
كان يعلم بقصة محمود.
واكتشف اعترافات والده قبل أشهر.
وعندما بدأ سامح يفكر في تسليم نفسه وكشف الحقيقة، خاف يوسف من انهيار سمعة العائلة وخسارة كل شيء.
في ليلة الجريمة، واجه والده داخل المكتب.
تحول النقاش إلى شجار عنيف.
ثم دس له مادة سامة داخل كوب القهوة الذي كان يشربه.
مات سامح بهدوء.
ودوّن يوسف الرسالة على الورقة ليجعل الجميع يعتقد أن الأمر مرتبط بعودة محمود.
ثم استغل انقطاع الكهرباء الذي كان مخططًا له مسبقًا لإخفاء وجوده.
---
بعد أيام قليلة، أُلقي القبض على يوسف رسميًا.
وأُغلقت القضية.
لكن بقي شيء واحد لم يُحل.
محمود فوزي.
الرجل الذي اختفى عشر سنوات كاملة.
---
بعد انتهاء الإجراءات، كانت ليلى تستعد لمغادرة مكتبها.
عندما وجدت ظرفًا أبيض فوق مكتبها.
لا اسم مرسل.
لا عنوان.
فتحت الظرف بحذر.
وفي داخله ورقة واحدة.
كُتبت عليها جملة قصيرة:
"شكرًا لأنك كشفتِ الحقيقة."
وتحتها توقيع صغير.
محمود فوزي.
ابتسمت ليلى للمرة الأولى منذ أسابيع.
ثم نظرت من نافذة المكتب إلى أضواء المدينة.
كانت القضية قد انتهت.
على الأقل رسميًا.
لكنها كانت تعلم أن بعض الجروح لا تلتئم.
وبعض الأسرار تبقى حية مهما مرت السنوات.
أما الرسالة الأخيرة...
فقد وصلت أخيرًا إلى صاحبها الحقيقي.
تمت.🥳