اول الخيوط
📖 الفصل الثاني: أول الخيوط
لم تنم الضابطة ليلى مراد تلك الليلة.
منذ أن وقفت أمام جثة الدكتور سامح الجوهري، كان هناك شيء يزعجها.
شيء لا يظهر في التقارير ولا في الصور.
إحساس بأن الجريمة تم ترتيبها بعناية شديدة.
في صباح اليوم التالي، كانت غرفة الأدلة تعج بالحركة. خبراء الطب الشرعي يتنقلون بين الملفات، وضباط المباحث يتلقون الاتصالات من كل اتجاه.
دخلت ليلى الغرفة وهي تحمل ملف القضية.
سألها الرائد كريم:
"أي جديد؟"
أجابت وهي تفتح الملف:
"الطب الشرعي أكد إن الوفاة حصلت تقريبًا بين الساعة 1:45 و2:00 بعد منتصف الليل."
توقف كريم للحظة.
"يعني في نفس وقت تعطل الكاميرات."
هزت رأسها ببطء.
"بالضبط."
جلس الاثنان أمام شاشة تعرض تسجيلات الساعات الأخيرة قبل الانقطاع.
ظهر الدكتور سامح وهو يدخل مكتبه في الواحدة والنصف تقريبًا.
كان يبدو متوترًا.
يتلفت خلفه أكثر من مرة.
ثم جلس أمام الحاسوب.
بعد دقائق، رفع هاتفه وأجرى مكالمة قصيرة.
لكن التسجيل لم يكن يحتوي على صوت.
ثم...
انقطع كل شيء.
آخر صورة أظهرت سامح وهو ينظر مباشرة نحو الباب، وكأنه رأى شخصًا يعرفه جيدًا.
---
بعد ساعات، بدأت التحقيقات مع المقربين منه.
كانت أول من حضرت زوجته السابقة، نادية.
امرأة أنيقة في بداية الأربعينات.
بدت متماسكة أكثر مما توقع الجميع.
سألتها ليلى:
"متى كانت آخر مرة تحدثتِ فيها مع الدكتور سامح؟"
أجابت بسرعة:
"منذ ثلاثة أيام."
"هل كانت بينكما خلافات؟"
صمتت للحظة.
ثم قالت:
"الخلافات انتهت بعد الطلاق."
لكن ليلى لاحظت شيئًا.
يد نادية كانت ترتجف كلما ذُكر اسم سامح.
وكأنها تخفي شيئًا أكبر من مجرد خلاف عائلي.
---
بعد مغادرتها، دخل شخص آخر.
يوسف الجوهري.
ابن الضحية الوحيد.
شاب في الخامسة والعشرين.
كانت عيناه حمراوين من السهر.
جلس بصمت.
ثم قال قبل أن يُسأل:
"أنا عارف إنكم شاكّين فيا."
رفعت ليلى حاجبها.
"وليه نفترض كده؟"
ابتسم ابتسامة باهتة.
"لأن كل الناس كانت تعرف إن علاقتي بأبويا كانت سيئة."
فتح كريم ملفًا أمامه.
"هل كنت في الفيلا ليلة الحادث؟"
"لا."
"عندك دليل؟"
"كنت مع أصدقائي."
"مين يقدر يؤكد؟"
تردد للحظة.
ثانية واحدة فقط...
لكن ليلى لاحظتها.
---
في المساء، وصلت نتيجة فحص مكتب الضحية.
ولأول مرة ظهرت مفاجأة حقيقية.
وجد الخبراء آثار بصمة مجهولة على الورقة التي تحمل الرسالة.
ليست بصمة سامح.
وليست بصمة أي فرد من العاملين بالفيلا.
شخص آخر لمس الورقة.
شخص لم يكن من المفترض أن يكون هناك.
---
لكن المفاجأة الأكبر كانت داخل درج المكتب.
عثر أحد الخبراء على ظرف صغير مخفي بعناية خلف مجموعة أوراق.
كان مغلقًا.
فتحته ليلى بنفسها.
وفي الداخل...
صورة قديمة تعود إلى عشر سنوات.
ظهر فيها أربعة رجال يقفون بجوار بعضهم أثناء افتتاح مشروع ضخم.
أحدهم كان الدكتور سامح.
أما الثلاثة الآخرون...
فكانت على وجوههم علامات بالقلم الأحمر، وكأن أحدًا أراد تحديدهم عمدًا.
وعلى ظهر الصورة كُتبت عبارة قصيرة:
"بقي واحد فقط."
شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها.
إذا كانت العبارة صحيحة...
فهذا يعني أن سامح لم يكن الهدف الأول.
بل ربما كان الضحية الرابعة.
وربما...
هناك ضحية خامسة لم يأتِ دورها بعد.