الفلاح المصري - الاول - بقلم محمد أشرف | روايتك

اسم الرواية: الفلاح المصري
المؤلف / الكاتب: محمد أشرف
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الاول

الاول

الفصل الأول: يومٌ لا يشبه الأيام استيقظ حسن الفلاح قبل أذان الفجر بقليل، كما اعتاد طوال خمسين عامًا من عمره. فتح عينيه على سقف الغرفة الطيني المتشقق، واستمع إلى صياح الديك البعيد وصوت الريح وهي تتسلل بين أشجار النخيل المحيطة بالقرية. نهض ببطء، وغسل وجهه بالماء البارد، ثم خرج إلى الحقل حاملاً فأسه القديمة. كانت الأرض مصدر رزقه الوحيد، ورفيقته التي لم تخنه يومًا رغم قسوة المواسم وارتفاع الديون. مع شروق الشمس، بدأ العمل. انحنى فوق التربة ساعات طويلة تحت حرارة تزداد قسوة كل عام. كان جسده معتادًا على التعب، لكن ذلك الصباح شعر بشيء مختلف. ثقلٌ غريب في صدره. توقف للحظة، وأسند يده إلى جذع نخلة قريبة. — "يمكن من السهر..." تمتم لنفسه. واصل العمل رغم الألم. عند الظهيرة، كانت الشمس في كبد السماء. حاول حسن رفع جوال من القمح، لكنه شعر بدوار شديد. اهتزت الأرض أمام عينيه، وتداخلت الأصوات حوله. سقط الجوال من يده. ثم سقط هو أيضًا. ركض ابنه محمود نحوه مذعورًا. — "يابا! يابا! مالك؟" فتح حسن عينيه بصعوبة، لكنه لم يستطع الرد. كان العرق يغطي وجهه، وأنفاسه متقطعة كأنها معركة يخوضها وحده. تجمع الفلاحون من حوله. قال أحدهم: — "لازم يروح المستشفى فورًا." ورد آخر: — "ومنين هيجيبوا فلوس العلاج؟" ساد الصمت. كان الجميع يعرف الحقيقة؛ المرض لا يرحم الفقراء، والمستشفى البعيد يحتاج مالًا لا تملكه أغلب بيوت القرية. حمل محمود والده على عربة قديمة تجرها دابة، وانطلق به نحو المدينة بينما كانت عينا حسن نصف مغلقتين، وقلبه مثقلًا بأكثر من المرض. لم يكن خائفًا على نفسه. كان خائفًا على الأرض. الأرض التي إن تركها يومًا واحدًا قد تضيع، والأرض التي عاش من أجلها عمرًا كاملًا. ولم يكن يعلم أن هذا السقوط المفاجئ سيكون بداية سلسلة من الأحداث ستغير حياة أسرته والقرية كلها إلى الأبد.