لتفهمني عيناك - الفصل الأول : خمس دقائق فقط! - بقلم لتفهمني عيناك | روايتك

اسم الرواية: لتفهمني عيناك
المؤلف / الكاتب: لتفهمني عيناك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأول : خمس دقائق فقط!

الفصل الأول : خمس دقائق فقط!

- ‏"أتظنين أنني سأفشل؟" ‏رفعت ريتا نظرها نحو سيرا، وبدا على ملامحها شيءٌ من الشك الممزوج بالفضول: - ‏"لا أقول ذلك… لكنني لا أظنك ستفعلينها." ‏ابتسمت سيرا ابتسامة خفيفة، لم تكن واسعة، لكنها كانت واثقة: - ‏"راقبيني إذن." ‏ ‏كانتا تسيران في ممرات الجامعة، حيث تختلط أصوات الطلبة بضحكاتٍ عابرة وخطواتٍ مسرعة. الضوء يتسلل من النوافذ العالية، ينعكس على الأرضية، ويعطي المكان حيويةً لا تهدأ. ‏ ‏توقفت سيرا فجأة، فالتفتت إليها ريتا: - ‏"هيا، ستتأخرين على المحاضرة." ‏ ‏تنهدت ريتا باستسلام: - ‏"حسنًا، سأذهب… لكن وأنتِ؟" ‏ - ‏"وأنا ماذا؟" سألت سيرا بهدوء. ‏ - ‏"إلى أين ستذهبين؟" ‏ ‏ترددت لثوانٍ، ثم قالت: - ‏"سأذهب إلى المكتبة… لدي بعض الكتب أريد الاطلاع عليها." ‏ ‏أومأت ريتا: - ‏"حسنًا، أراكِ في المقهى بعد ساعتين ونصف." ‏ - ‏"حسنًا." ‏ ‏ابتعدت ريتا، وبقيت سيرا وحدها. ‏ ‏تابعت طريقها بخطواتٍ هادئة نحو مبنى المكتبة. كان المكان أقل ازدحامًا، وأكثر هدوءًا، وكأن الضجيج تركه عند المدخل. دفعت الباب، فاستقبلها صمتٌ مألوف، ذلك النوع من الصمت الذي لا يزعج، بل يريح. ‏ ‏اختارت طاولة قرب النافذة، جلست، وفتحت كتابها. ‏ ‏مرّت الدقائق بهدوء. صفحات تُقلَب، وأفكار تتنقل، وعالم صغير خاص بها لا يقطعه شيء. ‏ ‏إلى أن فُتح الباب. ‏ ‏لم يكن الصوت عالياً، لكنه كان كافياً ليجعلها تدرك أن سكونهاقد انتهى. ‏ ‏دخل أليكس. ‏ ‏لم يكن حضوره عاديًا. لم يكن من أولئك الذين يمرّون دون أن يلتفت إليهم أحد، حتى وإن لم يقصد ذلك. خطواته كانت ثابتة، هادئة، لكنها تحمل شيئًا من الحضور الذي لا يمكن تجاهله. ‏ ‏كان قد جاء بدافع الفضول لا أكثر. المكان الذي تركه منذ سنوات… أراد أن يراه كما هو، أو ربما ليرى إن كان تغيّر. ‏ ‏لكن كل ذلك توقّف في اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها. ‏ ‏سيرا. ‏ ‏توقفت خطواته للحظة. ‏ ‏لم يحتج إلى وقتٍ ليتأكد. لم يحتج أن يقترب. شيئٌ ما فيه عرفها فورًا، وكأن السنوات لم تمر أصلًا. ‏ ‏كانت جالسة كما لو أنها جزء من المكان—هادئة، بعيدة عن كل ما حولها. خصلات شعرها تنسدل بخفة، وعيناها تتحركان بين السطور بتركيزٍ كامل. ‏ ‏لكن ما شدّه لم يكن شكلها فقط. ‏ ‏كان الإحساس. ‏ ‏ذلك الإحساس القديم… الذي لم يتغير. ‏ ‏لم يشعر بشيء مفاجئ، ولا صدمة. بل شيء أثقل من ذلك—شيء يعرفه جيدًا. ‏ ‏وكأنه عاد خطوة إلى الوراء دون أن يتحرك. ‏ ‏ولم يكن هذا الشعور جديدًا عليه… ‏كان المكان ممتلئًا بالأصوات، حتى خفَتَت فجأة. ‏ ‏حين دخلت. ‏ ‏سيرا. ‏ ‏لم يكن الأمر أنها الأجمل فقط… بل كانت الأكثر حضورًا. وكأن المكان، دون وعي، التفت إليها. الضوء بدا مختلفًا حولها، والأنظار—كلها—اتجهت نحوها. ‏ ‏ومن بين تلك الأنظار، كانت عيناه. ‏ ‏لم يفهم في البداية لماذا لم يستطع أن ينظر بعيدًا. ‏ ‏ثم بدأ العرض. ‏ ‏تحركت الفتيات بانسجام، لكن نظره لم يغادرها. لم يكن يتابع الخطوات فقط، بل تلك الطريقة التي تتحرك بها بثقةٍ هادئة، دون أن تبذل جهدًا واضحًا لتلفت الانتباه… ومع ذلك، كانت تفعل. ‏ ‏كل التفاتةٍ منها كانت كافية ليبقى مكانه. ‏ ‏كل حركةٍ كانت تثبّت نظره أكثر. ‏*فلاش باك * ‏*قبل تسع سنوات* ‏ ‏لم يكن يؤمن كثيرًا بتحديات أصدقائه، لكنه تلك الليلة وافق. ‏ ‏تسلل بخفة إلى القاعة، حيث لا يُفترض به أن يكون، واختبأ تحت إحدى الطاولات، ينتظر. كان المكان ممتلئًا بالأصوات، حتى خفَتَت فجأة. ‏ ‏حين دخلت. ‏ ‏سيرا. ‏ ‏لم يكن الأمر أنها الأجمل فقط… بل كانت الأكثر حضورًا. وكأن المكان، دون وعي، التفت إليها. الضوء بدا مختلفًا حولها، والأنظار—كلها—اتجهت نحوها. ‏ ‏ومن بين تلك الأنظار، كانت عيناه. ‏ ‏لم يفهم في البداية لماذا لم يستطع أن ينظر بعيدًا. ‏ ‏ثم بدأ العرض. ‏ ‏تحركت الفتيات بانسجام، لكن نظره لم يغادرها. لم يكن يتابع الخطوات فقط، بل تلك الطريقة التي تتحرك بها بثقةٍ هادئة، دون أن تبذل جهدًا واضحًا لتلفت الانتباه… ومع ذلك، كانت تفعل. ‏ ‏كل التفاتةٍ منها كانت كافية ليبقى مكانه. ‏ ‏كل حركةٍ كانت تثبّت نظره أكثر. ‏لم يكن إعجابًا عابرًا. ‏ ‏كان إدراكًا صامتًا… أنها مختلفة. ‏ ‏وأن شيئًا ما بدأ في تلك اللحظة—دون أن يُقال. ‏ ‏*الحاضر* ‏ ‏عاد إلى الحاضر. ‏ ‏وكانت لا تزال هناك. ‏ ‏أغلق أليكس المسافة بينه وبين الداخل ببطء، دون أن يبعد نظره عنها. لم يكن يفكر كثيرًا، لم يكن يخطط لشيء… كان فقط يتبع ذلك الشعور الذي أعاده إلى هنا. ‏ ‏وفي لحظةٍ ما— ‏ ‏رفعت سيرا نظرها. ‏ ‏التقت أعينهما. ‏ ‏وتوقّف كل شيء. ‏ ‏لم يكن اللقاء مفاجئًا بقدر ما كان ثقيلًا. ‏ ‏ثوانٍ قصيرة… لكنها كانت كافية. ‏ ‏شعرت سيرا بشيء ينقبض في داخلها، شيء لم تتوقعه، ولم ترغب به. حاولت أن تحافظ على هدوئها، لكن نظرتها لم تكن عادية. ‏ ‏تعرفه. ‏ ‏بالطبع تعرفه. ‏ ‏خفضت نظرها بسرعة، وكأنها قطعت ذلك الاتصال بالقوة. أغلقت كتابها دون أن تنهي الصفحة، وبدأت تجمع أغراضها بطريقةٍ أسرع مما يجب. ‏ ‏لم تكن مرتبكة… لكنها لم تكن مرتاحة. ‏ ‏وقفت. ‏ ‏تحركت نحو الباب بخطوات ثابتة، تحاول أن تمرّ من جانبه دون أن تتوقف. ‏ ‏لكنه كان هناك. واقفًا، ينتظرها وكأنه كان يعرف أنها ستفعل ذلك. ‏ ‏وحين اقتربت— ‏ ‏مدّ يده وأمسك معصمها. ‏ ‏توقفت. ‏ ‏نظرت إلى يده أولًا، ثم إليه. ‏ ‏كانت نظرته مختلفة هذه المرة… أقرب، أوضح، لا تهرب. ‏ - ‏"سيرا." قالها بهدوء. ‏ ‏صوته وحده كان كافيًا ليعيد أشياء لم ترغب في تذكّرها. ‏ ‏شدّت يدها قليلًا: - ‏"اليكس اترك يدي." ‏ ‏لم يشدّ عليها، لكنه لم يتركها فورًا. - ‏قال: "أريد أن أتحدث معكِ." ‏نظرت إليه بثبات: - ‏"لا أظن أن هناك ما يُقال." ‏توقّف لثانية، وكأنه يزن كلماته، ثم قال: - ‏"خمس دقائق فقط" ‏نظرت إليه، وكأنها تفكر إن كان يستحق حتى هذا. ‏ثم تنهدت بهدوء: - ‏"خمس دقائق فقط." ‏ترك يدها. ‏سارا معًا نحو الخارج. ‏لم يتحدثا. ‏الطريق إلى المقهى لم يكن طويلًا، لكنه بدا كذلك. ‏خطوات متوازية… وصمت أثقل من أي كلام. ‏وبينهما… ‏تسع سنوات لم تُقل. ‏ ‏ ‏****** ‏ ‏لم يكن المقهى صاخبًا، لكن الأصوات فيه لم تختفِ تمامًا همسات متقطعة، ارتطام فناجين، وخطوات عابرة. جلسا على طاولةٍ جانبية، بعيدة قليلًا عن الازدحام. ‏سيرا وضعت حقيبتها على الكرسي المجاور، ثم جلست قبالته. - ‏"خمس دقائق." ‏قالتها بهدوء، دون تشديد، وكأنها تذكّر نفسها قبل أن تذكّره. ‏أومأ أليكس بخفة، ولم يبعد نظره عنها. مرّت لحظة صامتة. ‏لم تكن طويلة… لكنها لم تكن مريحة أيضًا. ‏كان ينظر إليها كما لو أنه يقارن بين صورتين—واحدة قديمة لم تغب، وأخرى أمامه الآن. الاختلافات كانت واضحة… لكن ما بقي، كان أوضح. ‏أما سيرا، فكانت أكثر حذرًا. نظراتها ثابتة حين تلتقي به، لكنها لا تطيل البقاء. وكأنها تعلم أن الاستمرار في النظر سيعيد شيئًا لا تريد التعامل معه الآن. ‏ ‏قال بعد لحظات، بصوتٍ هادئٍ خفَتَ في نهايته قليلًا: - ‏"لم أتوقع أن أراكِ هنا." ‏رفعت سيرا نظرها إليه ببطء، وكأنها كانت تحتاج ثانيةً قبل أن تجبر نفسها على النظر نحوه: - ‏"وأنا لم أتوقع أن أراك أصلًا." ‏سكت قليلًا، لكنه لم يُبعد عينيه عنها. كان ينظر إليها وكأنه يحاول أن يجد فيها شيئًا يعرفه… شيئًا لم تغيّره السنوات. ‏قال أخيرًا: - ‏"لقد تغيّرتِ." ‏ردّت دون تردد: - ‏"وأنت أيضًا." ‏كانت نبرتها ثابتة، هادئة أكثر مما ينبغي، لكن البرود فيها كان واضحًا. ‏ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال: - ‏"هل أنتِ منزعجة من وجودي؟" ‏أجابت مباشرة: - ‏"لا." ‏رفع حاجبه بخفة: - ‏"إجابتك سريعة." - ‏"لأنها واضحة." ‏عاد الصمت بينهما. ‏في الخارج، مرّ صوت سيارة سريعًا، بينما بقيت الطاولة الصغيرة التي تجمعهما منفصلة عن كل شيء، كأن الهواء حولها أثقل من بقية المكان. ‏قال أليكس بعد لحظة: - ‏"لم أتوقع أن يكون اللقاء بهذه البساطة." ‏حرّكت سيرا نظرها نحوه أخيرًا: - ‏"وأنا لم أتوقع أن يحدث أصلًا." ‏ظل يتأملها بصمتٍ قصير، ثم قال: - ‏"سيرا…" ‏قاطعته فورًا، وكأنها تعرف مسبقًا إلى أين قد يذهب الحديث: - ‏"لا داعي لبدء أي شيء." ‏قال بهدوء، دون أن تتغيّر ملامحه: - ‏"لم أبدأ شيئًا بعد." ‏نظرت إليه بثبات: - ‏"ولا حاجة لذلك." ‏سكت لثوانٍ، ثم مال قليلًا إلى الخلف وقال: - ‏"اخر مرة تحدثنا فيها لم تكن محادثة فعلية " - ‏"لأنك لم تقل شيئاً اصلا" هز رأسه بخفة، وكأن الجملة أصابته أكثر مما أظهر: - ‏"كنت أحاول." ‏قالت ببرودٍ واضح: - ‏"لم أشعر بذلك." ‏صمت. ‏ظل ينظر إليها، لكن نظرته لم تكن عادية… لم يكن ينظر فقط، بل كان يتأملها كما لو أنه يحاول استعادة كل ما خسره بصمته. ‏قال بهدوء: - ‏"كنتِ تعرفين ما أشعر به." ‏رفعت حاجبها قليلًا: - ‏"وأنت كنت تعرف ما أشعر به." - ‏"نعم." ‏سكتا لحظة. ‏كان الصمت بينهما مليئًا بأشياء لم تُقَل، لكنه لم يكن مريحًا. ‏نظرت إليه سيرا أخيرًا وقالت: - ‏"لم يكن صعبًا أن تقولها." ‏انخفضت نظراته للحظة قصيرة قبل أن يعود إليها: - ‏"كان أصعب مما تتخيلين." - ‏"لكنني كنت أنتظر." ‏خرجت الجملة هادئة… هادئة إلى درجة جعلتها أثقل. ‏سكتت ثانية، ثم أضافت وهي تنظر بعيدًا عنه هذه المرة: - ‏"لكنك لم تأتِ." ‏رفع نظره إليها فورًا: - ‏"كنت على وشك ذلك أكثر من مرة." التفتت نحوه وقالت: - ‏"لكن كل مرة… لم تفعل." ‏ساد صمت قصير. ‏أليكس لم يجد ما يقوله، ليس لأنه لا يملك جوابًا، بل لأنه يعرف أنها محقة ‏ثم قال بصوتٍ أخفض: - ‏"لم أختفِ لأنني لم أشعر بشيء." ‏أجابت فورًا: - ‏"لا يهم السبب." ‏أخذت حقيبتها قليلًا، لكنها لم تنهض بعد، وكأن جزءًا منها لا يزال يريد أن يسمع شيئًا… رغم رفضها لذلك. ‏قال أليكس بصوتٍ أكثر هدوءًا: - ‏"سيرا…" ‏نظرت إليه. ‏ثم قال: - ‏"أنا لم أنساكِ" ‏صمتت لحظة. ‏تغيّرت نظرتها قليلًا، ليس ضعفًا… بل تعبًا قديمًا عاد للحظة واحدة فقط. ‏ثم قالت: - ‏"لكن أنا اضطررت أن أفعل." ‏كانت جملتها الأخيرة هادئة، لكنها حاسمة بما يكفي لتنهي كل شيء. وقفت سيرا أخيرًا، حملت حقيبتها، ثم استدارت وغادرت دون أن تنظر خلفها. ‏أما أليكس، فبقي مكانه. ‏ينظر إلى الكرسي الفارغ أمامه… ‏وكأنّه يراه للمرة الثانية. ‏******** ‏ ‏خرجت سيرا من المقهى بخطواتٍ متسارعة وكأنها تحاول الهروب من ثقل الهواء الذي كان يحيط بتلك الطاولة. كانت تشعر بضغطٍ غريب في صدرها، نبضات قلبها لم تكن سريعة فحسب، بل كانت قوية لدرجة أنها تشعر بها في أطراف أصابعها. البرود الذي أظهرته أمام أليكس لم يكن إلا قناعاً رقيقاً بدأ يتشقق الآن بعد أن ابتعدت عن أنظاره. ‏لم تذهب إلى المحاضرة، ولم تذهب إلى المنزل فوراً. كانت تحتاج إلى مساحة تتنفس فيها بعيداً عن الجدران. توجهت نحو الحديقة الخلفية للجامعة، حيث توجد شجرة بلوط قديمة، ضخمة الأغصان، كانت ملاذها الدائم كلما ضاقت بها الدنيا. ‏جلست سيرا، أسندت ظهرها إلى جذع الشجرة الخشن، وأغمضت عينيها. في تلك اللحظة، استسلمت تماماً لفيض الذكريات الذي حاولت جاهدةً كبحه لسنوات. ‏تذكرت أليكس... ليس أليكس الرجل الذي رأته اليوم، بل أليكس الشاب الذي كان دائماً يقف على حافة الاعتراف ولا يخطو الخطوة الأخيرة. تذكرت المرات التي كانت تلمح في عينيه كلاماً طويلاً، ثم يبتلع غصته ويغير الموضوع بابتسامة باهتة. تذكرت مواقفه؛ كيف كان يظهر دائماً في اللحظة التي تحتاج فيها للمساعدة، وكأنه يراقبها من بعيد ليحميها من ظلّها. ‏استحضرت صورته وهو يقف في وجه أي شخص يضايقها، ببرودٍ قاتل ونظرة حادة تجبر الجميع على التراجع، ثم يلتفت إليها بملامح لينة تماماً، يسألها "هل أنتِ بخير؟" دون أن ينتظر شكراً. كانت عيناه هما الشيء الوحيد الذي لا يستطيع تزييفه؛ تلك النظرة العميقة التي كانت تقول "أنا هنا لأجلكِ" بينما يرفض لسانه نطقها. - ‏"لماذا لم يقلها؟" ‏همست لنفسها بحرقة، وهي تتذكر كيف كانت تنتظر كلمة واحدة منه لتتمسك به، لكنه فضل الصمت والاختفاء، تاركاً إياها تعاني صراعاً مريراً مع النسيان. ‏فتحت عينيها ببطء حين شعرت بظل يقف فوق رأسها. كانت ريتا، تنظر إليها بقلق واضح. - ‏"سيرا؟ هل أنتِ بخير؟ وجهكِ شاحب جداً." ‏حاولت سيرا رسم ابتسامة باهتة، لكنها لم تنجح تماماً: - ‏"أنا بخير يا ريتا... فقط، أشعر بتعب مفاجئ، وأريد العودة إلى المنزل." ‏جلست ريتا بجانبها لثوانٍ، ولم تحاول الضغط عليها لمعرفة السبب: - ‏حسناً يا عزيزتي، اذهبي وارتاحي. سأدوّن كل الملاحظات الهامة في المحاضرة وأرسلها لكِ فور انتهائي. لا تقلقي بشأن أي شيء." - ‏"شكراً ريتا.. أحتاج لهذا فعلاً." ‏ ‏***** ‏ ‏في المقهى، كان أليكس لا يزال جالساً في مكانه، يحدق في الكرسي الذي كانت تشغله سيرا منذ دقائق. لم يكن فضوله هو ما جاء به إلى الجامعة اليوم، فالواقع كان أكثر تعقيداً. ‏أليكس، لم يعد ذلك الشاب الذي كان يختبئ تحت الطاولات ليراقب عرضاً مدرسياً أو يهرب من تحدي أصدقائه؛ لقد أصبح محققاً يشار إليه بالبنان في دائرة التحقيقات المركزية. كان هنا اليوم بصفة رسمية، يلاحق خيطاً في قضية معقدة. و أشارت التحريات أن الشاهد يختبئ في أحد مساكن الجامعة . ‏وبعد أن أنهى مهمته وتأكد من هوية الشاهد، ساقه الحنين—أو ربما القدر—للدخول إلى المكتبة واسترجاع بعض الذكريات القديمة قبل المغادرة. لم يكن يتوقع أبداً أن يجد "الذكرى" ذاتها جالسة هناك، تقرأ كتاباً وكأن الزمن لم يتحرك ثانية واحدة. ‏تنهد أليكس بعمق، ومسح وجهه بيده. الكلمات التي قالتها سيرا كانت كالرصاص: "اضطررت أن أنساك". كان يعلم أن صمته القديم كان جبناً مغلفاً بالخوف من فقدانها، لكنه الآن يدرك أن صمته هو ما جعلها تضيع منه فعلاً. قام من مكانه، وضع ثمن القهوة على الطاولة، وخرج بخطوات مثقلة بالتفكير. توجه نحو سيارته المركونة بعيداً، صعد إليها وأغلق الباب، ليحيط نفسه بهدوء مقصورته الخاصة. ونظر إلى يده التي كانت تمسك معصمها منذ قليل؛ كانت لا تزال ترتجف قليلاً. - ‏"أنا لم أنسَ." ‏تمتم بصوتٍ خافت وهو ينظر إلى مبنى الجامعة في المرآة. ‏شغل المحرك، وبينما كانت السيارة تبتعد، كان أليكس يدرك تماماً أن قضية الشاهد قد انتهت، لكن قضيته مع سيرا قد بدأت للتو.. وأن الخمس دقائق التي طلبها، لن تكفي أبداً لترميم تسع سنوات من الصمت. ‏ ******** ساد الهدوء غرفة سيرا، إلا من صوت المطر الخفيف الذي بدأ يداعب نافذتها. كانت مستلقية على سريرها، تنظر إلى السقف وتحاول طرد صوته من أذنيها. "سيرا.. أنا لم أنسَكِ". تلك الجملة كانت تدور في رأسها كإسطوانة مشروخة. ‏"كاذب،" همست لنفسها وهي تغمض عينيها بقوة. "لو لم ينسَ، لما ترك تلك السنوات تمر دون كلمة واحدة." ‏قطعت حبل أفكارها رسالة من ريتا على هاتفها: ‏"سيرا، أرسلتُ لكِ كل الملاحظات. ارتاحي جيداً. بالمناسبة، كان هناك تحرك غريب لرجال الشرطة قرب مساكن الطلاب اليوم الجميع يتحدث عن ذلك.. يبدو أن الأمر جدي." ‏تجاهلت سيرا الخبر؛ فآخر ما كانت تهتم به هو شؤون الجامعة الأمنية. كل ما كانت تريده هو، أن تضمن أن أليكس غادر المدينة ولن يعود لمسار حياتها مجدداً. ‏ ‏ ‏ ‏