الظل الخامس - ليله لا تنسي - بقلم تسنيم مصطفي | روايتك

اسم الرواية: الظل الخامس
المؤلف / الكاتب: تسنيم مصطفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ليله لا تنسي

ليله لا تنسي

📖 رواية: الظل الخامس الفصل الأول: ليلة لا تُنسى كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، حين بدأت قطرات المطر تتساقط فوق شوارع الجيزة بهدوء غريب. لم يكن مطرًا غزيرًا، بل أشبه بهمسات متقطعة تهبط من السماء، كأنها تحاول إخفاء سرٍّ ما تحت ستار الليل. في أحد الأحياء الراقية، بعيدًا عن ضوضاء المدينة وأضوائها الصاخبة، وقفت فيلا فخمة تحيط بها حديقة واسعة وسور مرتفع. كانت كاميرات المراقبة موزعة بعناية على المداخل والزوايا، في مشهد يوحي بالأمان والطمأنينة. لكن خلف تلك الجدران، كانت مأساة صامتة تتشكل. داخل الفيلا، خيّم هدوء غير معتاد. لا صوت لخادم يتحرك في الممرات. لا صوت تلفاز. ولا حتى خطوات صاحب المنزل، الدكتور سامح الجوهري، الذي اعتاد السهر لساعات طويلة داخل مكتبه. في الطابق الأرضي، كان الضوء الأصفر الخافت يتسلل من تحت باب غرفة المكتب. غرفة واسعة تملؤها رفوف الكتب والملفات والعقود القديمة. وفي منتصفها استقر مكتب خشبي ضخم لطالما شهد اجتماعات وصفقات غيّرت مصير شركات بأكملها. لكن تلك الليلة شهد شيئًا مختلفًا. جلس الدكتور سامح خلف مكتبه بلا حركة. كان رجلًا في أواخر الأربعينات من عمره، حقق نجاحًا كبيرًا في عالم الأعمال والاستثمار. عرفه الجميع كرجل ذكي لا يخسر بسهولة، ورجل استطاع أن يصنع لنفسه اسمًا لامعًا خلال سنوات قليلة. إلا أن ملامحه في تلك اللحظة لم تكن تشبه رجلًا ناجحًا. كان الخوف واضحًا في عينيه. خوف شخص يعلم أن شيئًا ما يقترب منه. شيئًا لا يستطيع الهرب منه. أمام يده اليمنى استقرت ورقة بيضاء واحدة. ورقة خالية من أي تفاصيل تقريبًا. عدا جملة واحدة كُتبت بخط مهتز: "كان يعلم أن الدور سيأتي عليه..." جملة قصيرة. غامضة. لكنها كانت كافية لتبعث الرعب في قلب أي شخص يقرأها. --- قبل ساعتين من اكتشاف الجريمة... كان الحارس حسن يؤدي جولته الليلية المعتادة حول الفيلا. رجل تجاوز الخمسين بقليل، أمضى سنوات طويلة في خدمة الدكتور سامح، حتى أصبح يعرف المكان أكثر من بيته. توقف أمام البوابة الرئيسية ونظر إلى ساعته. تمتم بصوت منخفض: "الليلة هادية بشكل مريب." ثم واصل السير. في تلك اللحظة، كانت إحدى كاميرات المراقبة فوقه تومض بصورة غير طبيعية. مرة. ثم مرتين. ثم انطفأت تمامًا. لكن حسن لم ينتبه. ولو أنه رفع رأسه لثانية واحدة فقط، ربما تغير كل شيء. --- عند الساعة 1:47 بعد منتصف الليل، وقع أمر غريب. في لحظة واحدة، توقفت جميع كاميرات المراقبة في الفيلا. الداخلية والخارجية. كأن يدًا خفية ضغطت زر الإيقاف. اختفت الصورة. واختفى التسجيل. وفي التوقيت نفسه تقريبًا، انقطع التيار الكهربائي لبضع ثوانٍ فقط قبل أن يعود مجددًا. ثوانٍ قليلة. لكنها كانت كافية لحدوث ما لم يكن أحد يتوقعه. --- مع شروق الشمس، لاحظ أحد الجيران أمرًا غير معتاد. سيارة الدكتور سامح ما زالت في مكانها. البوابة لم تُفتح منذ الليلة الماضية. ولا أثر لأي حركة داخل المنزل. حاول الاتصال به أكثر من مرة دون جدوى. ومع ازدياد القلق، أبلغ الشرطة. بعد وقت قصير، وصلت قوة من المباحث إلى الفيلا. طرق الضباط الباب مرات عديدة. لا إجابة. اتصلوا بهاتف صاحب المنزل. لا رد. أخيرًا، صدر القرار بكسر الباب والدخول. ما إن عبروا المدخل حتى شعروا بأن هناك شيئًا غير طبيعي. كان الصمت يملأ المكان بصورة خانقة. تحرك الضباط بحذر عبر الممر الطويل. ثم وصلوا إلى غرفة المكتب. وهناك... توقف الجميع في أماكنهم. جلس الدكتور سامح خلف مكتبه كما لو كان يعمل كعادته. لكن عينيه كانتا مفتوحتين بلا حياة. ورأسه مائل قليلًا إلى الأمام. لم تكن هناك آثار مقاومة. ولا فوضى. ولا دماء. كل شيء بدا مرتبًا بصورة مثالية. مفرطة في المثالية. وكأن شخصًا ما حرص على أن يترك المكان كما هو تمامًا. إلا من شيء واحد. الورقة البيضاء. التي ما زالت مستقرة فوق المكتب. تحمل الجملة نفسها. "كان يعلم أن الدور سيأتي عليه..." --- بعد دقائق، وصلت المقدم ليلى مراد، إحدى أمهر ضباط المباحث وأكثرهم شهرة في حل القضايا المعقدة. دخلت الغرفة بهدوء. لم تتحدث في البداية. اكتفت بالنظر إلى التفاصيل. المكتب. النافذة. الكتب. الجثة. ثم توقفت أمام الورقة. أمسكتها بحذر وقرأت الكلمات المكتوبة عليها. ساد الصمت للحظات. قبل أن تقول بصوت منخفض: "دي مش مجرد جريمة قتل." نظر إليها أحد الضباط متسائلًا: "إزاي؟" أعادت الورقة إلى مكانها وقالت: "لأن القاتل ما سابش رسالة... القاتل كان عاوزنا نقراها." ثم أضافت وهي تتأمل الجثة: "والأخطر من كده... إن الضحية كان عارف إن الخطر جاي." لم يكن أحد يدرك وقتها أن هذه القضية ستقودهم إلى أسرار مدفونة منذ سنوات. أسرار تتعلق بأشخاص أقوياء. وصفقات قديمة. وخيانة لم تُكشف حقيقتها أبدًا. أما الدكتور سامح... فلم يكن سوى أول خيط في لغز أكبر بكثير مما يتخيل الجميع. وكانت تلك الليلة... مجرد البداية.