ما لم تقله السنوات
الفصل السادس
مرت أيام قليلة على الزفاف.
لكن بالنسبة لريا وياسو، لم تكن أيامًا عادية.
كان كل منهما يحاول متابعة حياته بشكل طبيعي، إلا أن شيئًا ما تغير منذ تلك الليلة.
شيء لم يعد يسمح لهما بالعودة إلى ما كانا عليه سابقًا.
لقد عاد الآخر ليحتل مكانه في القلب.
استيقظت ريا صباح أحد الأيام على صوت هاتفها.
كانت رسالة في مجموعة العائلة.
إحدى خالاتها تدعو الجميع إلى غداء عائلي نهاية الأسبوع.
ابتسمت وهي تقرأ الرسالة.
ثم تذكرت فجأة أن ياسو لا يزال في المدينة لقضاء إجازته السنوية.
شعرت بحرارة خفيفة في وجنتيها.
وحاولت إقناع نفسها أن الأمر لا يعني شيئًا.
لكن قلبها كان يعرف الحقيقة.
أما ياسو فكان جالسًا مع والده في الحديقة عندما تلقى الدعوة نفسها.
قرأ الرسالة.
ثم أعاد قراءتها مرة أخرى.
ابتسم دون أن يشعر.
لاحظ والده ذلك.
وقال مازحًا:
يبدو أن الدعوة أسعدتك أكثر من اللازم.
أجاب ياسو بسرعة:
لا... فقط أحب التجمعات العائلية.
ضحك خالد.
لكنه لم يعلق.
حل يوم الغداء المنتظر.
امتلأ المنزل بالأقارب.
الأطفال يركضون في كل مكان.
الرجال يتبادلون الأحاديث.
والنساء منشغلات بالترتيبات.
كان المشهد مألوفًا للجميع.
لكن بالنسبة لياسو وريا كان مختلفًا.
وصلت ريا مع أسرتها.
وبمجرد دخولها بدأت تبحث بعينيها دون قصد.
حتى رأته.
كان يقف بالقرب من الحديقة يتحدث مع بعض أبناء العائلة.
شعرت بالارتياح فورًا.
رغم أنها لم تكن تنتظر ذلك.
أما ياسو فلاحظ وصولها بعد لحظات.
ولم يستطع منع ابتسامته.
خلال ذلك اليوم جمعتهما أحاديث كثيرة.
أكثر من أي وقت مضى.
تحدثا عن الكتب.
وعن الدراسة.
وعن السفر.
وعن الأماكن التي يرغبان في زيارتها يومًا ما.
واكتشف كل منهما أنه يشبه الآخر أكثر مما كان يظن.
كانت ريا تحب القراءة.
وياسو يحبها أيضًا.
كانت تحب الجلوس قرب البحر.
وهو كذلك.
كانت تحلم بإكمال دراستها العليا.
وكان يشجعها على ذلك.
مرت الساعات بسرعة.
وكأن الوقت أصبح أقصر عندما يكونان معًا.
بعد الغداء خرج بعض أفراد العائلة إلى الحديقة.
جلس الجميع في مجموعات صغيرة.
وكانت ريا تتحدث مع إحدى قريباتها عندما اقترب ياسو.
قال مبتسمًا:
هل ما زلتِ تحتفظين بقائمة الكتب التي كنتِ تنصحينني بها؟
ضحكت.
بالطبع.
إذن سأحتاجها قريبًا.
وهل عدت إلى القراءة أخيرًا؟
لم أتوقف أصلًا.
لكنني أحتاج إلى اقتراحات جديدة.
استمر الحديث بينهما.
وكانت الابتسامة لا تفارق وجهيهما.
حتى إن بعض أفراد العائلة بدأوا يلاحظون الانسجام الواضح بينهما.
لكن أحدًا لم يقل شيئًا.
مع مرور الأسابيع أصبحت اللقاءات أكثر تكرارًا.
كانت هناك مناسبات عائلية متقاربة.
وزيارات متبادلة.
وأحيانًا مكالمات قصيرة تخص أمورًا عائلية بسيطة.
لكن كل حديث كان يترك أثرًا أكبر من السابق.
في إحدى الأمسيات جلست ريا في غرفتها تتأمل السماء من النافذة.
كانت تفكر في ياسو.
في طريقته الهادئة في الكلام.
في اهتمامه بتفاصيل حديثها.
وفي شعورها بالراحة عندما يكون موجودًا.
عندها سألت نفسها لأول مرة:
هل يشعر بما أشعر به؟
في الوقت نفسه كان ياسو في غرفته.
يفكر بالسؤال نفسه.
هل يمكن أن تكون ريا قد احتفظت بمشاعرها طوال هذه السنوات؟
أم أنه يبالغ في تفسير الأمور؟
ومع كل لقاء جديد...
كانت الشكوك تقل.
والمشاعر تصبح أوضح.
وفي إحدى المناسبات العائلية الصغيرة، حدث موقف بسيط لكنه ترك أثرًا كبيرًا.
كانت ريا تتحدث مع بعض القريبات عندما تعثرت طفلة صغيرة وكادت تسقط.
أسرعت ريا نحوها وحملتها وهدأتها بلطف.
وقف ياسو يراقب المشهد من بعيد.
وشعر بشيء دافئ في قلبه.
رأى فيها صفات كان يبحث عنها دائمًا.
الحنان.
والطيبة.
والاهتمام بالآخرين.
وفي تلك اللحظة أدرك أمرًا مهمًا.
لم يعد الأمر مجرد إعجاب قديم أو ذكرى طفولة.
لقد أصبح حبًا حقيقيًا.
ناضجًا.
وعميقًا.
أما ريا فكانت تراقبه هو الآخر.
كانت ترى كيف يحترمه الجميع.
وكيف يساعد كبار السن دون أن يطلب منه أحد.
وكيف يتعامل مع الأطفال بلطف.
وكان إعجابها به يزداد يومًا بعد يوم.