لتفهمني عيناك - الفصل الثاني: صدى الصفارة الأولى - بقلم لتفهمني عيناك | روايتك

اسم الرواية: لتفهمني عيناك
المؤلف / الكاتب: لتفهمني عيناك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: صدى الصفارة الأولى

الفصل الثاني: صدى الصفارة الأولى

فلاش باك* ‏قبل تسع سنوات – ساحة مبنى الثانوية ‏مضى الأسبوع الأول لسيرا في مبنى الثانوية كأنه دوامة من الوجوه الغريبة والممرات المزدحمة. كانت قد بدأت تعتاد على نظام المدرسة، ‏كانت تسير بجانب صديقتها التي لم تتوقف عن الحديث عن "مباراة الموسم لكرة السلة "، بينما كانت سيرا تكتفي بهز رأسها بصمت، والفضول بدأ يتسلل إليها ببطء. ‏دخلتا الصالة الرياضية، كان الزحام خانقاً والهتافات تملأ الأجواء. جلست سيرا في الصفوف الأولى، حتى أطلق الحكم صافرته، ودخل فريق "ثالث ثانوي" إلى أرض الملعب. ‏وبدأوا للاعبين بالدخول، وقعت عيناها على احد اللاعبين الذي كان يرتدي قميص بالرقم (10) ‏لم تكن تعرف من هو، ولا حتى ما هو اسمه، لكنها لم تستطع إزاحة نظرها عنه. كان شاباً طويلاً بنحافة رياضية في السابعة عشرة من عمره، كان يمتلك ملامح حادة وجذابة رغم صغر سنه. فكه كان بارزاً بوضوح، وشعره الأسود الكثيف كان طويلاً بعض الشيء، ينسدل بعفوية على جبينه ويغطي عينيه كلما ركض أو قفز، فكان يزيحه بيده بحركة سريعة بدت لسيرا في تلك اللحظة وكأنها أجمل ما رأت. بدأت المباراة، ووجدت سيرا نفسها تراقب "صاحب الشعر الأسود" بدلاً من ملاحقة الكرة. كانت حركاته خفيفة وسريعة، يراوغ بمهارة تجعل الجميع يهتف، لكنها كانت صامتة، مأخوذة بتلك الهالة التي تحيط به. ‏وفي لحظة مفاجئة، طارت الكرة بقوة خارج حدود الملعب، واتجهت مباشرة نحو المكان الذي تجلس فيه سيرا. لم يكن لديها وقت للرد، لكنه كان أسرع. اندفع نحوها ليلحق بالكرة قبل أن تبتعد، وتوقف فجأة أمامها تماماً. ‏كانت المسافة بينهما لا تتعدى السنتيمترات. كان يلهث بقوة، وقطرات العرق تلمع على وجهه، وخصلات شعره السوداء مبعثرة على عينيه بشكلٍ فوضوي. في تلك الثانية، رفع نظره إليها، والتقت عيناهما وجهاً لوجه. ‏تجمدت الدماء في عروق سيرا. شعرت بحرارة غريبة تجتاح وجنتيها، وكأن الصالة كلها اختفت ولم يتبقَ سوى هذا الشاب أمامها. كانت نظراته عميقة وهادئة لدرجة جعلتها ترتبك بشكل لم تعهده في نفسها من قبل. لم تكن تعرف لماذا تشعر بهذا الضغط في صدرها، لكنها أدركت في تلك اللحظة أن "صاحب الشعر الأسود" قد ترك أثراً داخلها لن يزول بسهولة. ‏التقط الكرة وعاد إلى الملعب ، بينما بقيت هي مكانها، تحاول استعادة أنفاسها. كانت تراقب ظهره وهو يبتعد، وتسأل نفسها بصمت: "من يكون هذا؟ ‏ *الحاضر* استيقظت سيرا على صوت رنين هاتفها الذي اخترق سكون غرفتها. مدّت يدها بتثاقل وأجابت بصوتٍ يملؤه النعاس: "مرحباً.." ‏جاءها صوت ريتا العالي والمندفع من الطرف الآخر: - ‏"سيرا؟ هل يعقل أنكِ لم تستيقظي بعد؟ هيا انهضي بسرعة، لقد تأخرتِ كالعادة والمحاضرة ستبدأ قريباً!" ‏تنهدت سيرا وهي تفرك عينيها، وحاولت استجماع شتات نفسها: - ‏"حسناً، حسناً يا ريتا.. أنا مستيقظة، سأكون هناك خلال وقت قصير." ‏أغلقت الهاتف وأسندت رأسها إلى ركبتيها وهي تتنفس بعمق. رغم محاولتها الانشغال بالاستعداد، إلا أن طيف أليكس كان لا يزال يطاردها منذ الليلة الماضية. كانت تخشى اللقاء مجدداً، ليس كرهًا فيه، بل خوفاً من تلك المشاعر القديمة التي ظنت أنها دفنتها تحت ركام السنوات. كانت تدرك أن رؤيته تعني نبشاً في جراحٍ بدأت تلتئم بصعوبة، وتخشى أن تضعف أمام ذلك الحنين الذي بدأ يطرق أبواب قلبها بعنف. "أرجوك، لا تظهر ثانية،" همست لنفسها بصوتٍ خافت، وهي تتمنى أن يظل الماضي في مكانه.. بعيداً ومطوياً. ‏****** ‏في تلك الأثناء، كان الهدوء يحيط بطاولة الإفطار في منزل عائلة أليكس. جلس أليكس يرتشف قهوته بصمت، لكن بريقاً غريباً في عينيه لم يغب عن ملاحظة والدته التي كانت تراقبه ، كسر أليكس الصمت بسؤالٍ حمل في طياته لهفةً خفية: " - ‏أمي.. هل حقاً سيعود فيليكس من أمريكا غداً؟" ‏أومأت والدته بابتسامة هادئة وقالت: ‏"نعم يا بني، سيأتي لزيارة خاطفة تمتد ليومين فقط قبل أن يعود لمتابعة عمله هناك." ‏صمتت قليلاً وهي تتأمل وجهه، ثم أردفت بنبرة تملؤها الحيرة: "أراك اليوم منشرح الصدر، وعلى غير عادتك تبدو السعادة واضحة على وجهك ما الخبر؟" ‏رسم أليكس ابتسامة خفيفة على شفتيه، وحاول مواراة شعوره خلف قدح القهوة قائلاً: - ‏"لا شيء يا أمي، مجرد نوم جيد ليس الا" ‏في هذه اللحظة، سُمع صوت وقع خطوات واثقة على الأرضية الرخامية؛ كانت فكتوريا، أو "فكي"، كما يلقبونها تتقدم نحو طاولة الطعام. كانت تبدو في غاية الأناقة ببنطالها الأسود وقميصها الخمري، يغطيها معطف جوخ أسود طويل، وقد زادها الكعب العالي الذي ترتديه طولاً ‏اقتربت من أليكس الذي كان لا يزال جالساً على كرسيه، ثم انحنت نحوه قليلاً وقالت بنبرة يملؤها الخبث : - ‏"كنت أتسأل... لِمَ يبدو أخي العزيز مبتهجاً اليوم؟" ‏ثم زادت من انحنائها لتقترب من أذنه، وقالت بنبرة مفعمة بالحماس والفضول: - ‏"أجبني.. هل أنت تواعد؟" ‏تراجعت فكتوريا إلى الوراء فجأة وهي تطلق ضحكة رنانة، ونظرت إليه بتشكيك قائلة: - ‏"مستحيل! أليكس؟ أليكس الذي لم أره يوماً برفقة فتاة؟ لالا.. أظن أيضاً أنه لا يتقن فن الغزل أو التودد إليهن أصلاً!" ‏ضحك أليكس على مشاكسة أخته الصغرى، ولم يزد على أن هز رأسه بيأسٍ . عدلت فكتوريا حقيبتها وقالت وهي تتجه نحو الباب: - ‏"أنا ذاهبة.. وداعاً." ‏بقي أليكس يراقب رحيلها، ثم التفت إلى والدته، فنهض مسرعاً وجمع أغراضه وشارة التحقيق الخاصة به. اقترب من والدته وطبع قبلةً على جبينها وقال: - ‏"أنا ايضاً سأغادر امي وداعاً" ‏خرج أليكس من المنزل وركب سيارته، لكنه لم يقدها فوراً؛ بل أراح رأسه على المقعد وأغمض عينيه للحظة. كان يشعر بثقلٍ في صدره لم تعهده ملامحه الهادئة من قبل. تسع سنوات كانت كفيلة بجعل قلبه حصناً منيعاً، لكن مواجهة الأمس في المقهى حطمت كل تلك الأسوار في دقائق. ‏أدار المحرك وبدأ يقود في شوارع المدينة، كانت يده تتردد فوق المقود بشكلٍ غير اعتيادي، تارةً تميل نحو الطريق المؤدي إلى مركز الشرطة حيث القضايا والملفات التي يتقن التعامل معها، وتارةً أخرى تشده نحو الطريق المؤدي إلى جامعة سيرا، حيث توجد تلك الفتاة التي لم يستطع نسيانها يوماً. ‏كان يخشى أن ترفضه، أو أن نظرة البرود التي واجهته بها بالأمس هي الحقيقة الوحيدة التي تبقت بينهما. لكنه في الوقت ذاته، كان يشعر بجاذبيةٍ لا تُقاوم تسحبه نحوها؛ فكرة أن يراها مجدداً، أن يشرح لها ما عجز مراهقٌ متهور عن قوله قبل تسع سنوات، كانت تطغى على كل حواسه. ‏- "هل أفسد كل شيء بذهابي؟" ‏سأل نفسه بضيق، وهو يراقب الطريق الممتد أمامه. ‏لكن الشوق في النهاية كان أقوى من الخوف، وأكثر حدة من التردد. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وواثقة، وكأنه وجد أخيراً الإجابة التي كان يبحث عنها في صمته الطويل. ضغط على المقود بقوة، واتخذ قراره النهائي الذي لم يعد فيه مجال للرجوع. ‏"سأذهب إليها. ********* وصلت سيرا إلى باحة الجامعة وهي تشعر بضغط الوقت، التقت بريتا التي كانت تنتظرها عند المدخل بملامح نافدة الصبر. ‏قالت سيرا وهي تلتقط أنفاسها: - "ريتا، سأسرع الآن لحضور المحاضرة، انتظري هنا حتى أنتهي لنذهب معاً إلى التسوق كما اتفقنا." ‏أجابت ريتا وهي تعبث بهاتفها: -"حسناً، لا تتأخري، سأكون في انتظارك." ‏مرت ساعتان من التركيز المتقطع، خرجت بعدها سيرا من القاعة. وبينما كانت تسير في الممر الطويل، رأت ريتا تقف في زاوية بعيدة، لكنها لم تكن ريتا المعتادة؛ كانت ملامحها تعكس حيرةً شديدة، وكانت تحرك يديها وتهمس بكلمات غير مفهومة وكأنها تخوض حواراً مع نفسها. ‏اقتربت سيرا منها وعقدت حاجبيها متسائلة: - "ريتا؟ ما بكِ؟ هل حدث شيء ما؟" ‏التفتت ريتا إليها، وبدت وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال لتفرغ ما في جعبتها، وقالت بنبرة يملؤها الانبهار: -"سيرا.. لا تصدقي! قبل قليل، جاء شابٌ وسيمٌ للغاية، وسأل عنكِ.. أراد معرفة كل شيء، جدولكِ، مكان سكنكِ، وفي اي سنة انتِ ومعلومات عنكِ." ‏توقف قلب سيرا للحظة، وقفزت إلى ذهنها صورة "صاحب الشعر الأسود"، لكنها حاولت طرد الفكرة بسرعة، وسألتها -بتردد: "هل.. هل كان الشاب طويلاً؟" ‏أجابت ريتا بحماس: -"نعم، طويل جداً!" ‏بدأت ملامح الصدمة ترتسم على وجه سيرا، وتابعت بسؤال أكثر دقة: " - وهل كان شعره أسود؟" ‏هزت ريتا رأسها بسرعة: - "نعم، شعره أسود كليل!" ‏سألت سيرا بصوت خافت هذه المرة: - "وهل كان.. وسيم القوام وحاد الملامح؟" ‏صرخت ريتا: - "وسيم؟ بل كان يخطف الأنفاس!" ‏هنا، فقدت سيرا السيطرة على أعصابها وصرخت في وجه صديقتها: -"وأنتِ؟! هل أخبرتِه بكل شيء؟ هل أعطيتِه معلوماتي؟" ‏ردت ريتا ببراءة مستفزة: - "نعم، فعلت! كيف لي أن أرفض طلباً لشخصٍ بجماله؟" ‏وضعت سيرا يدها على رأسها وكأنها تحاول منع عقلها من الانفجار، وقالت بحدة: - "أنتِ حمقاء! أهكذا ببساطة؟ أي شخص غريب يسألكِ عني تعطينه كل تفاصيل حياتي؟" ‏لم تبدُ ريتا متأثرة بتوبيخ سيرا، بل مالت برأسها وقالت بنبرة حالمة: - "لكنه لم يكن أي شخص يا سيرا.. يبدو فاحش الثراء! تخيلي، لقد رأيته يركب سيارة (جي كلاس) سوداء ضخمة، كانت تلمع تحت الشمس بطريقة خرافية... ياإلاهي أتمنى أن يرزقني القدر بشخص مثله في المستقبـل!" ‏تنهدت سيرا بعمق، وشعرت أن الأمل مفقود في إقناع ريتا بخطورة ما فعلت. تركتها تتغنى بجمال السيارة وصاحبها، وتابعت سيرها نحو بوابة الجامعة بخطوات مثقلة بالهم، متجهة مع ريتا الى مركز التسوق وهي تدرك تماماً أن أليكس لن يتركها كما توقعت ، لقد بدأ يقترب فعلياً من دائرتها الخاصة. ****** ركن أليكس سيارته في زاوية بعيدة قليلاً عن مخرج الجامعة، يراقب بصمت خروج الطلاب. حين ظهرت سيرا برفقة صديقتها، شعر بغصة في حلقه؛ كانت تبدو مجهدة قليلاً، لكنها لا تزال تحتفظ بتلك الهالة التي تميزها عن الجميع. ‏أمسك بالورقة التي دوّن فيها المعلومات التي استدرج بها ريتا، وبدأ يقرأها بعينين تلمعان بالفخر: "السنة السابعة.. كلية الطب".ابتسم ابتسامة دافئة، وعادت به الذاكرة إلى أروقة المدرسة الثانوية حين كانت سيرا في السادسة عشرة من عمرها. لم تخبره هو بحلمها آنذاك، بل كان يراقبها من بعيد وهي تجلس مع صديقاتها، تلوح بيديها بحماس وتقول بصوتٍ واثق: "سأكون طبيبة بلا شك". كان يبتسم لصورتها تلك، واليوم، يراها وقد أوشكت على التخرج ‏"لقد حافظتِ على وعدكِ لنفسكِ يا سيرا،" ‏لقد فعلتها حقاً،" همس لنفسه بذهول، ثم أدار محرك السيارة ببطء ليتتبع مسارهما دون أن يثير انتباههما. ‏داخل المول، ترجل أليكس من سيارته وحافظ على مسافة آمنة. كان يراقبها من بعيد كأنه حارسٌ لها يتأمل طريقة مشيتها الواثقة، وكيف تميل برأسها حين تضحك من تعليقات ريتا الساخرة. كان يكتفي بالنظر، يتأمل ملامحها وكأنه يعوض سنوات الحرمان. حتى دخلتا إلى مطعمٍ هادئ في الطابق العلوي. ‏دخل أليكس بعدهما بدقائق، واختار طاولة تقع خلفهما تماماً، بحيث لا تستطيع سيرا رؤيته إذا لم تلتفت. طلب كوباً من القهوة، وجلس يستمع إلى صدى صوتها القريب، مستمتعاً برائحة حضورها التي ملأت المكان من حوله. ‏فجأة، اهتز هاتفه في جيب معطفه؛ كان اتصالاً عاجلاً من مديرية الأمن. أدرك أن عليه المغادرة فوراً، لكنه لم يرد أن يرحل دون أن يترك أثراً. نهض بهدوء، وتوجه نحو المحاسب، أخرج محفظته ودفع حساب طاولتهما بالكامل، ثم اتجه نحو المخرج بخطواتٍ ثابتة. ‏في هذه الأثناء، انتهت سيرا من غدائها وتوجهت نحو المحاسب وهي تخرج بطاقتها البنكية. - ‏"الحساب للطاولة رقم خمسة، من فضلك،" ‏نظر إليها المحاسب بابتسامة وقال: - "الحساب مدفوع يا آنسة." ‏توقفت يد سيرا في الهواء، وعقدت حاجبيها باستنكار: -"مدفوع؟ من دفعه؟" ‏أشار المحاسب بيده نحو الباب الزجاجي للمطعم: - "ذلك الشاب الذي خرج للتو، صاحب المعطف الأسود" ‏التفتت سيرا بسرعة، ولم يحتج قلبها لأكثر من ثانية ليتعرف على ذلك الشاب والظهر العريض. إنه هو! "أليكس!" صرخت في سرها، وشعرت بموجة من الغضب والارتباك تجتاحها. ‏ركضت نحوه بخطواتٍ غاضبة، وقبل أن يفتح باب الخروج، قبضت على معطفه من الخلف وشدته بقوة ليلتفت إليها. -‏"هيي أنت! توقف مكانك!" صاحت بنبرة حادة جذبت أنظار الموجودين. ‏استدار أليكس ببطء، محافظاً على هدوئه المستفز. نظرت إليه سيرا بغضب وقالت: - "من أعطاك الحق لتدفع حسابي؟ هل تظن أن مالك يمنحك السلطة لتقتحم خصوصيتي وتلاحقني؟" ‏في تلك اللحظة، ركضت ريتا نحوهما محاولةً تلطيف الأجواء، وقالت بارتباك: - "سيرا، اهدئي قليلاً! الرجل لم يفعل شيئاً سيئاً، لقد كان مجرد موقفٍ عفوياً ولطيفاً لا أكثر." ‏التفتت إليها سيرا وقالت بحدة وهي تشير بإصبعها نحو أليكس: -"لا يا ريتا، ليس موقفاً عفوياً! هو يظن أن بإمكانه شراء الجميع بالمال، وان شيئاً مثل هذا تجعل له فضلا علي" ‏نظر أليكس إلى عيني سيرا المشتعلتين، وقال بنبرة ر هادئة: - "أعتذر بشدة إن كان تصرفي قد فُهم على أنه محاولة لاستعراض القوة أو المال. لم يكن ذلك ما اقصده أبداً، وأعتذر بصدق إن تسببت لكِ بأي ازعاج" ‏ساد الصمت لثوانٍ. تجمدت الكلمات في حنجرة سيرا، وبقيت تحدق في عينيه بعمق، وكأنها تبحث فيهما عن "أليكس القديم" الذي كانت تعرفه، بينما كانت نظراته ثابتة، لا تهرب ولا تتردد. ‏كسرت ريتا الصمت وهي تنظر إلى أليكس بإعجابٍ وتوتر: -"أنا.. أنا أعتذر نيابةً عنها، هي فقط تشعر ببعض الضغط اليوم." ‏ابتسم أليكس ابتسامة خفيفة ، وقال وهو ينظر لسيرا وحدها: -"لا داعي للاعتذار أبداً. الآنسة سيرا مهما فعلت أو قالت، يستحيل أن أغضب منها." ‏ألقى نظرة أخيرة ممتلئة بالمعاني، ثم استدار ومشى بخطواتٍ واثقة نحو مخرج المطعم. ركب سيارته السوداء وانطلق مبتعداً. ‏أما سيرا، فقد بقيت واقفة في مكانها كأنها فقدت القدرة على الحركة. كانت تشعر بإعصار من المشاعر المتضاربة يمزق صدرها؛ غضبٌ عارم من جرأته، وارتباكٌ من كلماته التي لمست وتراً حساساً في قلبها، وشعورٌ غريب بالهزيمة لأنها لم تستطع الرد على هدوئه. كانت رائحة عطره لا تزال عالقة في الهواء من حولها، بينما كان عقلها يصرخ بضرورة النسيان، وقلبها يرتجف لأن "صاحب الشعر الأسود" قد عاد فعلياً، وهي لم تكن مستعدة لهاذا أبداً. ساد الصمت داخل السيارة أثناء طريق العودة، ولم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس سيرا المطربة كانت ريتا ترمقها بنظراتٍ تحمل مزيجاً من الحيرة والتعجب، فقالت أخيراً بنبرة هادئة: - "سيرا.. أخبريني، لِمَ قمتِ بتصعيد الموقف إلى هذا الحد؟ أعني، ليست هذه المرة الأولى التي يبادر فيها شابٌ بدفع حسابنا في مطعم، وقد حدث ذلك مراراً مع أشخاص لا نعرفهم، وكنتِ تتقبلين الأمر ببرودٍ تام وتكملين يومكِ كأن شيئاً لم يكن. لِمَ ثُرتِ في وجه هذا الشاب تحديداً بتلك الطريقة؟" تنهدت سيرا بعمق، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد، وقالت بصوتٍ خافت: - "لم ترق لي طريقته.. شعرتُ وكأنه يحاول فرض وجوده وسطوته عليّ." قاطعتها ريتا على الفور: - "لكن الذين دفعوا من قبله كانت طريقتهم مشابهة تماماً، بل إن بعضهم كان يفعل ذلك تفاخراً، ومع ذلك لم تلاحقيهم لتوبيخهم علانية في وسط المطعم!" سكنت سيرا ولم تجد جواباً. بدأت تغرق في بحرٍ من التساؤلات الداخلية المريرة؛ "لماذا فعلتُ ذلك حقاً؟". هل كان غضباً نابعاً من رغبتها في إبعاده عن عالمها؟ أم لأن رؤيته أيقظت ذلك الجزء الضعيف الكامن في أعماقها، الجزء الذي كان يوماً ما يترقب منه أقل التفاتة؟ كانت تشعر بصراعٍ طاحن بين كبريائها الذي يأبى عودته، وقلبها الذي اضطرب لمجرد رؤية طيفه وهو يغادر. في مديرية الأمن – قسم التحقيقات وصل أليكس إلى مكتبه والضيق يرتسم بوضوح على تقاسيم وجهه الحادة. وبمجرد دخوله، وجد ابن عمته "آرثر" جالساً بأريحية تامة، وقد وضع أمامه أطباقاً من الطعام تفوح رائحتها في المكان. رفع آرثر رأسه بابتسامة وقال: - "أخيراً عدت ! هيا، شاركني لنتناول هذا الطعام" نظر إليه أليكس ببرود تام وقال: -"ألهذا السبب ألححت في طلبك عبر الهاتف؟ ثم ما الذي جاء بك إلى هنا في هذا التوقيت؟ أليس من المفترض أن تكون في جامعتك الآن؟" تنهد آرثر وهو يكمل طعامه: -"في الواقع، لقد انهمرت عليّ الرسائل من كايا وليو وفكتوريا، وطلبوا مني جميعاً المجيء لإقناعك بالحضور معنا غداً إلى منزل جدي." تغيرت ملامح أليكس فور ذكر "الجد داميان سزايا"؛ ذلك الرجل المهيب الذي يدير شؤون العائلة بقبضة من الحديد. قال أليكس بحدة: - "لديّ الكثير من العمل، ولا يمكنني الذهاب." رد آرثر بإصرار: - "لن نطيل البقاء هناك، لأن جدي شدد على ضرورة رؤية الجميع فور وصول فيليكس وسارة من أمريكا غداً. يريد مناقشة مشروع جديد معنا، وحضورك إلزامي، لأن فيليكس لا يزورنا كل يوم." زفر أليكس بضيق، وفرك جبينه بتعب، ثم قال بقلة صبر: -"آرثر، حسناً.. سأحضر سأحضر. فقط كفّ عن الإلحاح الآن، وخرج من هنا توقف آرثر عن الأكل ونظر بتمعن إلى وجه أليكس وسأله بقلق: - "ما بك يا أليكس؟ لست على طبيعتك أبداً، هل حدث مكروه؟" رد أليكس وهو يفتح أحد ملفاته بحدة بالغة: - "لم يحدث شيء، أنا بخير، فقط اتركني وشأني الآن!" أدرك آرثر أن اليكس قد وصل الى حدة من الغضب ، فخرج بهدوء وأغلق الباب خلفه. وبمجرد خروجه، أخرج هاتفه وأرسل رسالة إلى المجموعة التي تضم فكتوريا وكايا ولينو: "لقد نجحتُ في إقناعه بصعوبة، سيكون معنا غداً" أما أليكس، فقد ألقى بقلمه جانباً واتكأ بظهره على الكرسي، وأغمض عينيه. كانت صورة سيرا وهي توبخه بمرارة أمام الملأ لا تفارق مخيلته. شعر بوخزة ألمٍ عميقة في صدره؛ فكرة أنها أصبحت تكنّ له كل هذا الكره كانت أثقل عليه من أي قضية جنائية واجهها. تساءل بمرارة: "أيعقل أنكِ تكرهينني إلى هذا الحد يا سيرا؟ هل بلغتِ مرحلة لا تطيقين فيها حتى وجودي؟" لكن سرعان ما انطفأ حزنه وحلّ محله إصرارٌ بارد؛ فهو أليكس سزايا، الرجل الذي لا يستسلم للهزيمة. لن يسمح لتسع سنوات من الفراغ أن تنتهي بمشاجرة عابرة في مطعم. سيعيدها إليه مهما كلّف الثمن، ومهما كانت الأسوار التي شيدتها . في الصباح التالي، كان الرواق الكبير في منزل عائلة اليكس يعجّ بحالة من الانتظار الممزوج بالبهجة. جلس أليكس في الزاوية المفضلة لديه، واضعاً حاسوبه المحمول على ركبتيه، وأصابعه تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح لمتابعة بعض التقارير العاجلة. بجانبه، كانت فكتوريا غارقة في هاتفها، تبتسم لرسائل صديقاتها، بينما جلس الأب والأم على الأريكة المقابلة يتبادلان أطراف الحديث حول ترتيبات المساء. ساد الهدوء لربع ساعة، قبل أن يقطعه صوت محرك سيارة توقفت أمام الباب الخارجي. قفزت فكتوريا من مكانها قائلة بابتسامة عريضة: -"لقد وصل فيليكس! أنا أميز صوت سيارته من بين ألف سيارة." ضحكت الأم وقالت موجهة حديثها للخادمة: - "ميري، افتحي الباب، لقد وصل فيليكس وسارة." انفتح الباب الكبير، ليدخل فيليكس وحضوره المبهج. كان فيليكس نقيضاً تاماً لشقيقه أليكس؛ فشعره كان أشقر ذهبيّاً، وقامته الطويلة تمنحه هيبة تمزج بين الحيوية والجمال. وبجانبه كانت تقف زوجته سارة، بشعرها الأسود الفاحم وعينيها الخضراوين اللتين تشبهان عيني فكتوريا ارتمت فكتوريا في أحضان أخيها قائلة بحماس: -"أهلاً بعودتك يا أخي! قل لي، هل أحضرت لي عطر (شانيل) الذي طلبته؟" ضحك فيليكس وهو يربت على كتفها قائلاً : - "أهذا هو ترحيبكِ بي؟ تسألين عن العطر قبل أن تسألي عن حالي؟" أجابت بضحكة خجولة: - "بالطبع لا، أنا سعيدة لرؤيتك أولاً!" ثم انتقلت فكتوريا لتعانق سارة بحرارة قائلة: -"واخيراً عدتِ! لديّ الكثير من الأخبار التي أريد قصّها عليكِ." ردت سارة بابتسامة رقيقة: - "وأنا أيضاً." تقدم أليكس نحو شقيقه، واحتضنه بحرارة عكست عمق الرابط بينهما رغم اختلاف الطباع. قال أليكس بنبرة دافئة: -"أهلاً بك يا أخي.. يبدو أننا لن نراك إلا مرتين في السنة " تنهد فيليكس وهو يصافحه: - "ماذا أفعل يا أليكس؟ ضغط العمل في أمريكا لا يرحم، وجدّي داميان لا يترك لي فرصة للتنفس، في كل مرة يخرج لي بمهمة أو مشروع جديد." رد أليكس بابتسامة هادئة: - "المهم أننا نراك الآن بخير." بعد أن سلم فيليكس على والديه وقبّل أيديهما، التفت أليكس نحو سارة وقال مداعباً: -"كيف حالكِ يا ابنة عمي؟ أخبريني، هل يضايقكِ فيليكس؟ إن فعل، فما عليكِ إلا إخباري لألقنه درساً في الأدب." ضحكت سارة وقالت : - "يبدو أنك تقمصت دور الأخ الأكبر هذه المرة يا أليكس!" ضحك الجميع، ثم استأذن أليكس قائلاً: -"حسناً، استمتعوا بوقتكم، لا بد لي ان اذهب لدي عمل سأنهيه بسرعة ثم اعود " بينما كان يتجه نحو الباب، ناداه فيليكس بصوتٍ عالٍ: -"أليكس! لا تنسَ الاجتماع في منزل جدي مساء اليوم، لقد شدد على حضور الجميع." رسم أليكس ابتسامة مزيفة تخفي ضيقه من هذا الاجتماع الإلزامي وقال: - "سأكون هناك، لا تقلق." بعد خروج أليكس، التفت الأب نحو ابنه فيليكس وسأله باستغراب: - "اجتماع؟ أي اجتماع تقصد؟ والدي لم يذكر أمامي شيئاً عن هذا الأمر." أجاب فيليكس وهو يجلس بجانب والده: - "لقد أخبرني جدي أن هناك مشروعاً ضخماً وموضوعاً، ويريدنا جميعاً في حضرته هذا المساء." هز الأب رأسه بتفكير وقال: -"غريب.. ربما نسي إخباري." خيمت حالة من الترقب على المكان؛ فاجتماعات الجد "داميان سزايا" لم تكن تمرّ مرور الكرام. ‏ ‏