الرابع
الفصل الرابع: موسم الخسارة
مرّ الصيف ثقيلاً على القرية.
لم تكن المشكلة في حرارة الجو فقط، بل في كل شيء آخر.
سعر السماد ارتفع مرة أخرى.
ومياه الري أصبحت أقل انتظامًا.
أما التجار فكانوا يشترون المحاصيل بأسعار لا تكفي لتغطية التكاليف.
كان الفلاحون يجلسون كل مساء أمام الدكان الصغير في مدخل القرية، يكررون الشكوى نفسها.
— "الشغل زاد."
— "والمكسب اختفى."
لكن الشكوى لم تكن تغير شيئًا.
---
حاول محمود أن يتولى معظم العمل بدلًا من والده.
كان يستيقظ قبل الفجر ويعود بعد الغروب.
لكن الأرض تحتاج أكثر من رجل واحد.
وفي إحدى الليالي جلس مع حسن يحسبان المصروفات.
بذور.
سماد.
وقود.
مبيدات.
أجرة ماكينة الحصاد.
أقساط الديون.
نظر محمود إلى الأرقام ثم قال:
— "إحنا شغالين عشان نسدد بس."
لم يرد حسن.
لأنه كان يعرف أن ابنه محق.
---
بعد أسابيع بدأ موسم الحصاد.
كانت السنابل أقل من المعتاد.
ومع ذلك تمسك الجميع بالأمل.
عندما امتلأت أول عربة بالقمح شعر حسن بشيء من الراحة.
ربما يستطيعون تجاوز الأزمة.
ربما.
---
في صباح اليوم التالي وصل التجار.
وقفوا بجوار المحصول يتفحصونه.
ثم بدأوا في تحديد الأسعار.
كانت الصدمة كبيرة.
السعر أقل مما توقعه الجميع.
احتج بعض الفلاحين.
لكن الرد كان واحدًا.
— "اللي عاجبه يبيع."
— "واللي مش عاجبه يخزن."
وكان الجميع يعرف أن التخزين يحتاج مخازن ونفقات إضافية لا يملكها معظمهم.
في النهاية اضطر كثيرون للبيع.
ومن بينهم حسن.
---
بعد انتهاء البيع جلس محمود يحسب الإيرادات.
كل ما دخل البيت من مال لم يكن يكفي لسداد نصف الديون.
ظل صامتًا دقائق طويلة.
ثم قال:
— "يعني تعب سنة كاملة راح؟"
أجابه حسن بهدوء:
— "مش أول مرة."
---
في تلك الليلة سمعوا طرقًا على الباب.
فتح محمود فوجد رجلين لا يعرفهما.
سألا عن حسن.
خرج حسن إليهما.
دار حديث قصير خارج المنزل.
ثم عاد إلى الداخل ووجهه شاحب.
سأله محمود:
— "في إيه؟"
تردد قليلًا.
ثم قال:
— "الأرض اللي جنب الترعة."
— "مالها؟"
— "في ناس عايزين يشتروا المنطقة كلها."
شعر محمود بالقلق.
تلك الأرض كانت آخر ما تبقى للعائلة.
---
في الأيام التالية انتشرت الشائعات.
قيل إن شركة كبيرة تنوي إقامة مشروع استثماري قريب.
وقيل إن سماسرة الأراضي بدأوا يشترون من الفلاحين بهدوء.
بعض الناس باعوا بالفعل.
آخرون رفضوا.
لكن الأسعار المغرية بدأت تضعف مقاومة الكثيرين.
---
وفي إحدى الأمسيات، بينما كان حسن عائدًا من الحقل، وجد سيارة فاخرة تقف أمام بيته.
نزل منها رجل أنيق لم يره من قبل.
ابتسم ومد يده.
— "أستاذ حسن؟"
هز حسن رأسه.
قال الرجل:
— "عندي عرض هيغير حياتك."
نظر حسن إلى الأرض خلف منزله.
ثم عاد ببصره إلى الرجل.
وكان يشعر أن هذا العرض...
قد يكون آخر امتحان حقيقي في حياته.