الثمن الذي اختاره القدر
كتابة: " سدرة "
الفصل السادس
الثمن الذي اختاره القدر
/
/
/
/
مرّت أيام قليلة بعد انطلاق أولى سفن الهجرة إلى المريخ.
وأصبح العالم أكثر هدوءاً...
لكن ذلك الهدوء كان مرعباً.
---
لم يعد هناك ازدحام.
لا أصوات سيارات.
لا مدارس.
لا أسواق.
---
فقط مدن فارغة.
وشوارع مهجورة.
وأبنية تنتظر دورها لتختفي.
---
كان البشر يغادرون الأرض بالآلاف كل ساعة.
---
أما آدم وريان...
فبقيا.
---
ليس لأنهما لا يستطيعان الرحيل.
بل لأن آدم كان يعلم شيئاً واحداً:
إذا هرب معه الجوع إلى المريخ...
فسيموت الجميع هناك أيضاً.
---
لذلك قرر البقاء.
---
وذات مساء...
كانا يجلسان فوق سطح بناية مهجورة.
---
الشمس تغرب بلون أحمر غريب.
---
قال ريان مبتسماً:
"تخيل أننا آخر شخصين طبيعيين على الأرض."
---
ضحك آدم.
---
"أنا لا أعتقد أنني طبيعي بعد الآن."
---
ابتسم ريان.
---
"بالنسبة لي ما زلت آدم."
---
ساد الصمت.
---
ثم قال ريان فجأة:
"هل تعلم؟"
---
"ماذا؟"
---
"لو عاد الزمن للخلف..."
---
نظر إلى الأفق.
---
"لا أعتقد أنني كنت سأتركك وحدك."
---
شعر آدم بشيء يضغط قلبه.
---
لأن ريان كان الوحيد الذي بقي معه.
---
الوحيد.
---
لكن في تلك اللحظة...
وصلت رسالة مشفرة إلى جهاز قديم كان بحوزتهما.
---
فتحه ريان.
---
ثم شحب وجهه.
---
"ما الأمر؟"
---
لم يجب.
---
فقط أعطى الشاشة لآدم.
---
وعليها ظهر شعار منظمة الحارس الأخير.
---
ثم ظهرت المرأة ذات الشعر الأبيض.
---
لكن هذه المرة...
كانت تبدو مختلفة.
---
وكأنها حزينة.
---
قالت:
"لقد اكتشفنا الحقيقة."
---
رفع آدم حاجبيه.
---
"أي حقيقة؟"
---
ظهرت بيانات وصور ورسوم معقدة.
---
ثم قالت:
"سبب عدم موتك."
---
تجمد آدم.
---
منذ أشهر وهو يبحث عن الجواب.
---
وأخيراً وجده.
---
لكن الإجابة كانت أسوأ مما تخيل.
---
قالت المرأة:
"حين أيقظت الجوع..."
---
"تم نقل قانون وجودك."
---
"ماذا يعني هذا؟"
---
أجابت:
"أنت لم تعد تحمل موتك."
---
ساد الصمت.
---
"لا أفهم."
---
تنهدت.
---
ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:
> "شخص آخر يحمل موتك بدلاً منك."
---
اتسعت عينا آدم.
---
ريان أيضاً.
---
ثم سأل بصوت مرتجف:
"من؟"
---
صمتت المرأة.
---
لثوانٍ طويلة.
---
ثم قالت:
> "ريان."
---
وكأن العالم توقف.
---
آدم لم يستوعب.
---
ريان لم يستوعب.
---
حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.
---
"مستحيل..."
---
أجابته المرأة:
"للأسف هذا صحيح."
---
ثم ظهرت تسجيلات كثيرة.
---
إحصائيات.
---
تحليلات.
---
قراءات طاقة.
---
كلها تؤكد الشيء نفسه.
---
كل مرة كان يجب أن يموت فيها آدم...
كان شيء ما ينتقل إلى ريان.
---
بطريقة لا يفهمها أحد.
---
إصابات.
---
ضرر.
---
سنوات من العمر.
---
أجزاء من حياته.
---
كلها كانت تُسحب منه بصمت.
---
ريان جلس ببطء.
---
لم يتكلم.
---
أما آدم...
فشعر بأن الأرض انهارت تحته.
---
"لا..."
---
"لا..."
---
"هذا ليس حقيقياً."
---
لكن الحقيقة كانت أمامه.
---
ولهذا السبب بدأ ريان يبدو أكثر تعباً في الأشهر الأخيرة.
---
ولهذا السبب كان يسعل أحياناً دون سبب.
---
ولهذا السبب كان يضعف تدريجياً.
---
لقد كان يموت...
نيابةً عن آدم.
---
وفجأة...
ظهر إنذار أحمر على الشاشة.
---
صرخت المرأة:
"اهربا فوراً!"
---
"ماذا؟"
---
"لقد وصلوا!"
---
ثم انقطع الاتصال.
---
وفي السماء...
ظهرت عشرات المركبات السوداء.
---
لكنها لم تكن مركبات عادية.
---
كانت قوات الإعدام التابعة للمنظمة.
---
القوة التي لا تُرسل إلا عندما يُتخذ قرار نهائي.
---
قرار لا رجعة فيه.
---
القتل الكامل.
---
فتح الجنود أبواب المركبات.
---
ونزلوا بالآلاف.
---
هذه المرة لم يأتوا من أجل آدم.
---
بل من أجل ريان.
---
لأن المنظمة توصلت إلى استنتاج مرعب:
إذا مات ريان...
فربما يعود الموت إلى آدم.
---
وربما يمكن قتل الجوع معه.
---
صرخ آدم:
"اركض!"
---
لكن الأوان كان قد تأخر.
---
انطلقت مئات الطلقات نحو ريان.
---
قفز آدم أمامه.
---
لكن الطلقات عبرت جسده.
---
وأصابت ريان مباشرة.
---
سقط على الأرض.
---
الدم ينتشر حوله.
---
تجمد الزمن بالنسبة لآدم.
---
ركع بجانبه.
---
أمسك يده.
---
"ريان..."
---
ابتسم ريان بصعوبة.
---
ورغم الدم...
ورغم الألم...
ما زال يحاول أن يبتسم.
---
"يبدو..."
---
سعل دماً.
---
"...أنني كنت محقاً."
---
"لا تتكلم!"
---
"قلت لك..."
---
ابتسم أكثر.
---
"لن أتركك وحدك."
---
بدأت الدموع تنزل من عيني آدم.
---
لأول مرة منذ بداية الكارثة.
---
بكى.
---
بكى كطفل.
---
لكن في تلك اللحظة...
بدأت السماء كلها تتحول إلى اللون الأسود.
---
كل كائنات الجوع في العالم توقفت.
---
ثم استدارت في اتجاه واحد.
---
نحو آدم.
---
ونحو ريان المحتضر بين ذراعيه.
---
وكأن الكون كله...
كان يحبس أنفاسه.
---
لأن شيئاً رهيباً جداً...
كان على وشك الحدوث.
نهاية الفصل السادس.💔🔥