الفصل الخامس: اشياء في غير مكانها
كان الممر المؤدي إلى غرفة أدريان فالمر شبه خالٍ.
وقف شرطي عند الباب، بينما كان الهدوء يخيّم على الطابق بأكمله.
في الداخل، كان هيركيول بوارو يتجول ببطء في الغرفة.
لم يكن يلمس شيئًا.
كان يكتفي بالنظر.
ينتقل ببصره من الطاولة إلى الخزانة، ومن النافذة إلى السرير، كما لو أنه يقرأ قصة كُتبت بلغة لا يفهمها غيره.
توقفت عيناه عند الستائر.
ثم عند السجادة.
ثم عند الوسادة المرتبة بعناية.
كل شيء بدا عاديًا.
عاديًا أكثر مما ينبغي.
رفع بوارو يده إلى ذقنه مفكرًا.
وقال لنفسه بصوت خافت:
"الأشياء الصامتة... غالبًا ما تكون الأكثر كلامًا."
في تلك اللحظة، انفتح الباب قليلًا.
تسللت نورا إلى الداخل بهدوء.
لم تنتبه إليها الشرطة في البداية.
كانت تظن أن بوارو منشغل بالتفتيش ولن يلاحظها.
لكنها ما إن رفعت رأسها حتى وجدته ينظر إليها.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
دون أن يقول شيئًا.
فهمت من نظرته أنه رآها منذ اللحظة الأولى.
اقتربت بخطوات حذرة.
وأخذت تتفحص الغرفة.
كان ضوء النهار يدخل من النافذة الكبيرة.
وعند أسفلها مباشرة لفت انتباهها شيء صغير.
انحنت قليلًا.
ثم قالت:
"سيد بوارو."
التفت إليها.
أشارت إلى الأرض.
كانت هناك ولاعة معدنية صغيرة قرب النافذة.
تأملها بوارو للحظة.
ثم اقترب منها.
"ملاحظة جيدة."
قال بهدوء.
ابتسمت نورا بخفة.
ثم واصلت النظر حولها.
بعد لحظات قليلة، وقع بصرها على شيء آخر.
فنجان خزفي مقلوب قرب إحدى الطاولات الجانبية.
بقيت داخله آثار من القهوة الجافة.
لم يكن ظاهرًا بسهولة من زاوية الوقوف العادية.
ولهذا لم تنتبه إليه من قبل.
اقترب بوارو بدوره.
ثم نادى أحد رجال الشرطة.
طُلب الاحتفاظ بالفنجان لإجراء الفحوصات اللازمة.
أما نورا فاستمرت في التجول بعينيها داخل الغرفة.
كانت تحاول استيعاب تفاصيل المكان كما رأته لأول مرة.
ثم فجأة...
توقفت.
على أحد أعمدة السرير الخشبية، كان هناك نقش صغير.
بسيط.
وقديم.
يشبه تمامًا الرمز الذي رأته في الممر يوم وصولها.
شعرت بالدهشة.
أخرجت هاتفها بهدوء.
والتقطت صورة سريعة.
ثم أعادته إلى جيبها.
لم تقل شيئًا.
ولم تُرِ الصورة لأحد.
على الأقل ليس الآن.
---
"ماذا تفعلين هنا؟"
جاء الصوت حادًا من خلفها.
التفتت لتجد المفتش دانيال برايس عند الباب.
بدت عليه علامات الانزعاج.
"هذه ليست منطقة للضيوف."
قال بصرامة.
"يجب أن تغادري."
فتحت نورا فمها لتجيب.
لكن بوارو سبقها.
"لحظة يا صديقي."
نظر المفتش إليه.
فأكمل بوارو:
"في أقل من دقائق قليلة، لاحظت الآنسة بينيت أشياء لم ينتبه إليها أحد."
أشار إلى النافذة.
ثم إلى الفنجان.
"أعتقد أن وجودها هنا مفيد أكثر مما يسبب المتاعب."
عقد المفتش ذراعيه.
ولم يبدُ مقتنعًا تمامًا.
لكنه لم يعترض.
---
وبينما كان الجميع يستعد لمغادرة الغرفة، ألقت نورا نظرة أخيرة على الجثة.
ثم عبست قليلًا.
شيء ما بدا مختلفًا.
شيء لم تستطع تحديده فورًا.
ظلت تحدق لثوانٍ.
وفجأة تذكرت.
رفعت رأسها بسرعة.
"انتظروا."
التفت الجميع إليها.
أشارت نحو الجثة.
وقالت:
"عندما التقيت السيد فالمر في اليوم الأول..."
توقفت لحظة.
"...كان يرتدي ساعة يد."
ساد الصمت.
أكملت:
"أنا متأكدة من ذلك."
نظر بوارو إلى معصم الضحية.
كان خاليًا.
تمامًا.
لا ساعة.
ولا حتى أثر واضح لها.
رفع المحقق البلجيكي حاجبيه.
ثم ابتسم تلك الابتسامة الصغيرة التي ظهرت على وجهه كلما أثار أمر ما اهتمامه.
أما المفتش برايس، فقد اقترب من الجثة مرة أخرى.
ولأول مرة منذ بداية التحقيق...
شعر بأن القضية أصبحت أكثر تعقيدًا مما توقع.
في حين وقفت نورا صامتة.
وفي جيبها صورة لرمز غامض.
رمز لم تكن تعرف بعد أنه سيقود إلى أحد أكثر أسرار القصر غرابة.