الفلاح المصري - الثالث - بقلم محمد أشرف | روايتك

اسم الرواية: الفلاح المصري
المؤلف / الكاتب: محمد أشرف
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الثالث

الثالث

الفصل الثالث: الأرض التي اختفت لم ينم محمود تلك الليلة. ظل ينظر إلى عقد البيع تحت ضوء المصباح الخافت. كان العقد يحمل توقيع والده وبصمة إبهامه، وتاريخًا يعود إلى سبعة أشهر فقط. الأرض المباعة لم تكن كبيرة، فدان واحد تقريبًا، لكنها كانت أغلى قطعة تملكها العائلة. أرض ورثها حسن عن أبيه. أرض كان يرفض بيعها كلما عرض عليه أحد التجار ثمنًا مرتفعًا. فلماذا باعها الآن؟ في الصباح عاد محمود إلى المستشفى. وجد والده جالسًا على السرير ينظر من النافذة. بدا أصغر سنًا من عمره الحقيقي، كأن المرض سرق منه عشر سنوات دفعة واحدة. جلس بجواره وأخرج العقد. تغير وجه حسن فور رؤيته. — "منين جبت الورقة دي؟" — "لقيتها في الصندوق." ساد صمت طويل. ثم قال محمود: — "بعت الأرض ليه يا بوي؟" تنهد حسن بعمق. كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي يومًا. لكن ليس بهذه السرعة. — "كان لازم." — "لازم إزاي؟" — "كان علينا ديون." — "ديون قد إيه؟" نظر حسن إلى الأرض. — "أكتر مما تتخيل." بدأت الحكاية قبل ثلاث سنوات. في ذلك العام ضربت موجة حر شديدة المنطقة. تضرر جزء كبير من المحصول. وفي العام الذي تلاه ارتفعت أسعار السماد والوقود. ثم تعطلت ماكينة الري القديمة. اضطر حسن إلى الاقتراض. في البداية كانت مبالغ صغيرة. ثم كبرت. ثم أصبح يسدد دينًا بدين. كما يفعل كثير من الفلاحين. ليس لأنهم يريدون ذلك. بل لأنهم لا يجدون خيارًا آخر. قال حسن بصوت منخفض: — "كنت فاكر الموسم الجاي هيعوض." ثم ابتسم بمرارة. — "كل موسم كنت أقول نفس الكلام." شعر محمود بثقل في صدره. لأول مرة يفهم لماذا كان والده يعود إلى البيت صامتًا كل ليلة. ولماذا أصبح أكثر شرودًا في الأشهر الأخيرة. بعد أسبوع خرج حسن من المستشفى. أوصاه الطبيب بالراحة وتقليل المجهود. ضحك حسن في داخله عندما سمع كلمة "راحة". الفلاح لا يعرف معنى الراحة. إذا توقف عن العمل، توقفت الحياة في بيته. عاد إلى القرية. لكن شيئًا كان قد تغير. كان يشعر بالتعب بعد خطوات قليلة. يصعد السلم بصعوبة. ويتوقف لالتقاط أنفاسه أكثر من مرة. وأصبحت الأرض التي كان يحرثها يومًا كاملًا تبدو له الآن أكبر من أي وقت مضى. في أحد الأيام وصل رجل إلى البيت على دراجة نارية. كان يُدعى الحاج رجب. أحد كبار تجار المحاصيل في المنطقة. رحب به حسن ببرود. فالعلاقة بينهما لم تكن مريحة أبدًا. جلس الرجل وشرب الشاي. ثم قال مباشرة: — "باقي الفلوس لازم تتسدد." نظر حسن إليه. — "قلتلك استناني للموسم." — "وأنا استنيت كتير." ثم أخرج دفترًا صغيرًا. — "عليك مية وتمانين ألف جنيه." شعر محمود بالصدمة. كان الرقم أكبر مما توقع بكثير. وقف الحاج رجب استعدادًا للمغادرة. ثم قال قبل أن يخرج: — "أنا مش جاي أهددك يا حسن." توقف عند الباب. — "لكن لو متسدّدش قريب... هتبقى الأرض الباقية كلها في خطر." وأغلق الباب خلفه. ساد الصمت في البيت. صمت ثقيل. صمت يعرفه الفقراء جيدًا عندما تكون المشكلة أكبر من قدرتهم على حلها. أما حسن فجلس وحده في الفناء. ينظر إلى الحقول البعيدة. للمرة الأولى في حياته... بدأ يخاف أن يأتي يوم لا تكون فيه الأرض أرضه.