الصوره القديمه
📖 الفصل الثالث: الصورة القديمة
لم تغادر الصورة ذهن المقدم ليلى مراد.
منذ أن عثرت عليها داخل درج مكتب الدكتور سامح الجوهري، كانت تشعر أن الإجابة الحقيقية تكمن هناك.
أربعة رجال يقفون بجوار بعضهم البعض.
وأحدهم ميت.
وثلاثة وجوه وُضعت عليها علامات حمراء.
وعلى ظهر الصورة عبارة واحدة:
"بقي واحد فقط."
في صباح اليوم التالي، جلست ليلى داخل مكتبها تحدق في الصورة للمرة العاشرة.
دخل الرائد كريم حاملاً ملفًا سميكًا ووضعه أمامها.
سألته بسرعة:
"وصلت معلومات عن أصحاب الصورة؟"
أومأ برأسه وقال:
"وأظن إن اللي هتسمعيه مش هيعجبك."
فتحت ليلى الملف وبدأت تقلب الصفحات.
كان الرجال الأربعة هم:
الدكتور سامح الجوهري.
المهندس عادل منصور.
رجل الأعمال شريف الدمنهوري.
والمحاسب فؤاد السيوفي.
قبل عشر سنوات، شارك الأربعة في تأسيس مشروع استثماري ضخم حقق ملايين الجنيهات خلال فترة قصيرة.
لكن الغريب لم يكن في المشروع.
بل فيما حدث بعده.
رفعت ليلى رأسها نحو كريم.
"كمّل."
تنهد كريم وقال:
"المهندس عادل مات من سبع سنين في حادث سيارة."
قلب صفحة أخرى.
"شريف الدمنهوري اتوفى من أربع سنين... سقوط من شرفة منزله."
ثم أشار إلى الصفحة الأخيرة.
"وفؤاد السيوفي مات من سنتين بسبب حريق داخل مكتبه."
ساد الصمت.
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها.
أربع وفيات.
أربعة شركاء.
والآن سامح هو الرابع.
هل كانت مجرد مصادفة؟
أم أن أحدهم كان يطاردهم واحدًا تلو الآخر؟
---
في تلك الليلة، قررت ليلى زيارة أرشيف القضايا القديمة.
أمضت ساعات طويلة بين الملفات والغبار.
وبعد بحث مرهق، عثرت على ملفات الوفيات الثلاث.
بدأت تقرأها بعناية.
حادث السيارة.
سقوط الشرفة.
الحريق.
كل قضية أُغلقت باعتبارها حادثًا عرضيًا.
لكن شيئًا صغيرًا جذب انتباهها.
تفصيلة لم يلاحظها أحد.
في كل ملف كانت هناك إشارة إلى انقطاع كهربائي أو عطل مفاجئ قبل وقوع الحادث بوقت قصير.
توقفت ليلى عن القراءة.
ثم أعادت النظر إلى تقرير وفاة سامح.
الكاميرات تعطلت.
والكهرباء انقطعت.
تمامًا مثل الحوادث السابقة.
همست لنفسها:
"مستحيل تكون صدفة."
---
في اليوم التالي، وصل تقرير جديد من قسم الأدلة الجنائية.
دخل الخبير إلى مكتبها ووضع تقريرًا على الطاولة.
قال:
"في حاجة لازم تشوفيها."
فتحت ليلى الملف بسرعة.
كانت نتائج فحص البصمة المجهولة الموجودة على الورقة.
لكن المفاجأة أن البصمة لم تظهر في أي قاعدة بيانات جنائية.
شخص مجهول تمامًا.
لا سوابق.
لا ملفات.
لا أي معلومات.
لكن هناك شيء آخر.
وجد الخبراء أثرًا لمادة كيميائية غريبة على الورقة.
مادة تُستخدم عادة في طباعة المستندات القديمة ومنع تلفها.
رفعت ليلى حاجبيها.
"يعني إيه؟"
أجاب الخبير:
"يعني اللي كتب الرسالة غالبًا تعامل مع وثائق وأرشيفات قديمة لفترة طويلة."
---
في المساء، وبينما كانت ليلى تستعد لمغادرة المكتب، رن هاتفها.
رقم مجهول.
ترددت لثوانٍ قبل الرد.
"ألو؟"
في البداية لم تسمع شيئًا.
ثم جاءها صوت رجل عجوز متوتر.
"ابعدوا عن القضية."
اعتدلت في جلستها فورًا.
"مين معايا؟"
لم يجب.
بل أكمل بصوت مرتعش:
"اللي حصل لسامح... هيحصل لغيره."
"مين؟"
ساد الصمت للحظة.
ثم قال الرجل جملة واحدة فقط:
"دوروا على اللي اختفى."
قبل أن يُغلق الخط.
ظلت ليلى ممسكة بالهاتف عدة ثوانٍ.
عقلها يحاول فهم الكلمات.
اختفى؟
من الذي اختفى؟
الملفات تحدثت عن أربعة شركاء فقط.
والصورة تضم أربعة رجال فقط.
إلا إذا...
إلا إذا كان هناك شخص خامس لم يظهر في الصورة أصلًا.
شخص تم محو اسمه من القصة كلها.
شخص يعرف الحقيقة.
أو ربما...
هو من بدأ كل شيء.
---
في صباح اليوم التالي، وصل فريق البحث إلى مقر الشركة القديمة التي جمعت الشركاء الأربعة قبل عشر سنوات.
المبنى كان مهجورًا منذ سنوات.
النوافذ مغطاة بالغبار.
والأبواب تكاد تتآكل من الصدأ.
لكن أثناء تفتيش إحدى الغرف القديمة، عثر أحد الضباط على صندوق معدني صغير مخبأ خلف خزانة مكسورة.
فتحوه بحذر.
وفي الداخل وجدوا عشرات الملفات القديمة.
وفي أسفل الصندوق...
وجدت ليلى صورة أخرى.
الصورة نفسها تقريبًا.
لكن هذه المرة لم يكن فيها أربعة رجال.
بل خمسة.
تجمدت في مكانها.
كان هناك رجل خامس يقف بينهم.
شاب في الثلاثينات من عمره.
ينظر مباشرة إلى الكاميرا.
وعلى ظهر الصورة كُتب اسم واحد بخط اليد:
"محمود فوزي."
تبادل الجميع النظرات.
قال كريم ببطء:
"محمود فوزي... مين ده؟"
لكن ليلى لم تكن تنظر إلى الاسم.
كانت تنظر إلى شيء آخر.
شيء جعل الدم يتجمد في عروقها.
لأن الرجل الموجود في الصورة...
كان يشبه بشكل مخيف الرجل الذي ظهر في تسجيل إحدى كاميرات الشارع القريبة من الفيلا ليلة مقتل سامح.
وكان من المفترض أن يكون قد اختفى منذ عشر سنوات كاملة.