الفصل الرابع : وجوم
دخل فيلكس إلى المشفى، وقد ارتسم القلق والخوف بوضوح على ملامحه. تخلى عن رحلته، وعن طائرته المتجهة لأمريكا، وجاء يركض باحثاً عن إجابة.
توقف أمام مكتب الاستقبال وقال: "لو سمحتِ.. أبحث عن مريض يدعى أليكس سزايا، لقد تم نقله إلى هنا إثر حادث سير قبل قليل."
بحثت الممرضة في السجلات لثوانٍ بدت له كالسنين، ثم رفعت رأسها وقالت بأسف: "لقد أُدخل إلى غرفة العمليات قبل ربع ساعة."
تجمد فيلكس في مكانه، وهمس بذهول: "غرفة العمليات؟!"
أكملت الممرضة: "نعم، كانت حالته حرجة جداً، أما الفتاة التي كانت بصحبته فقد فقدت وعيها وتم نقلها إلى العناية المركزة."
عقد فيلكس حاجبيه، وشعورٌ بالغرابة يتملكه:
-"فتاة؟ هل أنتِ متأكدة؟"
أكدت له الممرضة ذلك، وحين سألها عن اسمها، قالت:
-"سيرا ويلسون."
ظل فيلكس صامتاً لبرهة، يردد الاسم في عقله محاولاً استعادة أي ذكرى تربط شقيقه بهذا الاسم، لكنه لم يجد شيئاً. شكرها واتجه فوراً نحو الطابق الثاني، حتى ساعدته إحدى الممرضات في الوصول إلى أمام باب العمليات الجراحية.
مرت ساعة من الانتظار ، حتى خرج الطبيب وهو ينزع قفازاته. ركض فيلكس نحوه:
-"طبيب، أخبرني كيف حال أليكس؟"
طمأنه الطبيب بنبرة هادئة:
-"لقد أجرينا الجراحة اللازمة، وحالته ستبدأ بالتحسن مع مرور الوقت، سينقل إلى غرفته قريباً."
تنفس فيلكس الصعداء، لكن فضوله لم يهدأ، فأوقف الطبيب قبل مغادرته:
- "عذراً.... كانت هناك فتاة معه في الحادث، هل يمكنني رؤيتها؟"
قاده الطبيب إلى غرفة العناية حيث ترقد سيرا.. دخل فيلكس بهدوء، ورآها مستلقية فوق السرير الأبيض،محاطة بأسلاك الأجهزة الطبية وأنابيب الأوكسجين. وقف يتأمل ملامحها بدقة كان يحاول أن يتذكّر ما إذا كان قد رآها من قبل أم لا. ، وفجأة.. انفتحت في عقله بوابة زمنية أعادته أربع سنوات إلى الوراء.
*فلاش باك: قبل اربع سنوات*
كانت الأجواء في غرفتهما صاخبة كالمعتاد.
صوت المياه يتدفق في الحمام حيث كان أليكس يستعد للخروج، وفيلكس يصرخ من الخارج: "أليكس! أسرع قليلاً، لقد تأخرنا!"
جاءه صوت أليكس من الداخل:
-"قادم.. قادم، اصبر قليلاً."
نادى فيلكس:
-"هل بطاقتي الائتمانية معك؟"
رد أليكس:
- "أجل، ابحث عنها في محفظتي فوق المكتب."
فتح فيلكس المحفظة الجلدية الخاصة بشقيقه، وبينما كان يبحث عن البطاقة، انزلقت عيناه إلى جيبٍ داخلي مخفي. سحب صورة صغيرة كانت مخبأة بعناية. كانت لفتاة في مقتبل عمرها، بشعر أسود كليل وعينين واسعتين وبشرة بيضاء نقية.. كانت ملامحها تنطق بالبراءة الممزوجة بالتمرد.
بينما كان فيلكس يتأمل الصورة، فُتح باب الحمام فجأة. خرج أليكس وبحركة سريعة وخاطفة انتزع الصورة من يد شقيقه، وقال بنبرة حادة ممزوجة بالارتباك:
-"قلتُ لك ان تأخذ البطاقة من المحفضة، لا ان تنبش فيها .
ابتسم فيلكس بخبث وغمز لشقيقه قائلاً:
- "أوه.. ومن تكون هذه الفاتنة التي تحتفظ بصورتها في أعمق جيب بمحفظتك؟"
أشاح أليكس بوجهه عنه وهو يضع الصورة في مكانها بدقة متناهية، ورد ببرود:
- "لا شأن لك."
ألحّ فيلكس:
-"هيا يا أخي.. أنا شقيقك الصغير، أخبرني!"
لكن أليكس ارتدى قميصه واتجه نحو الباب قائلاً بلهجة قاطعة:
- "اغرب عن وجهي فيلكس، أمامنا عمل.
*الحاضر*
اهتزت الصورة في ذاكرة فيلكس لتتطابق تماماً مع الوجه الشاحب المرتمي أمامه على سرير المشفى. همس بذهول وهو ينظر لسيرا:
- "إنها هي.. الفتاة التي كان يخفيها أليكس لسنوات.
بينما كان فيلكس غارقاً في تأمل وجه سيرا الشاحب، دخل الطبيب بهدوء قائلاً:
- "لقد نقل شقيقك إلى غرفته، يمكنك رؤيته الآن."
غادر فيلكس الغرفة، والأسئلة تزدحم في رأسه كالإعصار. دخل غرفة أليكس، وجلس بجانبه يراقب ملامحه التي بدأت تستعيد بعضاً من حيويتها.
بعد نصف ساعة من الصمت الثقيل، بدأت أجفان أليكس تتحرك باضطراب، وخرج من بين شفتيه صوتٌ واهن:
- "سيرا.. سيرا.. أين أنتِ؟"
فتح عينيه فجأة، ليرى فيلكس أمامه. اعتراه رعبٌ مفاجئ وحاول الاعتدال رغم آلامه : "فيلكس! أين سيرا؟ ماذا حدث لها؟"
وضع فيلكس يده على كتف أليكس ليدفعه بلطف نحو السرير قائلاً بنبرة مطمئنة:
- "اهدأ اهدأ اليكس،سيرا بخير، إنها تتلقى العلاج في غرفتها وهي الآن في حالة مستقرة."
تنهد أليكس بعمق، وكأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدره، ثم استرخى على وسادته وسأل بتعب:
- "كيف وصلتُ إلى هنا؟ ومن أخبرك بالحادث؟"
أجابه فيلكس وهو يشابك أصابعه:
-"كنتُ في طريقي للمطار حين تلقيتُ اتصالاً يخبرني بتعرضك لحادث سير مروع. ألغيتُ كل شيء وجئتُ إلى هنا فوراً."
سأل أليكس بقلق:
-"هل أخبرتَ امي وابي؟"
رد فيلكس:
-"لا، لم أخبر أحداً سوى سارة."
قال أليكس بنبرة آمرة رغم ضعفه:
-"جيد.. إياك أن تخبرهما، لا أريد ضجيجاً الآن."
في تلك اللحظة، قطع رنين هاتف فيلكس حوارهما؛ كانت سارة هي المتصلة. وقبل أن يجيب، قال له أليكس بحدة:
- "أكد عليها ألا تنطق بكلمة أمام أمي وأبي."
أجاب فيلكس على سارة، وطمأنها بأن أليكس تجاوز مرحلة الخطر. وحين سألت بلسانٍ مرتبك:
- "بماذا سأبرر لزوجة عمي تأجيل رحلة أمريكا؟"
فكر فيلكس قليلاً ثم قال:
- "أخبريها أننا فقدنا الرغبة في السفر حالياً، ونفضل البقاء هنا لأسبوع آخر."
وافقت سارة، وطلبت المجيء للاطمئنان، فأوصاها فيلكس: -"تعالي بعد أن تتأكدي من نوم الجميع، وأحضري معكِ ملابس لأليكس."
أغلق فيلكس الخط، وساد صمتٌ طويل. كان أليكس يحدق في السقف بشرود، بينما كان فيلكس يتأمله بنظرة تحمل عتاباً مكتوماً. وأخيراً، أطلق فيلكس تنهيدة حارة وقال بصوتٍ منكسر:
- "أليكس.. لماذا لم تخبرني بشأن الفتاة؟"
التفت أليكس إليه بصمت، فنظر إليه فيلكس بعينين يملؤهما الخذلان وتابع:
- "كنتُ أظن أنني الأقرب إليك، وأننا نتشارك كل شيء.. لكن يبدو أنني كنتُ واهماً. أنا لم أخفِ عنك شيئاً قط، وحين وقعتُ في حب سارة، كنتَ أنت أول من يعلم.. فلماذا أسوارك عالية جداً أمامي؟"
رد أليكس بنبرة هادئة :
-"فيلكس، أنا لم أخبر أحداً.. ليس أنت فقط."
قال فيلكس بانفعال طفيف:
-"أنا لستُ (أحداً)! أنا شقيقك! كان يجب أن اكون أول من يعلم."
أجابه أليكس ببرود غطى على ألمه:
- "أنت تعرفني أكثر من أي شخص، أنا لا أتحدث عن شؤوني الخاصة أبداً."
سكت فيلكس لخمس دقائق، ثم قال بنبرة يملؤها القلق:
- "أنت تدرك مدى خطورة هذا الأمر، أليس كذلك؟"
رد أليكس بحزم:
-"سأتعامل مع الأمر بنفسي."
قال فيلكس بيأس:
- "أليكس، أنت تعرف جدي.. لن يقبل أبداً بهذا الارتباط، القوانين واضحة ."
أغمض أليكس عينيه وقال:
- "أعلم، وسأستمر في المحاولة."
قاطعه فيلكس بصوتٍ منخفض:
-"لكنك إن أصررت.. فقد تفقد.."
لم يستطع فيلكس إكمال الجملة، فأكملها أليكس عنه بقوة وثبات:
- "مستعدٌ لفقدان لقبي، والخروج من هذه العائلة نهائياً، لكنني لن أفقد سيرا مجدداً.. فلا تحاول إقناعي، لأن قراري لا رجعة فيه."
ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ، لا يُسمع فيها سوى صوت جهاز مراقبة نبضات القلب وصفير أجهزة المشفى الخافت. كان أليكس مستندًا إلى ظهر السرير الأبيض، بينما وقف فيلكس قرب النافذة واضعًا يديه في جيبي معطفه، ملامحه جامدة على غير عادته.
وفجأة، دوّى طرق خفيف على الباب.
التفت فيلكس نحوه وقال بصوت منخفض:
-" من "
جاءه صوت أنثوي متردد من خلف الباب:
- "أنا سارة… هل أدخل؟"
وقبل أن ينطق فيلكس بأي كلمة، التفت إليه أليكس بسرعة.
-"إياك أن تقول لها شيئًا عن سيرا."
تأمله فيلكس للحظة طويلة، ثم أومأ برأسه ببطء، قبل أن يقول بنبرة هادئة:
-"نعم، ادخلي."
انفتح الباب ببطء، ودخلت سارة بخطوات مترددة. كان الحزن واضحة في عينيها. اقتربت منه قليلًا وهي تحدق بالضمادات التي تحيط بكتفه وصدره، ثم قالت بصوت خافت اختلط بالقلق:
-" أليكس… كيف حدث هذا؟"
أجابها وهو يتنهد:
-"حادث سير."
عقدت حاجبيها بدهشة واضحة وقالت بسرعة:
"وكيف تدخل بحادث أصلًا؟ انت افضل شخص في العائلة من حيث القيادة ولا تخطئ أبدًا."
أشاح بنظره قليلًا وقال:
-" لم يكن الخطأ مني… كانت شاحنة "
سألت بخوف:
-" وكيف أصبحت الآن؟"
رفع كتفيه بخفة محاولًا طمأنتها:
-" أفضل حالاً من قبل."
تنهدت براحة بسيطة، ثم أشارت إلى ثيابه وقالت محاولة تغيير الموضوع:
-" عليك أن تبدل ملابسك لاحقًا."
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
- "سأفعل"
******
في الجهة الأخرى من المشفى…
كانت سيرا مستلقية على السرير الأبيض، أنفاسها متقطعة قليلًا، بينما الضوء الباهت المنعكس من سقف الغرفة يزعج عينيها المغلقتين. حاولت فتحهما بصعوبة، ثم رمشت عدة مرات حتى بدأت الرؤية تتضح أمامها.
كانت ممرضة تقف بجانبها تراقب أجهزتها الطبية.
همست سيرا بصوت متعب:
-" أين أنا…؟"
ابتسمت الممرضة ابتسامة هادئة وقالت:
- " أنتِ في المشفى."
تحركت عينا سيرا بسرعة، وكأنها تبحث عن شخص معين، ثم سألت بلهفة:
-"أين أليكس؟"
ترددت الممرضة قليلًا قبل أن تقول:
-" هل تقصدين الشاب الذي كان يرافقك؟"
أومأت سيرا بسرعة.
فقالت الممرضة:
-"خضع لعملية جراحية، لكنه استعاد وعيه الآن… وهو بخير."
في تلك اللحظة، ارتخت ملامح سيرا وكأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدرها. أغمضت عينيها لثانية ثم فتحتها مجددًا وقالت بسرعة:
-"هل اتصلتم بأمي؟ هل أخبرتموها؟"
- لا لم نخبرها.
قطبت حاجبيها باستغراب:
-"إذًا… من الوصي عليّ؟"
أجابت الممرضة:
- "فيلكس سزايا."
تجمدت سيرا في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة.
كيف علم فيلكس؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت بسرعة:
-"أريد الذهاب لرؤية أليكس."
هزت الممرضة رأسها بالرفض :
-" لا يمكنكِ، يجب أن ترتاحي أولًا."
لكن سيرا دفعت الغطاء عنها بعناد وقالت:
-"سأرتاح عندما أراه… دعيني أذهب"
حاولت الوقوف، فتأوهت بخفوت من الألم، لكن الممرضة أمسكتها وساعدتها على السير. خرجتا إلى الممر الطويل البارد، وكانت خطوات سيرا بطيئة ومتعبة، لكنها لم تتوقف.
حتى وصلتا أخيرًا إلى غرفة أليكس ،فتحت الباب .
رأت أليكس مستنداً بظهره إلى السرير، فلم ترَ من معه في الغرفة . حدقت فيه لثوانٍ طويلة، وشعرت بحرارة الدموع تندفع إلى عينيها، لكنها قاومت. بدأت تخطو إليه ببطء، خطوات مترددة ومثقَلة بالخوف، حتى وصلت إليه أخيرًا. عندها فقط انحنت نحوه وأحاطته بذراعيها بقوة، وكأنها تخشى أن يختفي إن تركته.
دفنت وجهها في كتفه، وبدأ جسدها يرتجف بين ذراعيه،
تجمد أليكس في مكانه؛ كانت صدمته مضاعفة، ليس فقط من مفاجأة حضورها، بل لوجود سارة التي كانت تراقب المشهد بذهول، وهي تضع يدها على فمها غير مصدقة ،بينما وقف فيلكس قرب الحائط يتابع المشهد ببرود تام، وكأنه يشاهد كارثة كان يتوقع حدوثها منذ البداية.
همست سيرا وسط شهقاتها بكلمات غير مفهومة:
- "ظننتُ أنني سأفقدك مرة أخرى.. ظننتُ أنني لن أراك مجدداً"
تنهد أليكس ببطء،ثم رفع يده ومرر أصابعه برفق بين خصلات شعرها ليهدئ من روعها. أبعد وجهها عنه قليلًا، ليلتقي بنظراتها الضائعة، ثم احتضن وجنتيها بكفيّه وقال بنبرة هادئة.
-"سيرا، انظري إليّ.. أنا بخير، لا داعي لكل هذا الخوف"
قالت بنبرة مرتجفة:
- "لكنك خضعت لعملية جراحية!"
ابتسم بهدوء:
- "كانت جراحة بسيطة، لا تقلقي."
حدقت بعينيه طويلًا، بينما كان هو يبادلها النظرات نفسها، وكأن العالم اختفى حولهما للحظة. في تلك اللحظة، قطعت "تنحنحة" فيلكس تلك الهالة،ابتعدت سيرا عن أليكس بسرعة، وكأنها تذكرت فجأة أنها ليست وحدها في الغرفة. التفتت لتجد سارة واقفة قرب الباب تحدق بها بذهول واضح، بينما كان فيلكس يستند إلى الحائط ببرود تام، يراقب المشهد بعينين خاليتين من أي تعبير.
ارتبكت سيرا قليلًا، ثم أعادت نظرها إلى أليكس وهمست بسرعة:
-"حسنًا… سأعود لاحقًا لأطمئن عليك. يبدو أنك مشغول."
ولم تنتظر ردًا.
استدارت على الفور وغادرت الغرفة بخطوات سريعة، بينما بقي الصمت الثقيل مخيمًا خلفها..
استدارت سارة نحو أليكس، و سألته بكلمات متلاحقة:
- "من هذه؟ ولماذا كانت معك؟ وماذا تفعل هنا؟ وكيف تتعامل معها بهذه الطريقة؟"
تنهد أليكس طويلًا، وبدأ يشرح لها كل شيء… منذ البداية.
كانت سارة تستمع إليه بصدمة تتزايد مع كل كلمة.
حتى همست أخيرًا بعد انتهاء حديثه:
-" هل… تمزح معي؟"
رفع عينيه إليها وقال بهدوء:
-" لا، أنا لا أمزح."
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم قالت بصوت متوتر:
- "أنت تعرف ما الذي سيحدث إن تم هذا الارتباط… صحيح؟"
-نعم.
-"وتعرف ردة فعل جدي؟"
- نعم.
-" وتعرف ماذا ستخسر؟"
نظر إليها بثبات وقال:
- نعم.
وضعت يدها على رأسها بتوتر شديد، ثم التفتت نحو فيلكس وقالت بحدة:
- "وأنت؟ هل توافق على هذا الجنون؟"
نهض فيلكس ببرود، وقال بنبرة جافة:
- "لا شأن لي بالأمر، ولن أتدخل.. هو أخي الأكبر ويعرف كيف يختار مصيره."
لكن خلف تلك النبرة الباردة، كان الغضب واضحًا في عينيه.
غضبٌ من أليكس…
لأنه طوال تسع سنوات لم يخبره شيئًا.
استدار بعدها وغادر الغرفة دون كلمة أخرى.
راقبته سارة وهو يخرج، ثم التفتت إلى أليكس مجددًا وقالت بقلق:
-"ماذا فعلت له؟"
رفع أليكس يديه باستسلام وقال بسرعة:
-"لم أفعل له شيئًا، أقسم لك."
ضيقت عينيها عليه وقالت:
-"هل جرحت مشاعره؟"
-" لا! فقط… انزعج لأنني لم أخبره بشأن سيرا.
حدقت به بغضب واضح لبضع ثوانٍ، ثم استدارت بعصبية وخرجت من الغرفة، محاولة اللحاق بزوجها قبل أن يبتعد أكثر.
خرجت سارة من الغرفة بخطوات سريعة، بينما كانت أفكارها تتزاحم داخل رأسها بصورة مرهقة. لم تستطع حتى استيعاب ما سمعته للتو، ولا تلك الطريقة التي نظرت بها سيرا إلى أليكس… .
أغلقت باب الغرفة خلفها، ثم سارت عبر ممرات المشفى الطويلة وهي تبحث بعينيها عن فيلكس.
وحين نزلت إلى الحديقة الخارجية للمشفى، لمحته أخيرًا.
كان جالسًا على أحد المقاعد الحديدية تحت ضوء المصابيح الخافتة، مائلًا بجسده إلى الخلف، بينما انعكست أضواء المدينة البعيدة على ملامحه المتعبة. بدا غارقًا في أفكاره إلى درجة أنه لم ينتبه لقدومها.
اقتربت منه ببطء، ثم جلست بجانبه وهي تتأمله للحظات.
كان صامتًا… صامتًا بصورة غير معتادة.
فمالت نحوه قليلًا وقالت بنبرة لطيفة:
-"ما بك، يا عزيزي؟ لِمَ تبدو حزينًا؟"
لم يجبها.
ظل محدقًا أمامه بصمت، وكأن شيئًا يثقل صدره.
تنهدت بخفة، ثم قالت وهي تراقب ملامحه:
-" فيلكس… هل أنت مستاء من أليكس لأنه لم يخبرك بشأن سيرا؟"
ضحك بسخرية خافتة دون أن ينظر إليها وقال:
-" وماذا تتوقعين مني؟ الا احزن؟"
التفتت إليه بهدوء وقالت:
-" بلى… لكنك تعرف أليكس. من المستحيل أن يخبر أحدًا بأموره الشخصية."
شد فكّه قليلًا، ثم التفت إليها أخيرًا وقال بصوت منخفض:
-"لكنني لستُ “أحدًا” يا سارة… أنا أخوه. و من المفترض أن أي شيء يحدث معه يأتي ويخبرني به."
سكتت سارة، لأنها تعلم أنه محق بطريقة ما.
تنهد فيلكس، ثم أراح ذراعيه فوق ركبتيه وقال بعد لحظة صمت:
-"عندما أُعجبت بكِ أول مرة… ذهبت مباشرة وأخبرته.
رمشت سارة بدهشة خفيفة."
أما هو فأكمل وهو ينظر إلى الأرض:
-" أتتذكرين يوم رأيتكِ أول مرة في تلك الغرفة؟ خرجت فورًا وذهبت إلى أليكس وقلت له إنني أريد الزواج منكِ."
صمت بعدها منتظرًا ردها.
لكنها لم تقل شيئًا.
رفع رأسه نحوها باستغراب، ليجدها تنظر إليه وهي تبتسم ابتسامة صغيرة دافئة.
عقد حاجبيه وقال:
-"ما بكِ؟ لم تبتسمين؟"
ابتسمت أكثر ثم قالت بخفوت:
-" هل حقًا… أُعجبت بي منذ اللحظة الأولى؟"
حدق بها لثوانٍ بذهول، ثم انفجر ضاحكًا وهو يهز رأسه بعدم تصديق.
-" من كل ما قلته… هذا فقط ما فهمته؟"
ضحكت سارة وقالت:
-"نعم.. لأنني في ذلك الوقت كنتُ واقعة في حبك ومعجبة بكِ أيضاً، لكنك لم تكن ترى شيئاً أمامك سوى العمل."
اعترف لها فيلكس بهاذا وهو يتأمل ملامحها:
-"لأن الزواج لم يكن يوماً ضمن مخططاتي.. لكن حين دخلتُ الغرفة ورأيتكِ بذلك الفستان الأسود، تغيرت كل قناعاتي في ثانية واحدة"
اتسعت ابتسامتها شيئًا فشيئًا، بينما كانت تنظر إليه وكأنها تحاول التأكد إن كان يقول الحقيقة فعلًا.
ثم قالت بخفوت وهي ترفع حاجبها بمشاكسة:
— ألهذه الدرجة كان الفستان جميلًا؟
ضحك فيلكس بخفة وهو يهز رأسه، ثم قال:
— لم يكن الفستان وحده.
نظرت إليه باستفهام، فاقترب قليلًا وأضاف بصوت أكثر هدوءًا:
-"عندما دخلتُ الغرفة يومها… لم يكن فيها أحد سواكِ. كنتِ تقفين أمام المرآة ،ثم التفتِّ نحوي بذلك الفستان وأقسم أنني نسيت حتى لماذا دخلت أساسًا.
احمرّ وجهها قليلًا رغم محاولتها إخفاء ذلك، فأشاحت بنظرها عنه وهي تبتسم.
وفي تلك اللحظة أدرك فيلكس شيئًا اعتاد الشعور به كل مرة معها…
قبل دقائق فقط كان غاضبًا، مثقلًا بالأفكار.
لكن بمجرد أن جلست بجانبه…تغيّر مزاجه بالكامل.لهذا كان يحبها.
لأنها الوحيدة التي تفهمه دون أن يشرح، والوحيدة القادرة على سحب الحزن من داخله بتلك البساطة.
أمالت سارة رأسها لتضعه على كتفه، وأغمضت عينيها بتعب، فبدأ فيلكس يمسح على رأسها.
قالت بصوت خافت:
-"لقد كان يوماً شاقاً حقاً.. أشعر بإنهاك شديد."
طبع قبلة رقيقة على جبينها وقال:
- "خذي سيارتي واذهبي للمنزل لتنالي قسطاً من الراحة."
سألته: "وأنت؟"
أجابها وهو يسند ظهره للمقعد:
- "سأبقى هنا مع أليكس لبعض الوقت، سأرى متى يمكننا إخراجه من المشفى، ثم ألحق بكِ."
أومأت له بامتنان، وودعته بنظرة دافئة قبل أن تستقل سيارته وتغادر، تاركة إياه مع أفكاره التي أصبحت الآن أقل حدة بفضل وجودها.
*********
تسللت خطواتها الهادئة في الممر الشبه خالٍ، حتى وقفت أمام باب غرفة أليكس. أطالت النظر إلى المقبض المعدني قبل أن تمد يدها ببطء، وتدفع الباب شعرة تلو الأخرى كي لا تصدر أي صوت يجذب الانتباه. دَسّت عينيها المتفحصتين عبر الفتحة الضيقة،ظنت للحظة أنّه غارق في نومه. لكن، شق ذلك السكون صوت أليكس الخافت والنبرة الهادئة التي اعتادت عليها:
-"ادخلي سيرا."
تراجعت خطوة للوراء، ثم دفعت الباب ودخلت الغرفة. شبكت كفيها خلف ظهرها بتوتر تحاول إخفاءه، وخطت خطوات متباطئة نحو سريره. وقفت على مقربة منه، تتأمل ملامحه الشاحبة قبل أن تنطق بنبرة حذرة:
-"كيف أصبحت الآن؟ "
أجابها دون أن يبعد عينيه عنها:
-"أفضل بقليل."
أومأت بخفّة.
-" هذا جيّد."
ساد بينهما صمت قصير ، صمت مشحون بالتساؤلات التي تدور في رأسها. ثم قطعت حبل السكون قائلة:
-" أليكس… قبل قليل سألتُ الممرّضة مَن الوصيّ عليّ… فقالت إنّه فيلكس. ماذا تعني بفيلكس؟ لم أفهم… كيف اصبح هو الوصي علي، ومَن أخبره عن الحادث من الأساس؟"
تنهد أليكس بعمق، مرجعاً رأسه للخلف قليلاً على الوسادة، ثم قال وعيناه ثاببتان عليها:
- "بعد وصول بلاغ الحادث، تواصلوا معه مباشرة… ومنذ ذلك الوقت أصبح المسؤول عنّا قانونيًّا."
بقيت سيرا صامتة بعد إجابته، وكأنها تحاول استيعاب الأمر اكتفت بإيمائات صغيرة، ثم أبعدت نظرها عنه واتّجهت نحو الأجهزة القريبة من السرير.
تفحّصت المؤشّرات، ثم اقتربت منه أكثر ووضعت أصابعها على جانب عنقه تتحسّس النبض.
مرّت ثوانٍ قليلة قبل أن تتمتم:
-"غريب…"
اقتربت أكثر دون أن تنتبه للمسافة التي تقلّصت بينهما، ثم انحنت أكثر حتى باتت أذنها تلامس دفء عنقه. في تلك اللحظة، تدفقت دقات قلبه إلى مسمعها، قوية ومتسارعة.
أما أليكس، فقد تيبس جسده في مكانه. تاهت عيناه في تفاصيل وجهها القريب جداً منه، متأملاً ملامحها وجاذبيتها التي لم يستطع الشحوب أو التعب أن يطفئ بريقها. كان ينظر إليها بنظرات عميقة غارق في تفاصيلها.
لكن سيرا انتبهت فجأة إلى قربها الشديد منه، فتجمّدت لثانية قبل أن تتراجع بسرعة .
ابتعدت خطوة ثم قالت بتوتّر وهي تتجنّب النظر مباشرةً إلى عينيه:
-"نبضك طبيعي… لكن أريد رؤية الفحوصات والتقارير الخاصّة بالأطبّاء المسؤولين عنك. سأطّلع عليها ثم أعود إليك."
استدارت لتغادر، لكن قبل أن تخطو بعيدًا، امتدّت يد أليكس وأمسك معصمها برفق.
التفتت إليه بصمت، وعيناها تستفهمان عمّا يريد قوله.
رفع أليكس نظره إليها، وكانت في صوته حدّة خفيفة:
- "سيرا ... انت لست الطبيبة هذه المرة .. انت ايضا بحاجة إلى من يعتني بك"
اضطربت نظراتها للحظة، لكنّها لم تتكلّم. بقيت تحدّق به فقط، وكأنّها نسيت كيف تُبعد عينيها عنه.
وكان أليكس يفعل الشيء نفسه.
سكون ثقيل التفّ حولهما، قبل أن يُكسر فجأة بصوت الباب وهو يُفتح.
دخل فيلكس إلى الغرفة، فتراجعت سيرا فورًا وسحبت يدها من يد أليكس بهدوء مرتبك.
نظرت نحو فيلكس، ثم قالت بسرعة خافتة:
-" سأعود لاحقًا."
لكن، وقبل أن تخطو خطوتها الأولى نحو الخارج، جمدها في مكانها صوت فيلكس وهو يتردد في أرجاء الغرفة بنبرة ساخرة، تحمل كبرياءً وتهكماً واضحاً:
- "تطلبين الإذن للمغادرة الآن؟ عجباً... قبل ثوانٍ فقط لم تكوني متعجلة هكذا وأنتِ غارقة في تأمل عينيه. هل دخولي المفاجئ هو ما ذكركِ فجأة بوجود أطباء آخرين في هذا المشفى، أم أنني أفسدتُ اللحظة؟"
وقعت كلماته عليها كالصاعقة، فبقيت واقفة في مكانها، وعيناها مصوبتين على فيلكس.
نضرت إليه وفي ثوانٍ تحولت ملامحها من الصدمة إلى برود تام وثبات امتلأت به عيناها.
قبل أن تنطق بحرف، تحرك أليكس على سريره، وضغط على حواف الفراش وهو يهتف بنبرة تحذيرية حادة:
- "فـيـلـكـس..!"
التفتت سيرا نحو أليكس، وأشارت له بيدها بلطف وهي تقول بهدوء وثقة:
- "لا بأس... اهدأ."
ثم أدارت جسدها بالكامل لتقف في مواجهة فيلكس مباشرة. رفعت رأسها، ونظرت في عينيه بثبات حاد، وقالت بنبرة باردة:
- "أنا طبيبة يا فيلكس، وتفقد نبض المريض واجبي وليس وهماً. لكن العجيب حقاً... أن تترك الحادث والمسؤولية الملقاة عليك، لتتفرغ لمراقبة نظرات الأعين وتأويلها!"
توسعت عينا فيلكس بصدمة حقيقية، ألجمته جرأتها لثوانٍ وظهرت المفاجأة جليّة على ملامحه.
لكنه سرعان ما استجمع شتات نفسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة متهكمة ليخفي صدمته، وخطا خطوة نحوها قائلاً بنبرة منخفضة ومستفزة:
- "أوه، قوية... لكن لا تختبئي خلف رداء الطب. الطبيبة التي تتحدثين عنها لا يرتجف نبضها وتتأتأ بالكلمات لمجرد أن مريضها أمسك بيدها. فمن منا يخلط بين الواجب والأوهام الأن؟
ابتسمت سيرا ابتسامة باردة متهكمة، ولم تسمح لكلماته المستفزة أن تهز ثباتها، وقالت:
- "واثق من نفسك لدرجة تثير الشفقة يا فيلكس. ما الذي تحاول إثباته بالضبط؟"
رمقها فيلكس بنظرة استخفاف حادة، متنقلاً بعينيه من رأسها إلى أخمص قدميها بتهكم واضح، ثم قال بنبرة هادئة لكنها سامة:
- "لا أحاول إثبات شيء، بل أقول الحقيقة التي تتجاهلينها. كفي عن تمثيل دور الطبيبة العاشقة والخائفة عليه يا سيرا، فكلنا نعلم أنكِ لا ترين في أليكس سوى منصب ثري، وحياة اجتماعية مرموقة، وثروة تطمعين بها. أنتِ مجرد مستغلة تستغل الفرص، وانا هنا لأرجعك إلى حجمك الطبيعي."
اتسعت عينا سيرا لثوانٍ من وقاحة اتهامه، نظرت في عينيه مباشرة، وردت بنبرة حادة:
- "أنا لست بحاجة لأموال أليكس ولا لمنصبه لتحديد قيمتي. طريقي بنيته بجهدي وتعبي كطبيبة، ولستُ ممن يبيعون كرامتهم لأجل المظاهر كما تفعل أنت وامثالك. إذا كان عقلك الصغير لا يستوعب وجود مشاعر حقيقية أو اهتمام صادق دون مقابل مادي، فهذه مشكلتك وحدك وعقدة نقص تخصك، فلا تسقطها عليّ!"
وصل التوتر بينهما إلى ذروته، وبات الجدال كقنبلة موقوتة أوشكت على الانفجار. هنا، لم يعد بإمكان أليكس البقاء في مكانه، أزاح الغطاء، ثم قام من السرير بخطوات غاضبة وسريعة حتى وقف بجانب فيلكس تماماً. جاءت نبرته حازمة وهو ينظر إليه مباشرة ويقول:
- "فيلكس! ما خطبك؟ هل جننت ؟! كف عن هذا الهراء الآن!"
عمّ السكون أرجاء الغرفة فجأة إثر تدخل أليكس. ورغم وقوف أليكس بجانبه وكلماته التحذيرية، إلا أن فيلكس لم يلتفت إليه مطلقاً، ولم يحرك شبراً واحداً من مكانه. بقي جسده متصلباً، وعيناه مثبتتان بحدة وتحدٍّ على عيني سيرا، رافضاً أن يكسر نظراته أولاً.
نظرت إليه سيرا بنظرة أخيرة حملت كل معاني الازدراء والاستخفاف، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء بكل برود. استدارت،وخطت نحو الباب، لتفتحه وتخرج مغلقة إياه خلفها، تاركة وراءها فيلكس بنظراته المعلقة في الفراغ، وأليكس الذي يشتعل غضباً وهو واقف بجانبه.مرت ثلاث ثوانٍ من الصمت الثقيل داخل الغرفة، قبل أن يلتفت أليكس نحو فيلكس بغضب، وهتف بنبرة حادة:
- "ما اللعنة التي قلتها لها لتوك؟! كيف تقو..."
لكن فيلكس لم يمنحه فرصة لإكمال جملته، ولم يرد عليه بكلمة واحدة. أشار بيده باقتضاب قائلاً بنبرة مستعجلة:
-"سأعود بعد قليل."
استدار فيلكس وخرج من الغرفة بخطوات سريعة، والتقطت عيناه طيف سيرا وهي في طريق عودتها إلى غرفتها. اندفع نحوها بخطوات متلاحقة ملؤها الغيظ، وقبل أن تدرك وجوده، باغتها بوضع يده حول عنقها ضاغطاً عليه ليدفعها إلى الخلف حتى ارتطم ظهرها بالجدار، مثبتاً إياها وهو يهمس بنبرة متوعدة وصوت يقطر تهديداً:
- "إذا لم تبتعدي عن اليكس وتغادري حياته الأن، فأقسم انني سأجعلك تدفعين ثمن عنادكِ هذا غالياً، ثمناً يجعلكِ تتمنين لو أنكِ لم تطأ قدمكِ هذا المكان يوماً!"
لم يدم تفاجؤ سيرا سوى لحظة واحدة. وبحركة خاطفة ومتقنة، قبضت بيدها على معصمه، ولوت ذراعه إلى الخلف بقوة مباغتة أفقدته توازنه، ثم دفعت جسده ببراعة وثبتته هو الآخر على الحائط، جاعلة يده ملوية خلف ظهره ومحكمة الإغلاق عليها.
مالت برأسها نحو أذنه، وقالت بنبرة منخفضة جداً، باردة كالثلج لكنها حادة وقوية:
-"إياك أن ترفع يدك عليّ مجدداً يا فيلكس. المرة القادمة التي تفكر فيها بتهديدي أو لمسي، لن تخرج من هنا واقفاً على قدميك. أليكس ليس ملكاً لك لتأمرني بالابتعاد عنه، وأنا لست الشخص الذي يمكنك ترهيبه."
بعد أن ألقت سيرا كلماتها الحازمة، شددت قبضتها على ذراعه الملوية لثانية واحدة كتحذير أخير، ثم أفلتته بحركة سريعة وابتعدت عنه خطوتين، تراجع فيلكس إلى الوراء وهو يمسك معصمه بيده الأخرى والذهول يكسو ملامحه من هذه القوة المفاجئة التي لم يتوقعها من طبيبة اعتقدها رقيقة وهادئة .
نظرت إليه سيرا ببرود شديد، ثم استدارت ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركة إياه في الممر.
عاد فيلكس إلى الغرفة بخطوات متثاقلة، فوجد أليكس يجلس على طرف السرير في انتظاره، وعيناه تترقبان الباب. ما إن دخل فيلكس حتى سأله أليكس بنظرة حادة :
- "أين كنت؟"
لم ينظر إليه فيلكس، بل اتجه نحو الطاولة بخطوات مجهدة وهو يجيب بنبرة جافة:
-"لا شأن لك."
تناول كأس الماء بيمينه وبدأ يشرب ببطء، وكان الإرهاق واضحة تماماً على تقاطيع وجهه، كما لو أنه خاض معركة للتو.
تأمله أليكس لبرهة، ثم كسر الصمت قائلاً بنبرة عتاب:
-"فيلكس... لماذا فعلت ذلك؟"
أنزل فيلكس الكأس من يده، والتفت نحو أليكس وعيناه تشتعلان غيظاً، وقال بنبرة مستنكرة وساخرة:
- "هل تظنني أحمق أم ماذا؟ أليكس، استيقظ! هي لا تحبك...إنها لا تطمع إلا بمالك ومكانتك الاجتماعية فحسب، وتستغلك!"
نظر إليه أليكس مطولاً، وهدأت ملامحه بشكل مفاجئ ليحل محلها برود ثاقب، ثم قال بنبرة هادئة ومليئة باليقين:
- "يبدو أنك اعتدت على رؤية الناس المستغلة من حولك يا فيلكس، حتى أصبحت ترى الجميع بالعين ذاتها وتظن أن سيرا مثلهم... لكن سيرا أبداً ليست كذلك، وصدقني هي أفضل بكثير مما تعتقد."
ساد صمت مؤقت في الغرفة. زفر فيلكس بضيق، وحاول تهدئة نبرته الحادة ليقول بنبرة حملت القلق الحقيقي هذه المرة:
-"ربما أكون كما قلت، لكن رغم كل شيء... يجب أن تأخذ حذرك منها."
أومأ أليكس برأسه بهدوء متفادياً المزيد من الجدال. صمت فيلكس لبرهة وهو يتأمل ملامح أليكس المرهقة، ثم سأله بنبرة هادئة:
- "هل تحسنت الآن؟"
تنهد أليكس بأسى وأجاب:
- "كيف تريدني أن أتحسن وأنا أجد نفسي أقع في مصيبة جديدة كلما التفتُّ حولي؟"
علت ضحكات فيلكس مخففة من حدة الأجواء، لينظر إليه أليكس بجدية ويتابع:
- "حسناً، هذا يكفي... أرجوك، ساعدني على الخروج من هنا الآن. يجب أن أغادر قبل أن يعلم أبي وأمي بالأمر وتحدث كارثة."
أومأ فيلكس موافقاً وقال:
—-"حسناً، سأذهب وأسأل الطبيب."
خرج فيلكس إلى الممر وتوجه إلى مكتب الطبيب المسؤول، وطرح عليه الأمر، إلا أن الطبيب هز رأسه رافضاً وقال بحسم:
- "الخروج الليلة ممنوع تماماً. يجب أن يبقى تحت الملاحظة حتى الصباح لنطمئن على استقرار حالته تماماً، وبعدها يمكنه المغادرة."
عاد فيلكس إلى الغرفة ونقل الإجابة إلى أليكس قائلاً:
-"لا يوافق الطبيب على خروجك قبل الغد."
رد أليكس بقلة حيلة:
-"حسناً، لا بأس... يمكنك العودة إلى المنزل الآن لتستريح بجانب زوجتك، وسأبقى أنا هنا بمفردي."
عقد فيلكس حاجبيه ونظر إليه باستنكار:
- "هل تمزح معي؟ أتريدني أن أتركك في هذه الحالة وأرحل؟ بالطبع لا!"
ابتسم أليكس بامتنان وقال:
- "افعل ما تراه مناسباً إذاً."
رد فيلكس وهو يبادله الابتسامة:
- "سأبقى معك هنا، هذا هو الخيار الأنسب."
********
-"فيلكس... على مهلك، أنت تؤلمني!"
- "ماذا فعلتُ لتوّي؟! أنا أحاول مساعدتك فقط."
- "فقط تمهل قليلاً وأدخلها ببطء..."
أخيراً، انتهيا من ارتداء الملابس بصعوبة، وسار فيلكس بجانب أليكس السائر بخطوات متثاقلة حتى نزلا إلى الطابق الرئيسي للمشفى. سار أليكس باتجاه السيارة لينتظر هناك، بينما توجه فيلكس نحو مكتب الاستقبال لإنهاء الإجراءات المالية.
وقف فيلكس أمام الموظف وقال:
"مرحباً، أود تسوية الحساب المالي ودفع تكاليف العلاج للمريض أليكس سزايا ، و سيرا ويلسون."
بحث الموظف في النظام الإلكتروني لثوانٍ، ثم رفع رأسه وقال:
"بالنسبة للمريضة سيرا ويلسون، فقد غادرت المشفى منذ الصباح الباكر، وقامت بدفع حسابها بالكامل... أما حساب السيد أليكس فما زال معلقاً ولم يُدفع بعد."
تجمد فيلكس في مكانه،واتسعت عيناه بذهول وهو يستوعب أن سيرا، رغم كل اتهاماته لها بالطمع والاستغلال، رفضت حتى أن يتكفل أليكس بنفقات علاجها.
في تلك اللحظة،بدأت القناعة تتسلل إلى عقله بأن هذه المرأة عزيزة النفس بالفعل، وليست مجرد صائدة أموال كما ظن.
* بعد مرور ثلاثة أيام*
مرت ثلاث ايام كاملة على ذالك الحادث. وطوال تلك الأيام كان يصل لسيرا كل يوم كوب قهوة دافئ وبجانبه وردة ذات لون مختلف،في اليوم الأول كانت الوردة بيضاء ، وفي الثاني حمراء، وفي الثالث صفراء زاهية. لم يكن معها أي بطاقة تحمل اسمه، لكن سيرا لم تكن بحاجة لبطاقات؛ ففي كل مرة كانت تستنشق فيها الوردة، تداعب أنفاسها رائحة عطر أليكس المميز، فترتسم على شفتيها ابتسامة دافئة.
وفي اليوم الرابع، كان لدى سيرا مناوبة في المشفى. وصلت إلى الرواق المتجه نحو غرفة المريض، وبينما كانت تستعد للدخول لتفقد حالته، لمحت رجلاً غريب الأطوار يرتدي خوذة دراجة نارية تخفي ملامحه بشكل يثير الريبة.
اقتربت منه وسألته:
— "لو سمحت.. هل طلب أحد الأطباء طعاماً؟"
التفت نحوها وأجاب بنبرة مرتبكة:
— "أجل.. ولكنني لا أعرف أين أجد الطبيب تحديداً."
أشارت له نحو نهاية الممر قائلة:
— "اصعد إلى الطابق الأخير، هناك تقع استراحة الأطباء وستجدهم." شكرها الرجل والتف متظاهراً بالصعود. استدارت سيرا نحو الباب ومدت يدها لتمسك بالمقبض المعدني، لكن قبل أن تفتحه، امتدت يد أخرى من خلفها وقبضت على المقبض. رفعت سيرا عينيها لتتأمل اليد، ثم التفتت لتلتقي عيناها بعيني أليكس الذي كان يقف خلفها وعلامات الحيوية قد عادت لوجهه.
ابتسم أليكس وقال:
— "بحثتُ عنكِ في الجامعة اليوم، فأخبرتني العصفورة أن لديكِ مناوبة اليوم في المشفى.. لذا قررتُ أن أحضر لكِ الوردة والقهوة بنفسي هذه المرة."
اتسعت ابتسامتها وشعرت بدفء يجتاح صدرها، فأخذت منه الهدية وقالت بخفوت:
— "وهل العصفورة التي اخبرتك هي ريتا؟"
ضحك اليكس مأكداً على كلامها:
-"نعم هي من اخبرتني "
سيرا وهي تبتسم :
-"كنت اعلم "
تأمل ملامحها ثو قال لها بنبرة حملت بعض الفضول
— "سيرا..."
همست وهي تنظر إليه:
— "امم؟"
سألها بقلق:
— "هل ما زلتِ غاضبة من فيلكس بسبب ما حدث؟"
هزت رأسها ببطء وقالت:
— "لا، لم أغضب.. لكنه صدمني حقاً عندما وقف أمامي وقال..."
صمتت لثانية، ثم بدأت تقلد لهجة فيلكس الحادة باستهزاء:
— "ابتعدي عن أليكس الآن!"
لم يستطع أليكس تمالك نفسه، فضحكة على تقليدها ، لتبادله سيرا الابتسام والضحك. تلاشت الضحكات تدريجياً، لتدقق سيرا النظر في ملامحه وتسأله باهتمام:
— "وأنت؟ كيف أصبحت الآن؟"
أجابها بثقة وهو يعدل من وضع سترته:
— "أنا بخير تماماً، لم أعد أشعر بأي ألم."
ضيقت عيناها بعدم اقتناع:
— "لا يهم ما تقوله، يجب أن أتفحص مؤشراتك بنفسي. سأقيس ضغط دمك، وحرارتك، ونبضات قلبك.. هيا تعال معي."
أمسكت بيده وبدأت تجره خلفها، بينما بدأ أليكس يتذمر بقلة حيلة وهو يحاول إبطاء خطواته:
— "لا.. لا داعي لكل هذا، قلت لكِ إنني بخير ولا أحتاج لقياس أي شيء!"
لم تستمع لعناده، بل أجلسته على المقعد وبدأت بفحصه
لكن المشكلة لم تكن في ضغطه...
بل في نظراته.
كان يراقبها طوال الوقت بطريقة أربكتها.
ثم أمسكت السماعة الطبية ووضعتها فوق صدره لتقيس نبضات قلبه.
اقتربت أكثر...
أكثر مما ينبغي.
رفعت عينيها نحوه دون قصد...
لتجده ينظر إليها بصمت عميق جعل أنفاسها تتبعثر.
همس أليكس فجأة:
— "أظن أن المشكلة ليست في نبضات قلبي."
ارتبكت فوراً وأبعدت السماعة عنه بسرعة:
— "أنت بخير... للأسف."
ضحك بخفة بينما أشاحت هي بنظرها محاولة إخفاء ابتسامتها.
وبعد دقائق، خرجا من الغرفة معاً.
قال أليكس وهو يستعد للمغادرة:
— "سأراكِ في مساءً."
لكن سيرا أوقفته:
— "انتظر.. سأتحقق لك أولاً إن كان بإمكانك استجواب المريض الآن أم لا."
دخلت إلى الغرفة المجاورة لتفحص حالة المريض، ووجدته قد استعاد وعيه بالكامل وعلاماته الحيوية ممتازة. خرجت إلى أليكس وقالت له:
— "الحالة مستقرة تماماً، لقد استعاد وعيه بالكامل ويمكنك الدخول لاستجوابه الآن."
ابتسم أليكس بامتنان قائلاً:
— "شكراً لكِ يا سيرا."
استدار أليكس ودخل الغرفة، بينما التفتت سيرا للمغادرة لكن قبل انت تتقدم لمحت شيئاً أسود يمرّ بسرعةٍ من زاوية عينها عند نهاية الممر.
التفتت، لكنها لم ترَ شيئاً. هزّت كتفيها وتجاهلت الأمر.
**بعد ساعتان. **
كانت تحمل دواء المريض بيدها وتتجه إلى غرفته. لكن قبل أن تبلغ الممر، رأته.
الرجل نفسه، بذات الخوذة السوداء، يدخل غرفة المريض بخطواتٍ سريعةٍ حذرة.
أسرعت إلى الغرفة وفتحت الباب دون استئذان.
لكن بمجرد ان فتحت الباب شهقت شهقة وافلتت صينية الدواء من يدها كان الرجل واقفٌ فوق المريض، وإحدى يديه مضغوطةٌ على أنف المريض وفمه، يحاول قتله قبل أن ينطق بحرفٍ واحد.
التفت إليها الرجل بسرعة، وعيناه تلمعان خلف شقّ الخوذة السوداء. لم يتردّد. ترك المريض وأسرع نحوها، مد يده لتمسك بمعصمها قبل أن تصرخ.
لكنّ سيرا تراجعت خطوة إلى الوراء، ورفعت صينيّة الدواء وبكلّ ما أوتيت من قوّة ضربته بها على معصمه.
أطلق لعنةً مكتومة، وتراجع خطوة الى الوراء،
وفي اللحضة نفسها صرخت سيرا صرخة واحدة حادة شقت سكون المشفى .
في ثواني امتلأ الممر باصوات الأقدام ، رجال الأمن، والممرضين والأطباء، حاولت سيرا الهروب لكنه كان أسرع.
التفّ حولها من الخلف، وذراعه تطوّق عنقها ، وسكّينه لاصقةٌ بحلقها.
رفع صوته وهو يسحبها للخلف:
- "إذا اقترب أحدٌ... أقسم أنّني سأقتلها
تجمّد الجميع.
وخلال ثواني كان اليكس داخل الغرفة ،لكن خطواته توقفت حالما رأها .
كانت محاصرة بين ذراعي الرجل ، وسكين الحادة ملاصقة لعنقها
صرخ احد رجال الأمن :
-"أتركها "
لكن الرجل ضغط على السكين اكثر وهو يهتف بجنون :
- "ابتعدو... إذا اقترب احد اقسم انني سأقتلها "
ولأول مرة منذ سنوات… لم يعلم أليكس كيف يتصرف.
وقف هناك، جامدًا، بينما عقله الذي اعتاد إيجاد مخرج لكل شيء بدا فارغًا بشكل مخيف.
كان خائفاً،خائفاً ليس من الرجل أمامه… بل من نفسه،
من أن يتخذ القرار الخطأ فيخسرها إلى الأبد.
او أن يدفعها هي ثمن خطئه.
رفع يده بسرعة مانعاً رجال الأمن من الأقتراب :
-" ابتعدو "
التفت احد رجال الامن إليه بصدمة :
-"لكن سيدي"
-"قلت ابتعدو "
خرج صوته حاد بطريقه اخافت الجميع.
عاد ينضر إلى الرجل محاول السيطرة على نفسه:
-" اهدأ.. لن يقترب منك احد "
لكن القاتل لم يكن يصغي ،كانت انفاسه مضطربة ،ويده المرتجفة تشد على السكين اكثر قرب عنقها
لكن سيرا كانت تحاول التنفّس. كانت يداه تعصران عنقها، والعالم يضيق أمامها.
وفي لحظةٍ خاطفة، جمعت كلّ ما تبقّى لها من قوّة، وغرست كوعها في بطنه بكلّ عنفها.
تأوّه وارتخت قبضته جزءاً من الثانية.
لكنها لم تتركه يستوعب شيئ استغلت الفرصة واستدارت لتلكمه بقوة في وجهه
تراجع خطوة إلى الخلف،بينما ركضت محاولة الأبتعاد عنه
لكنه لم يسمح لها.
التفّ، ومسكها من شعرها، و..... شق عنقها بالسكين.
رماها نحو رجال الأمن كأنها كيسٌ لا وزن له، ثمّ دار هارباً نحو النافذة.
لكنهم كانوا أسرع هذه المرّة. انقضّوا عليه وأمسكو به قبل أن يقفز.
سقطت سيرا على الأرض، والهواء لا يدخل رئتيها.
شعرت بيدين قويّتين تمسك بها بقوة. كان أليكس.
وجهه قريبٌ منها، شاحبٌ مرتعب، وعيناه تبحثان في وجهها عن أيّ أثر حياة.
"سيرا! انظري إليّ! سيرا!"
وضعت يدها على عنقها بلا وعي، تتحسّس الجرح.
رفعت يدها أمام عينيها، ورأت الدم يغطّي كفّها كاملاً.
بدأت الأصوات حولها تتداخل بشكل غريب، كأنها تأتي من مكان بعيد جدًا.
لم تعد تميّز ما يقوله أحد، ولا حتى ما يحدث حولها…
الصوت الوحيد الذي بقي واضحًا وسط ذلك التشويش كان صوته هو.
— "سيرا!"
سمعته وكأنه قريب وبعيد في الوقت نفسه.
رفعت عينيها نحوه بصعوبة، لكن الرؤية أمامها كانت تتلاشى تدريجيًا؛ الوجوه أصبحت ضبابية، والأضواء امتزجت ببعضها حتى لم تعد ترى شيئًا بوضوح.
شعرت بثقل غريب يجتاح جسدها، وبرودة تزحف إلى أطرافها ببطء، وصوته…
كان آخر شيء تمسكت به قبل أن يبتلعها الظلام بالكامل.