الفصل الثالث: قيود من الذهب
(فلاش باك: ممرات الثانوية)
في ممرات المدرسة الثانوية التي تضج بالحياة، كانت سيرا تقف أمام خزانتها المعدنية، تبحث بتركيز بين دفاترهـا عن كتاب الرياضيات. وفي تلك اللحظة، ظهر أليكس في نهاية الممر؛ كان يتقدم بخطوات هادئة كعادته. توقف عند خزانته التي لم تكن تبعد عنها سوى مسافة قصيرة، وبدأ في ترتيب أغراضه.
لم تقاوم سيرا فضولها، فسرقت نظرة خاطفة نحوه. كانت تتأمل ملامحه الجذابة التي تمتلك قدرة على لفت الأنظار؛ صمته الرزين، وهيبته. وبينما كانت غارقة في تأمله، التفت أليكس فجأة، لتصطدم عيناه بعينيها مباشرة.
ارتبكت سيرا ارتباكاً شديداً، وشعرت بحرارة تجتاح وجنتيها، فأدارت وجهها بسرعة البرق نحو خزانتها، متظاهرة بالانشغال. سحبت كتابها وحاولت المضي قدماً نحو الفصل بخطوات متعثرة من التوتر، لكن قبل أن تتجاوزه، التقيا وجهاً لوجه مرة أخرى.
هنا، لم يكتفِ أليكس بالنظر، بل ارتسمت على ثغره ابتسامة هادئة، ابتسامة كانت كافية لتجعل قلب سيرا يخفق بشدة لدرجة أنها شعرت بضعف في ركبتيها. تسمرت في مكانها لثوانٍ وهي تنظر إليه، بينما هو أكمل طريقه بهدوء، تاركاً إياها غارقة في ذهولها. رفعت سيرا يديها لتلمس وجنتيها المشتعلتين، وهي تحاول استجماع شتات نفسها قبل الدخول إلى الفصل.
*الحاضر*
بينما كان أليكس يقود سيارته مغادراً منزله، قطع سكون تفكيره رنين هاتفه . كان الاتصال من مركز الأمن؛ جريمة قتل وقعت للتو، والضحية الوحيدة التي نجت من طلق ناري نُقلت على الفور إلى المشفى لتلقي العلاج. لم يتردد أليكس، بل أجاب وهو يغير مسار قيادته: -"حسناً أنا في طريقي إليكم الآن."
******
على الجانب الآخر، كانت أروقة المشفى تعج بالحركة. سيرا، التي تخوض سنتها التدريبية الأخيرة، كانت تراقب وصول حالة طارئة؛ شاب مصاب بطلق ناري تحيط به الأجهزة والممرضون. هرع الأطباء لإنقاذه ودخلوا غرفة العمليات الصغرى، بينما بقيت سيرا تراقب من بعيد بصفتها كمتدربة، تحاول استيعاب الموقف المهني قبل أن تأتي ممرضة على عجل قائلة: "ايها الطبيب رجال الأمن في الخارج يسألون عن وضع المصاب وتفاصيل حالته."
نظر الطبيب المشرف إلى سيرا وقال:
-"سيرا، اخرجي أنتِ وقومي بإطلاعهم على حالته الحالية."
أومأت سيرا وخرجت، لكنها بمجرد أن رفعت رأسها، تجمدت الكلمات في حلقها. كان أليكس يقف هناك بطلته المهيبة، يتفحص أوراقاً في يده. تنهدت سيرا بضيق وقالت بنبرة هجومية:
-"أنت مجدداً؟ هل تلاحقني حتى إلى مكان عملي؟"
لم يبدُ على أليكس أي رد فعل عاطفي، بل رفع نظره إليها ببرودٍ تام لم تعهده منه. وبحركة رسمية صلبة، أخرج شارة التحقيق الخاصة به ورفعها أمام عينيها قائلاً:
-"المحقق أليكس سزايا.. جئتُ لـ..."
قاطعته سيرا بسخرية:
- "هل تستغل مهنتك الآن لكي تـ..."
بتر أليكس جملتها قبل أن تكملها، وقال بنبرة جليدية وصوتٍ خالٍ من أي مشاعر:
-"جئتُ لأستفسر عن حالة الضحية. كم من الوقت سننتظر حتى نستطيع استجوابه؟"
صُدمت سيرا من هذا التحول المفاجئ في معاملته. صمته وبروده جعلاها تشعر بإحراجٍ خفي، فتنحنحت وقالت برسمية مماثلة:
- "في هذا الوقت ، الأمر مستحيل. إنه يخضع لعملية جراحية لأخراج الرصاصة، وسيحتاج لوقت طويل للتعافي حتى يستعيد وعيه الكامل ويتمكن من الإجابة على أسئلتكم."
أومأ أليكس برأسه تعبيراً عن الفهم، ثم استدار ليمضي نحو المصعد. لكنه فجأة توقف، والتفت إليها مرة أخرى لتقابل عيناه عينيها، وقال بنبرة هادئة مستفزة :
- "أعتذر إن كان وجودي قد أزعجكِ."
ثم غادر بخطوات ثابتة دون أن ينتظر منها رداً. بقيت سيرا واقفة في مكانها، تشعر بغليان داخلي. "هل كان يستهزئ بي؟ هل يقصد ما حدث بالأمس؟" سألت نفسها بغضب. لكن سرعان ما تحول غضبها إلى تساؤلٍ أكثر عمقاً: "ولماذا انزعجتُ أصلاً من بروده؟ أليس هذا ما كنتُ أريده وأطلبه منه؟". تنهدت بإحباط وهي تبعثر خصلات شعرها بأصابعها، ثم عادت أدراجها نحو الطبيب المشرف.
*******
في الطابق السفلي للمشفى، كان زميله في القسم ينتظره بجانب سيارة الشرطة. ركب أليكس بجانبه والجمود يسيطر على وجهه.
سأله زميله باستغراب:
- "أليكس، أريد أن أفهم.. هذه المرة الأولى التي ترفض فيها ملاحقة المجرم وتصرّ على البقاء لمراقبة الضحية في المشفى بنفسك. ما السبب؟"
شغل أليكس المحرك ونظر إلى الطريق أمامه بجمود وقال:
- "لا شيء.. مجرد رغبة في التغيير."
انطلقت السيارة نحو القسم، وبينما كان زميله يتحدث عن تفاصيل الجريمة، كان عقل أليكس غارقاً في صورة سيرا بزيها الأبيض. لم يكن بروده معها إلا درعاً يحمي به قلبه من صدّها المتكرر، لكنه في أعماقه، كان قد بدأ بالفعل ينسج خطته القادمة؛ فهو لن يستسلم، وبروده اليوم لم يكن إلا هدوءاً يسبق العاصفة.
في قاعة الطعام الكبرى اجتمع جميع الأحفاد حول المائدة الطويلة. كانت الأجواء مزيجاً من البهجة بعودة الأحفاد والتوتر الخفي من هيبة المكان. كان سبنسر يتبادل الضحكات مع كايا، بينما كانت ياكيرا -أو "كير" كما يلقبونها- تجلس برقيّها المعهود بعد وصولها من اليابان في ذلك الصباح.
إلا أن هناك مقعداً واحداً ظل فارغاً ، مقعد أليكس.
نظرت كير إلى ساعتها، ثم التفتت نحو فيليكس وقالت بنبرة هادئة تحمل تساؤلاً:
-"فيليكس، هل أنت متأكد أن أليكس قادم لتناول الغداء؟ لقد تأخر كثيراً، وجدي على وشك الظهور."
أجاب فيليكس بتوتر ملحوض:
- "لا أعلم حقاً، لكنه أخبرني قبل مغادرته المنزل أنه سيحضر الاجتماع المسائي."
رفعت كير حاجباً وقالت بتشكيك:
-"قلتَ الاجتماع ؟ ... هل أخبرته بوضوح أن هناك غداء رسمي الآن؟"
رد فيليكس مرتبكاً:
- "لم أفعل ، لكنه معنا في مجموعة العائلة، وبالتأكيد قد قرأ الرسائل وعلم بالموعد."
ابتسمت كير بسخرية وقالت:
-" هل أنت تمزح! ألا تعرف أليكس؟ إنه يضع جميع مجموعات العائلة على وضع الصامت، ولا يقرأ الرسائل من الأساس، فهو يراها مضيعة للوقت."
ضرب فيليكس جبهته بيده وقال:
- "لقد نسيت هذا الأمر تماماً!"
حثته كير قائلة:
-"اتصل به الآن بسرعة، قبل أن يخرج جدي من جناحه."
أخرج فيليكس هاتفه بسرعة واتصل بشقيقه. جاء صوت أليكس عميقاً وغاضباً:
-"فيليكس، أخبرتك أنني سأحضر الاجتماع، ماذا تريد الآن؟"
قال فيليكس بارتباك:
-"أليكس، نسيت إخبارك أن الغداء مع الجدي سيبدأ الآن، والجميع بانتظارك."
رد أليكس ببرود لا يقبل النقاش:
- "لستُ متفرغاً للغداء، لديّ ضغط عمل هائل. أخبر جدي أنني مشغول ولن أحضر، سأكتفي بحضور الاجتماع في المساء."
صدم فيليكس وقال:
-"ماذا؟ لا يمكنني قول ذلك! أخبره أنت، أنت تعرف رد فعله."
رد أليكس بلهجة حاسمة:
- "فيليكس، أخي الصغير.. أنت من سيتولى إخباره، أنا لا أملك الوقت للجدال."
وقبل أن ينطق فيليكس بكلمة، انقطع الخط.
تنهد فيليكس بيأس ونظر إلى كير قائلاً:
- "لقد أغلق الهاتف في وجهي!"
انفجر الأحفاد بالضحك على تعابير وجه فيليكس المذعورة. لجأ فيليكس إلى كير وتوسل إليها:
- "كير.. حبيبتي، أنتِ الأقرب لأليكس ولجدي أيضاً، وتعرفين كيف تختارين كلماتكِ.. هل يمكنكِ إخبار جدي أن أليكس لن يحضر الغداء؟"
رفعت كير يديها بعلامة الرفض وقالت بضحكة خفيفة: -"لا شأن لي بهذا المأزق! أنت شقيقه، وأنت من تورطت، لذا عليك مواجهة العاصفة وحدك."
وفجأة، ساد الصمت المطبق. انفتح الباب الخشبي، ودخل الجد داميان بهيبته التي تجمد الدماء في العروق. وقف الجميع فوراً يؤدون التحية. جالت عينا الجد الصقريتان على الوجوه، ثم استقرت على المقعد الفارغ.
-"هل هناك احد ناقص؟"
تعرقت يدا فيليكس وهز يد كير سراً مستنجداً بها، لكنها وقفت بجماد وهي تهمس له:
- "تكلم!"
بلع فيليكس ريقه وقال بصوت مرتجف قليلاً:
- "نعم جدي.. أليكس."
عقد الجد حاجبيه وسأل بحدة:
-"ولماذا؟"
أجاب فيليكس بسرعة:
- "لديه ضغط عمل طارئ في قضية مهمة، سيهيئ الأمور ويأتي مباشرة لحضور الاجتماع في المساء ."
أومأ الجد برأسه إيماءة خفيفة، ثم أشار للجميع بالجلوس. طاولة تضم جميع الأحفاد البالغين، كل واحد منهم يحمل طموحاً وقوة، لكن غياب أليكس ترك ثغرة في تلك اللوحة، ثغراً يعرف الجميع أنه لن يُسدّ إلا بحضوره
********
حلّ المساء، واجتمع الأحفاد في قاعة الاجتماعات الكبرى؛ قاعة يطغى عليها الرخام الأسود والخشب الداكن، وتتوسطها طاولة مستديرة ضخمة. كان الجميع في أماكنهم، والجد "داميان" يترأس الطاولة، وعيناه تراقبان عقارب الساعة التي تجاوزت الموعد بدقائق.
نطق الجد بصوتٍ منخفض وهادئ، لكنه يحمل نبرة آمرة:
- "فيلكس، اتصل بشقيقك وتفقد مكانه"
ارتبك فيلكس وأخرج هاتفه بسرعة قائلاً:
-"حاضر جدي، سأفعل الآن.."
وقبل أن يضغط زر الاتصال، انفتح الباب الخشبي، ودخل أليكس بخطواته الهادئة المعتادة. توجه نحو الجد مباشرة، والقى التحيية عليه باحترام قائلاً:
-"أعتذر عن التأخير يا جدي، ضغط العمل كان خارج عن السيطرة."
ألقى التحية على البقية، ثم جلس في مقعده المخصص بجانب الجد، ليواجه "ياكيرا" التي تجلس على الجانب الآخر؛ فبصفتهما الأكبر سناً، كان موقعهما دائماً الأقرب للجد
بمجرد أن استقر الجميع في مقاعدهم، وقبل أن يبدأ الجد في شرح تفاصيل المشروع الجديد، ساد صمتٌ ثقيل. نظر الجد إلى أحفاده بعينين تقدحان صرامة، وبدأ يلقي كلماته التي يحفظونها عن ظهر قلب، لكنها كانت تقع على مسامع أليكس كأنها سياطٌ من حديد.
قال الجد بنبرة حادة:
- "قبل أن نبدأ في أي خطوة، عليكم أن تتذكروا من أنتم.. أنتم (سزايا)، والشخص الذي يحمل هذا الاسم يتطلب منه تضحياتٍ لا تقبل الجدال. قوانيننا هي حصننا، وأولها وأقدسها: أن دماءنا لا تختلط بغيرها. لا زواج، ولا ارتباط، ولا عهود خارج حدود هذه العائلة. نحنُ نكتفي بأنفسنا، ومن يخرج عن هذا القانون، يخرج من اسم العائلة إلى الأبد."
كان أليكس يشيح بنظره بعيداً، يحدق في الفراغ بينما قبضتا يده تشدان على حافة الطاولة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. هذا هو السبب الحقيقي الذي يجعله يكره هذه الاجتماعات؛ ففي كل مرة يذكره جده بأن حبه لسيرا ليس مجرد حلم صعب، بل هو "خيانة" في نظر هذه العائلة. كان يشعر بالاختناق، وكأن الجدران تضيق عليه.
التفتت ياكيرا إليه، ولاحظت ملامحه المشتعلة بالضيق المكتوم، فأدركت تماماً ما يدور في عقله، لكنها اكتفت بنظرة تحذيرية صامتة، وكأنها تقول له: "اهدأ.. ليس الآن وقت التمرد."
تابع الجد حديثه دون أن يرفّ له جفن: "القوة تكمن في نقاء السلالة، ومن لا يستطيع كبح مشاعره أمام مصلحة العائلة، فلا مكان له على هذه الطاولة."
تنحنح الجد وقال:
- "بما أن الجميع هنا، لنبدأ.
قررتُ توسيع آفاقنا وافتتاح فرعٍ جديد للشركة."
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يتبادل الأحفاد نظرات مصدومة؛ فمنذ شهرين فقط تم افتتاح فرع ضخم في أمريكا، والعمل عليه لم يهدأ بعد.
كسرت ياكيرا حاجز الصمت بسؤالها :
- "قرار جيد جدي.. هل حددت الدولة المستهدفة؟"
أجاب الجد بابتسامة :
-"نعم.. ستكون وجهتنا القادمة في كوريا الجنوبية."
تعجب آرثر قائلاً:
-"كوريا الجنوبية؟ جدي، هذه المرة الأولى التي نتجه فيها إلى هناك!"
علقت كايا:
- "صحيح، ولدينا بالفعل مركز قوي في اليابان، ألا يُعد ذلك مخاطرة؟"
رد الجد بهدوء وثقة:
- "التغيير ضرورة، والاقتراب من الأسواق الآسيوية الناشئة هو جزء من خطتي القادمة.. والآن، حان وقت توزيع المهام، وأتوقع منكم الدقة والاحترافية."
بدأ الجد بسرد المهام بشكل مفصل:
سبنسر (خطة التشغيل):
- "سبنسر، أنت المسؤول عن وضع الهيكل التشغيلي للفرع بالكامل، وتحديد كيفية سير العمل اليومي لضمان أعلى مستويات الإنتاجية."
كايا وفكتوريا (الديكور والتصميم):
- "كايا، فكتوريا، أريد منكما تصميم ديكورات تعكس اسم السزايا مع لمسة جمالية رائعة. ستقومان بالإشراف على التصميم الداخلي والخارجي للشركة ليكون أيقونة معمارية."
فيلكس (البناء والهندسة):
- "فيلكس، بصفتك المهندس البارع، ستتولى الإشراف الميداني على عمليات البناء والتأكد من جودة التنفيذ ومطابقته للمواصفات العالمية."
أليكس (الإجراءات القانونية):
- "أليكس، أريد منك تولي كافة العقود القانونية، وتراخيص العمل، وضمان توافق كل خطوة نقوم بها مع القوانين الكورية المعقدة."
آرثر (الموقع الاستراتيجي):
- "آرثر، مهمتك هي البحث الميداني لتحديد الموقع الأنسب للشركة في سيول؛ أريد مكاناً في قلب المركز المالي."
سارة (الموارد البشرية):
- "سارة، ستقومين بإجراء المقابلات واختيار الكادر الجديد من الموظفين؛ أريد نخبة من الكفاءات التي تليق بمستوى تطلعاتنا."
لينو (التسويق والإعلام):
-"لينو، ستتولى بناء الحملة الإعلامية والتسويقية للفرع الجديد، أريد أن يتحدث الجميع عن وصولنا قبل أن تفتح الأبواب."
- "وأخيراً.. ياكيرا وأليكس، بصفتكما الأكبر، ستكونان المشرفين العامين على جميع هذه الأقسام. أنتما المرجعية الأخيرة قبل أن تصل التقارير إليّ."
ختم الجد حديثه بنظرة حازمة شملت الجميع: -"الميزانية مفتوحة، لكن الوقت ليس في صالحنا. انصرفوا الآن، وأريد نتائج أولية على مكتبي الأسبوع القادم."
قطعت فكتوريا الصمت بسؤال حمل نبرة الحماس: -"متى سنبدأ العمل الفعلي يا جدي؟"
أجابها الجد بنبرة حاسمة:
- "في بداية الشهر القادم، أريد من الجميع أن يكونوا على أهبة الاستعداد."
أنهى الجد حديثه بإشارة من يده قائلاً:
- "والآن.. يمكنكم الانصراف."
نهض الجميع، وألقوا تحية المغادرة للجد قبل أن يخرجوا من القاعة . كان أليكس أول من غادر بخطوات سريعة، لكن ياكيرا لحقت به في الرواق الخارجي وقالت متسائلة:
-"أليكس، لِمَ تأخرت كل هذا الوقت؟ كاد جدي أن يفقد صبره."
أجابها وهو ينظر للأمام بجمود:
-"كان هناك الكثير من الأعمال انهيتها واتيت."
ثم صمت لثانية قبل أن يسألها:
- "وأنتِ؟ متى وصلتِ من اليابان؟"
ردت بهدوء:
- "وصلتُ في الصباح الباكر، ولم أحصل على قسط كافٍ من الراحة بعد."
أومأ لها قائلاً : "جيد."
التفت أليكس نحو شقيقه ونادى بصوت مسموع: -"فيلكس، أنا سأغادر الآن."
سأله فيلكس باستغراب وهو يقف بجانب سارة:
- "هل ستذهب إلى المنزل؟"
رد أليكس بكلمة واحدة "لا"، ثم استدار ومضى نحو سيارته دون إيضاح وجهته، تاركاً خلفه تساؤلات شقيقه.
في هذه الأثناء، كان آرثر وكايا يتبادلان حديثاً جانبياً ضاحكاً، مما أضفى لمسة من المرح على الأجواء الرسمية الثقيلة. وبدأ الأحفاد يتفرقون في باحة القصر، حيث استقل كل واحد منهم سيارته وانطلقوا في عتمة الليل.
*******
بعد انقضاء الاجتماع العائلي، لم يتجه أليكس إلى منزله لينال قسطاً من الراحة، بل قاد سيارته نحو المشفى؛ فحدسه يخبره أن "الضحية" قد يكون هدفاً سهلاً للمجرم ما دام على قيد الحياة. كانت الساعة قد دقت التاسعة مساءً عندما ترجل من سيارته ودخل المشفى التي كان أغلبها في أضواء خافتة وهدوءٍ موحش.
ضغط زر المصعد، وانتظر لثوانٍ. وعندما انفتح الباب، تجمدت نظراته؛ كانت سيرا تقف هناك. لم يتوقع وجودها في هذا الوقت المتأخر، وبدا أن المفاجأة قد عقدت لسانها هي الأخرى. تنحت سيرا جانباً ببطء لتفسح له مجالاً للدخول، فدخل بصمت وأغلقت الأبواب لتجمعهما في مساحة ضيقة غلفها التوترٌ.
كسر أليكس الصمت، دون أن يلتفت إليها، وبنبرة حملت مزيجاً من التساؤل والقلق:
- "لماذا أنتِ هنا في هذا الوقت المتأخر؟"
أجابت بصوتٍ متعب أرهقته ساعات العمل:
- "لديّ مناوبة الليلة، وعليّ مراقبة حالة المصاب بانتظام ."
عقد أليكس حاجبيه وقال بحزم:
- "الوضع خطر ،الأفضل أن تعودي للمنزل."
ردت بتنهيدة قصيرة:
- "ليس بيدي حيلة، أنا مجبرة على البقاء."
توقف المصعد وخرجا معاً إلى نفس الطابق. دخلت سيرا لغرفة المريض لتفحص مؤشراته الحيوية، بينما اتخذ أليكس مقعداً حديدياً في الممر، قريباً من الباب، مراقباً المكان . بعد فترة، خرجت سيرا والارهاق يضهر على ملامحها، فنهض أليكس وقال بهدوء:
- "سأذهب لإحضار القهوة، هل ترغبين في أن أحضر لكِ كوباً معي؟"
نظرت في عينيه طويلاً، وكأنها تبحث عن شيءٍ ما، ثم اومأت قائلة :
- "نعم، أرجوك."
غاب أليكس لعدة دقائق وعاد يحمل كوبين من القهوة الساخنة. جلسا جنباً إلى جنب على المقاعد الخالية، يشربان القهوة في صمتٍ غلفه الارتباك. كان أليكس يحاول فتح موضوعٍ ما، يفتح فمه ليتكلم ثم يصمت فجأة، يتردد وتخونه الكلمات لأول مرة في حياته.
لم تستطع سيرا منع نفسها من الابتسام على ارتباكه الظاهر، فقالت بضحكة خافتة:
-"إن كان لديك ما تقوله، فقله.. لا داعي لكل هذا التردد."
ابتسم أليكس، ثم نظر إليها بعمق وقال:
-"أود التحدث معكِ في موضوعٍ ، وأعلم أنكِ تدركين ما هو.. لكن الوقت والمكان الآن غير مناسبين. هل يمكننا اللقاء غداً بعد انتهاء محاضراتك؟"
هزت رأسها بالموافقة دون تردد:
- "حسناً."
سألها:
- "في أي ساعة؟"
أجابت:
- "في الرابعة عصراً، سأكون قد انتهيت."
رد قائلاً:
-"اتفقنا."
فجأة، قطع رنين هاتف سيرا تلك اللحظة . وكانت الممرضة تطلب حضورها لقسم الطوارئ لمعاينة حالة جديدة. تأففت سيرا بتعب:
-"لا بد لي من النزول الآن."
أومأ لها أليكس، وبينما بدأت تمشي مبتعدة، لم يستطع منع نفسه؛ فمد يده وأمسك بمعصمها. التفتت سيرا بسرعة، والتقت عيناهما في نظرة طويلة تاهت فيها الكلمات.
قال أليكس بنبرة دافئة ومنخفضة:
-"سيرا....غداً لا تنسي، بمجرد أن تنتهي اتصلي بي وسآتي لآخذكِ بنفسي."
أجابت بهمس:
-"سأفعل" وظلت تنظر في عينيه، لكنها لاحظت أنه لم يترك يدها بعد. خفضت بصرها نحو يده القابضة على معصمها، ثم رفعت عينيها إليه مجدداً .
شعر أليكس بنفسه في تلك اللحظة، فأرخى قبضته تدريجياً وترك يدها بارتباك قائلاً:
- "اذهبي الآن."
مضت سيرا نحو المصعد وقلبها يخفق بقوة، بينما بقي أليكس واقفاً مكانه، يراقب أثرها بابتسامة، مدركاً أن لقاء الغد سيغير الكثير.
********
استيقظت سيرا في وقت مبكر من ذلك الصباح،. كانت تشعر باضطراب غريب في أعماقها؛ مزيج من الحماس والقلق . هل هي سعيدة لأنها ستلتقي بـ أليكس؟ أم هي خائفة من تلك المشاعر التي بدأت تستيقظ من سباتها؟
نهضت من فراشها وقررت أن تكون في ابها صورة . وقفت أمام المرآة لحظةً طويلة، تتأمل اختيارها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة كأنها وجدت أخيرًا ماتريده.
اختارت سروالًا أسود واسعًا، وقميصًا مخططًا بالأبيض والأسود. وتقلدت ساعتها السوداء، ثم لمسة أخيرة من عطرها المفضل.
اتصلت بصديقتها ريتا، لتجدها غارقة في نومها. صاحت بها سيرا:
- "ريتا! استيقظي، ارتدي ملابسكِ هيا"
ردت ريتا بصوت ناعس:
- "أوه سيرا.. لا يمكنني ذلك، لدي موعد عند طبيب الجلدية اليوم، لن أستطيع المجيء."
تنهدت سيرا بخيبة أمل وقالت:
- "حسناً، كما تشائين."
في المطبخ، كانت والدتها قد أعدت مائدة الإفطار. جلست سيرا معها، لتفاجئها الأم بنظرة فاحصة قائلة:
-"ما كل هذه الأناقة اليوم يا ابنتي؟ هل لديكِ موعد مهم؟"
ارتبكت سيرا وقالت وهي تحاول إخفاء توترها: -"لا شيء يا أمي، مجرد رغبة في التغيير." وقبل أن تخرج، التفتت وهي تنتعل حذاءها ذو الكعب العالي وقالت:
-"لا تنتظريني على الغداء، سأذهب إلى المشفى بعد الجامعة وأتناول طعامي هناك."
مر اليوم الجامعي طويلاً ومثقلاً بالمحاضرات. كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً عندما وقفت سيرا أمام بوابة الجامعة. فجأة، تذكرت أنها لا تملك رقم هاتف اليكس! ماذا تفعل كيف ستتحدث معه وتخبره انها انتهت؟وبينما كانت في حيرة من امرها ، رن هاتفها برقم غير معروف.
أجابت بتردد، ليأتِها صوته:
- "سيرا؟ هل انتهيتِ؟"
تجمدت في مكانها وسألت بدهشة:
- "أليكس؟ نعم انتهيت، أنا بانتظارك.. لكن من أين لك رقمي؟"
أجاب :
- "دقيقتان وسأكون أمامك."
وبالفعل، بعد دقيقتين توقفت سيارته السوداء. ترجل منها اليكس، واتكأ على بابها بابتسامة. سألها:
- "هل تأخرت عليكِ؟"
شاحت بوجهها بعيداً وهي تحاول كتم ضحكتها:
- "لا، لم تتأخر.. ولكن لم تخبرني، من أين جئت برقمي؟"
اقترب منها أليكس حتى شعرت بلفح أنفاسه، وهمس في أذنها:
-"من مصادري الخاصة.."
ثم ابتعد قليلاً وغمزها ، تاركاً إياها في حالة من الذهول. فتح لها الباب قائلاً:
-"تفضلي."
ساد الصمت داخل السيارة، صمتٌ تقطعه فقط أنفاسهما. كسرت سيرا هذا التوتر قائلة:
- "إلى أين نحن ذاهبان؟"
أجاب وهو يركز بصره على الطريق:
- "إلى مكان هادئ سيعجبكِ."
بعد مدة، توقف أليكس بالسيارة وسط منطقة جبلية. نظرت سيرا حولها:
- "لماذا توقفت؟"
- "لقد وصلنا"
- "وصلنا؟ هل تمزح معي؟ لماذا أحضرتني إلى هنا؟ هل تنوي قتلي ورمي جثتي في الوادي؟"
انفجر أليكس ضاحكاً من أعماقه، ضحكة رنت في أرجاء المكان. بقيت سيرا تتأمل تلك الضحكة؛ فبالنسبة لها، كانت ضحكة أليكس هي أجمل مشهد يمكن أن تراه عيناها.
قال أليكس وهو يحاول استعادة أنفاسه:
- "لو كنت أنوي قتلكِ، لما اخترت هذا المكان الرائع.. هناك أماكن أخرى أكثر رعباً. هيا، تعالي خلفي."
بدأ أليكس في تسلق الجبل، بينما تعثرت سيرا في خطواتها الأولى. قالت بتذمر:
-"لو أخبرتني، لكنت ارتديت حذاءً رياضياً بدل هذا الكعب العالي!"
التفت إليها بابتسامة خفيفة وقال:
-"إذن أنتِ تعترضين على الحذاء فقط، وليس على فكرة التسلق معي؟"
أجابت:
- "نعم، لأنني أحب هذه الأماكن."
وفجأة، انزلقت قدمها فصاحت:
- "قلتُ لك إنني لن أستطيع! هذا المكان لا يصلح لهذه الثياب، وأنا لستُ مستعدة."
توقف أليكس عن السير، والتفت إليها بهدوء. مدّ يده نحوها. نظرت سيرا إلى كفه الممدودة، وشعرت بترددٍ يمزق أحشاءها. هل تمسك بها وتسمح له بالدخول إلى عالمها مجدداً؟ أم تبقى وحيدة في الأسفل؟ كانت يدها ترتجف وهي تقترب من يده، وفي لحضة صراع، استسلمت ووضعت كفها في كفه الدافئة.
سحبها نحوه برفق حتى وقفت بجانبه
.بمجرد أن وصلا إلى القمة، أفلتت سيرا يد أليكس وتقدمت خطوات قليلة نحو الحافة الصخرية. اتسعت عيناها بذهول وهي تتأمل المدينة،
استنشقت الهواء النقي بعمق، وارتسمت على وجهها ابتسامة نابعة من القلب، وقالت بنبرة ملؤها الانبهار:
-"أليكس.. انظر! المكان جميل للغاية، لم أكن أتخيل أن العالم يبدو بهذا الهدوء من هنا.."
كانت سيرا مأخوذة بسحر الطبيعة، لكن أليكس لم يكن ينظر إلى الأفق؛ كانت عيناه مثبتتين عليها هي، وكأنها المنظر الوحيد الذي يستحق التأمل.
التفت أليكس نحو سيرا وبدت على وجهه ابتسامة خبيثة، وقال:
-"أخبريني يا سيرا.. هل لا زلتِ تتعلمين حركات 'التيكوندو' تلك؟ أم أنكِ استسلمتِ أخيراً؟"
توقفت سيرا ونظرت إليه بصدمة، ثم رفعت رأسها بكبرياء وقالت: "استسلمت؟ لقد أنهيت تدريباتي منذ زمن طويل، وأصبحتُ الآن مدربة تيكوندو معتمدة!"
اتسعت ابتسامة أليكس وقال وهو يهز رأسه: "مدربة؟ مسكينٌ من يقع تحت يديكِ! أتذكرين عندما كنتِ تفرغين كل طاقتكِ وتطبقين حركاتكِ القتالية على رينيه؟"
ضحكت سيرا وقالت:
-٢ "بالطبع أتذكر! لقد كانت فتاة مستفزة للغاية، لم أكن أطيق رؤيتها."
هنا، توقف أليكس ونظر إليها بخبث قائلاً:
-"لا، لم تكن مستفزة.. أنتِ فقط من كنتِ ترينها كذلك."
تسمرت سيرا في مكانها وقالت بنبرة استنكارية: -"أنا؟ مستحيل! بل كانت هي المستفزة، ولماذا قد أراها كذلك إن لم تكن هي بالفعل هكذا؟"
اقترب أليكس خطوة، وقال وهو يضحك بصوت خافت:
- "كانت تستفزكِ لأنها كانت تقترب مني باستمرار، أليس كذلك؟"
فتحت سيرا فمها من شدة الصدمة، ولم تجد حرفاً واحداً تنطق به. شعرت بدمائها تغلي من الإحراج والغضب معاً، فأدارت وجهها عنه بسرعة وكتفت يديها أمام صدرها، تماماً كما كانت تفعل عندما تغضب.
لم يكتفِ أليكس بذلك، بل تابع وهو يغرق في ضحِكه:
-"قولي الحقيقة يا سيرا.. عندما اعترفت لي بحبها في ذلك اليوم، ذهبتِ وضربتها بحجة أنها سرقت قلمكِ المفصل، لكن الحقيقة كانت أن قلمكِ انت من وضعتيه في حقيبتك وكان هناك طوال الوقت!"
تجمدت سيرا مرة أخرى، وشعرت أن كل حصونها قد انهارت. وبينما كانت تحاول الهرب بنظرها بعيداً، مدّ أليكس يده و أمسك ذقنها، وأدار وجهها لتقابل عيناه مباشرة. خفتت نبرة صوته لتصبح أكثر عمقاً وصدقاً، وقال:
-"لكنني لم أحبها يوماً يا سيرا ... لأنني كنت احبك انتي"
في تلك اللحظة، شعرت سيرا وكأن صاعقة من المشاعر قد ضربت قلبها. تسع سنوات.. تسع سنوات وهي تنتظر هذه الكلمة، تخيلتها بآلاف الطرق، لكنها لم تتوقع أن تأتي هكذا. شعرت بحرارة شديدة تجتاح وجنتيها حتى صبغتهما باللون الوردي، وقلبها لم يعد ينبض، بل أصبح يقرع طبولاً داخل صدرها.
ابتعد قليلاً ليعطيها مساحة للتنفس، ثم نظر إلى الأفق البعيد وقال بصوت هادئ:
-"سيرا.. أنا لا أقول هذا الآن لمجرد نبش الماضي. لقد ضاعت منا تسع سنوات في التيه، وأنا اليوم أقف أمامكِ ليس كـ 'أليكس' المراهق الذي هرب، بل كرجلٍ يعرف تماماً ماذا يريد."
التفت إليها مرة أخرى وقال:
"أريد أن أطوي كل تلك الصفحات، وأبدأ معكِ كتاباً جديداً تماماً.. أريد ارتباطاً حقيقياً يبدأ من هذه اللحظة،. أريد أن أكون بجانبكِ، ليس كذكرى، بل كحاضرٍ ومستقبل."
لم تحتمل نظراته ، فأبعدت وجهها قليلاً وهي تحاول التقاط أنفاسها المبعثرة، وقالت بارتباك واضح:
- الجو.. الجو حار جدا اليس كذالك؟
ابتسم أليكس على هروبها اللطيف وقال :
- "لا أريدكِ أن تقرري الآن تحت تأثير المفاجأة. خذي كل وقتكِ في التفكير، فكما انتظرتِ تسع سنوات، يمكنني أن أنتظر دهراً لأسمع ردكِ.. المهم لدي الأن هو أنكِ علمتِ الآن مكانك في قلبي."
نظرت سيرا إلى عينيه، وفي اللحظة التي كانت ستتحدث فيها انطلق صوت رنين هاتف أليكس فجأة. زفر أليكس بضيق وهو يرى اسم المتصل: -"إنه فيليكس."
أجاب أليكس، ليأتيه صوت أخيه المستعجل: -"أليكس! أين أنت؟ تعال فوراً، أريد رؤيتك قبل أن أعود إلى أمريكا، طائرتي ستقلع في تمام الحادية عشرة ليلاً."
رد أليكس بهدوء:
- "حسناً، سآتي الآن."
أغلق الهاتف ونظر إلى سيرا بأسف:
- "يجب أن أعود، أخي سيسافر الليلة ويجب أن أودعه."
أومأت سيرا برأسها وتفهمت الموقف قائلة: "حسناً، لا بأس."
بدأ أليكس بالنزول أولاً، ثم التفت ومد يده إليها مرة أخرى. هذه المرة، لم تتردد سيرا؛ أمسكت يده بقوة، وشعرت بتلك الرعشة الجميلة تسري في جسدها مرة أخرى. نزلا معاً، وركبا السيارة متجهين نحو المدينة، بينما كان الصمت سيد المكان.كان أليكس يقود بهدوء، وعيناه تراقب الطريق بينما كان عقله في مكان آخر تماماً. التفت نحو سيرا وسألها:
- "أين أوصلكِ؟ إلى البيت أم إلى المشفى؟"
أجابت سيرا وهي تحاول استعادة ثباتها:
-"إلى المشفى، من فضلك."
تذكر أليكس فجأة وسألها باهتمام:
- "صحيح، كيف حال ذلك المريض الآن؟"
تنهدت سيرا وقالت:
- "إنه أفضل حالاً من قبل، لكنه بدأ يهلوس بأشياء غريبة وغير مفهومة."
عقد أليكس حاجبيه باهتمام ، وسألها:
-" ماذا تعني؟ ماذا يقول؟"
ردت سيرا:
- "كان يتفوه بكلمات غريبة جداً.." ثم تابعت وهي تفتح حقيبتها:
- "لقد توقعتُ أن تسأل، لذا كتبتُ لك كل ما قاله في هذه الورقة."
مدت يدها بالورقة، فأخذها أليكس ووضعها جانباً وهو يشكرها بنبرة ممتنة. عاد الصمت ليحل مجدداً، لكن أليكس، اقرر ان يكسر الصمت، ضحك بخبث وقال:
-"سيرا.. أريد أن أسألكِ سؤالاً."
كانت سيرا تمسك بهاتفها، فأغلقته ووضعته في حقيبتها ثم التفتت إليه قائلة:
-"تفضل، اسأل."
قال أليكس والابتسامة لا تفارق وجهه:
- "ماذا ستفعلين إذا رأيتِ رينيه فجأة الآن؟"
نظرت إليه سيرا ببرود مصطنع في البداية، لكنها لم تستطع الصمود أمامه، فانفجرت ضاحكة معه. في تلك اللحظة، غفل أليكس عن الطريق، والتفت بكامل جسده تقريباً لينظر إلى وجهها وهو يشاركها الضحك.
وفجأة، اتسعت عينا سيرا برعب، وصرخت بأعلى صوتها:
-"أليكس!! انتبه.. أمامك!!"
التفت أليكس بسرعة ، ليتجمد الدم في عروقه؛ شاحنة ضخمة كانت تحتل مساره بالكامل. أليكس وهو يدير المقود بكل قوته محاولاً تفادي الاصطدام. نجح في تجاوز الشاحنة بأعجوبة، لكن سرعة الأنحراف جعلت إطارات السيارة تنزلق على الطريق العشببي.
فقد أليكس السيطرة تماماً.. صرخت سيرا وهي تغمض عينيها بقوة، بينما كان أليكس يحاول يائساً ان يوقف السيارة، ولكن دون جدوى. وبقوة، اصطدمت مقدمة السيارة بجذع شجرة ضخمة على جانب الطريق.
دوى صوت تحطم الزجاج واحتكاك المعدن، ثم ساد صمتٌ مرعب وموحش، لم يقطعه سوى صوت تصاعد الدخان من المحرك المحطم.
**********
لم يكن هناك سوى صوت طنينٍ حاد يمزق سكون المكان، طنينٌ جعل العالم يدور في رأس سيرا وكأنه لا ينتهي. حاولت بجهدٍ أن تفتح عينيها، لكن الأجفان كانت ثقيلة . شعرت ببرودة الهواء تتسلل عبر الزجاج المحطم، وبقطرات دافئة تسيل على جبهتها، لم تكن تعرف إن كانت مطراً أم دماءً.
فتحت عينيها أخيراً، لكن الرؤية كانت مشوشة، كل شيء من حولها تداخلت ألوانه ببعضها البعض. وسط هذا الضباب، مالت برأسها بوهن نحو جهة اليسار،
كان أليكس مستنداً برأسه على المقود المحطم والدم يتدفق من رأسه ، لكن الصدمة الأكبر كانت في الأسفل؛ حيث استقرت قطعة حادة من زجاج النافذة المحطم في بطنه، وكان النزيف حولها يزداد مع كل ثانية تمر.
رغم ضعفها الشديد؛ حاولت أن تحرك يدها المرتجفة لتصل إليه، أرادت أن تضغط على الجرح لتنقذ حياته، فخرج صوتها هزيلاً وهي تنطق باسمه للمرة الأخيرة:
-"أليكس.."
لكن جسدها خانها تماماً؛ فقبل أن تلمس يده، أسدل السواد ستاره على عينيها من جديد، وارتخى جسدها لتغرق في غيبوبة عميقة، تاركةً خلفها صمت الموت الذي بدأ يطبق على المكان.