الرجل الذى عاد من الماضي
📖 الفصل الرابع: الرجل الذي عاد من الماضي
ساد الصمت داخل الغرفة المهجورة.
كانت أعين الجميع معلقة بالصورة القديمة التي عُثر عليها داخل الصندوق المعدني.
خمسة رجال.
وليس أربعة كما كانت تشير جميع السجلات.
خمسة شركاء وقفوا معًا يوم افتتاح المشروع الذي غيّر حياتهم.
لكن اسمًا واحدًا فقط اختفى من كل الوثائق الرسمية.
محمود فوزي.
شعرت ليلى بأن قطع اللغز بدأت تتحرك أخيرًا، لكن الصورة ما زالت غير مكتملة.
أخذت الصورة معها وعادت إلى الإدارة.
وبدأت عملية بحث موسعة عن الرجل الغامض.
مرت ساعات طويلة دون نتائج.
لا سجل تجاري حديث.
لا عنوان معروف.
لا حسابات بنكية نشطة.
وكأن الرجل اختفى من الوجود بالكامل.
ثم جاء الاتصال الذي غيّر كل شيء.
---
كان المتصل موظفًا متقاعدًا عمل في الشركة القديمة قبل سنوات.
طلب مقابلة الشرطة فورًا.
بعد ساعة، جلس الرجل أمام ليلى.
كان في أواخر الستينات من عمره، تبدو عليه علامات التوتر والخوف.
وضعت ليلى الصورة أمامه.
"تعرف الشخص ده؟"
ما إن وقعت عيناه على الصورة حتى شحب وجهه.
وتراجع في مقعده.
"إنتوا جبتوا الصورة دي منين؟"
قالت ليلى بحزم:
"جاوب على السؤال."
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة.
ثم قال:
"أيوه... ده محمود فوزي."
"مين كان؟"
نظر حوله كأن أحدًا قد يسمعه.
ثم قال بصوت خافت:
"كان الشريك الحقيقي للمشروع."
تبادلت ليلى وكريم النظرات.
"إزاي؟"
تنهد الرجل طويلًا.
"المشروع كله كان فكرته هو."
---
بدأت القصة تتكشف ببطء.
قبل عشر سنوات، كان محمود مهندسًا ماليًا عبقريًا.
هو من وضع خطة المشروع.
وهو من أقنع المستثمرين.
وهو من تولى الإدارة في البداية.
لكن بعد نجاح المشروع بشكل ضخم، حدث خلاف كبير بين الشركاء.
خلاف لم يُعرف سببه رسميًا.
وبعد أسابيع قليلة...
اختفى محمود فجأة.
وأُعلن أنه سافر خارج البلاد.
ثم اختفى اسمه من كل الأوراق تقريبًا.
كأنه لم يكن موجودًا من الأساس.
سألت ليلى:
"وإنت مصدق إنه سافر؟"
هز الرجل رأسه ببطء.
"لا."
"ليه؟"
تنهد مرة أخرى.
ثم قال:
"لأن قبل اختفائه بيوم واحد... شفته."
"فين؟"
"كان مرعوب."
---
أخرج الرجل من جيبه صورة قديمة مهترئة.
وضعها أمام ليلى.
"اداني الصورة دي يومها."
كانت صورة لمحمود.
وعلى ظهرها جملة قصيرة:
"لو حصلي حاجة... دوروا وراهم."
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها.
الجملة تشبه كثيرًا الرسائل التي بدأت تظهر الآن.
كأن الماضي يحاول الكلام أخيرًا.
---
في تلك الليلة، عادت ليلى إلى مكتبها.
وبدأت مراجعة ملفات المشروع بالكامل.
بعد ساعات من التدقيق، اكتشفت شيئًا خطيرًا.
كانت هناك تحويلات مالية ضخمة اختفت من السجلات الرسمية.
مبالغ هائلة.
اختفت في فترة اختفاء محمود نفسه.
عشرات الملايين.
لكن المفاجأة الأكبر كانت اسم الحساب الذي استقبل الأموال.
الحساب أُغلق منذ سنوات.
إلا أن صاحبه كان...
الدكتور سامح الجوهري.
---
في صباح اليوم التالي، صدر أمر بتفتيش منزل سامح بالكامل مرة أخرى.
هذه المرة كانوا يبحثون عن أي دليل يربطه باختفاء محمود.
وخلال التفتيش، اكتشف أحد الضباط غرفة صغيرة خلف مكتبة متحركة داخل المكتب.
غرفة سرية لم تكن ظاهرة في مخططات الفيلا.
دخلت ليلى بحذر.
كان المكان مليئًا بالملفات والصناديق القديمة.
وبين الأوراق المتراكمة، وجدت دفترًا جلديًا أسود.
يبدو أنه لم يُفتح منذ سنوات.
جلست على الأرض وبدأت تقلب صفحاته.
وفي الصفحة الأخيرة تحديدًا، وجدت اعترافًا مكتوبًا بخط سامح نفسه.
توقفت أنفاسها وهي تقرأ:
"في تلك الليلة ارتكبنا أكبر خطأ في حياتنا..."
---
قبل أن تكمل القراءة، دوّى صوت انفجار قوي خارج الفيلا.
اهتزت النوافذ.
وسقطت بعض الملفات على الأرض.
ركض الضباط إلى الخارج.
كانت إحدى السيارات المخصصة للتحقيقات تحترق بالكامل.
والنيران تلتهمها بسرعة.
لكن هذا لم يكن ما صدم ليلى.
بل ما وجدته فوق زجاج السيارة المحطم.
ورقة بيضاء.
مبتلة بمياه الإطفاء.
لكن الكلمات كانت ما تزال واضحة.
التقطتها بحذر.
وقرأت:
"توقفي الآن...
وإلا ستكونين التالية."
رفعت رأسها ببطء.
ونظرت إلى الظلام الممتد خلف أسوار الفيلا.
لأول مرة منذ بدء القضية...
شعرت أن القاتل لا يراقب التحقيق فقط.
بل يراقبها هي شخصيًا.
وكان أقرب مما تتخيل.