الزفاف الذي أعاد النبض
الفصل الخامس
كان الصيف قد حلّ أخيرًا.
الشمس تشرق مبكرًا، والأيام أصبحت أطول، والمدينة تعيش على إيقاع الأعراس والمناسبات العائلية التي تكثر في هذا الوقت من السنة.
في إحدى الأمسيات، كانت ريا جالسة في غرفتها تراجع بعض ملاحظاتها الجامعية عندما دخلت والدتها نوال وهي تحمل بطاقة دعوة مزينة باللون الذهبي.
ابتسمت الأم وقالت:
يبدو أن لدينا زفافًا قريبًا.
رفعت ريا رأسها.
زفاف من؟
ابنة خالتك سارة.
توقفت ريا عن الكتابة.
كانت سارة من أقرب قريباتها.
وبالتأكيد سيحضر معظم أفراد العائلة.
لكن فكرة أخرى خطرت في ذهنها فجأة.
فكرة حاولت تجاهلها.
هل سيحضر ياسو؟
في الجهة الأخرى من البلاد، كان ياسو يجلس في مكتبه عندما تلقى رسالة من والدته.
"لا تنسَ زفاف سارة الأسبوع القادم."
ابتسم فورًا.
لم يكن يفكر في الزفاف نفسه.
بل في الأشخاص الذين سيحضرون.
وفي مقدمتهم...
ريا.
مر الأسبوع ببطء شديد.
وكأن الأيام تتعمد اختبار صبرهما.
حتى جاء يوم الزفاف.
منذ الصباح كان منزل ريا يعيش حالة من النشاط.
النساء يدخلن ويخرجن.
الضحكات تملأ المكان.
وأصوات الاستعدادات لا تتوقف.
وقفت ريا أمام المرآة بعد ساعات من التحضير.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون أزرق هادئ.
لم تكن تحب المبالغة في الزينة.
كانت تفضل الأناقة البسيطة.
نظرت إلى انعكاسها للحظات.
ثم تنهدت.
لم تكن تعرف سبب توترها.
لكن قلبها كان يخبرها أن هذا اليوم مختلف.
في الوقت نفسه كان ياسو يصل إلى قاعة الزفاف.
مرت سنوات منذ آخر مرة حضر فيها مناسبة عائلية كبيرة.
كان المكان مضاءً بعشرات الثريات.
والأصوات تتداخل بين الموسيقى والأحاديث والضحكات.
بدأ يسلم على الأقارب واحدًا تلو الآخر.
لكن عينيه كانتا تبحثان عن شخص واحد فقط.
دخلت ريا القاعة مع والدتها.
وما إن خطت خطواتها الأولى حتى شعرت بشيء غريب.
نظرت حولها.
ثم توقفت فجأة.
كان هناك.
يقف على بعد أمتار قليلة.
أما ياسو...
فشعر أن الزمن توقف للحظة.
كانت ريا أمامه.
بعد كل تلك السنوات.
بعد كل المسافات.
بعد كل محاولات النسيان.
ها هي تقف أمامه من جديد.
التقت عيناهما.
لثانية.
ثم ثانيتين.
ثم أطول من ذلك بقليل.
لكن تلك اللحظات كانت كافية لإعادة سنوات كاملة من الذكريات.
ذكريات الطفولة.
والأعياد.
واللقاءات القديمة.
والكلمات التي لم تُقل.
خفضت ريا نظرها بسرعة.
وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة.
أما ياسو فبقي واقفًا مكانه للحظة.
كأنه يحاول استيعاب ما يحدث.
اقتربت لينا من أخيها فجأة.
كانت قد أصبحت شابة الآن.
ضحكت وهي تراقب ملامحه.
وقالت:
هل نسيت كيف تمشي؟
نظر إليها باستغراب.
ماذا؟
ابتسمت بخبث.
لا شيء... فقط أراك تنظر في اتجاه معين منذ خمس دقائق.
شعر بالحرج.
فضحكت لينا أكثر.
مرت ساعة كاملة قبل أن يجد ياسو فرصة للحديث مع ريا.
كان معظم أفراد العائلة منشغلين بالاحتفال.
اقترب منها بهدوء.
وقال:
السلام عليكم.
رفعت رأسها.
وشعرت بأن قلبها عاد للنبض بسرعة.
وعليكم السلام.
ساد صمت قصير.
ثم قال:
مر وقت طويل.
ابتسمت بخجل.
أطول مما توقعت.
كيف حالك؟
بخير... وأنت؟
بخير أيضًا.
كان الحوار بسيطًا جدًا.
لكن بالنسبة لهما كان يحمل أكثر مما يظهر.
كل كلمة كانت تخفي سنوات من الاشتياق.
وكل نظرة كانت تحكي قصة كاملة.
استمر الحديث بينهما عدة دقائق.
تحدثا عن العمل.
وعن الجامعة.
وعن السنوات التي مرت.
واكتشف كل منهما أنه ما زال يعرف الآخر جيدًا رغم الغياب.
في أثناء الحديث لاحظ ياسو شيئًا.
لم تعد ريا تلك الفتاة الصغيرة التي عرفها.
أصبحت امرأة ناضجة.
قوية.
طموحة.
وأكثر جمالًا مما تخيل.
أما ريا فكانت تنظر إليه بإعجاب صامت.
أصبح أكثر هدوءًا.
وأكثر ثقة.
وكانت ملامحه تحمل آثار التجارب والمسؤوليات التي عاشها.
في نهاية السهرة عاد كل منهما إلى مكانه بين أفراد العائلة.
لكن شيئًا ما كان قد تغير.
شيء كبير.
حين انتهى الزفاف وغادر الجميع، جلست ريا في السيارة بجوار والدتها.
كانت تنظر من النافذة بصمت.
فقالت نوال:
يبدو أنك استمتعتِ بالحفل.
ابتسمت ريا.
نعم.
لكنها لم تقل الحقيقة كاملة.
أما ياسو فعاد إلى منزل أسرته تلك الليلة.
ودخل غرفته القديمة.
جلس على السرير.
وأخذ يتأمل السقف.
ثم ابتسم لأول مرة منذ فترة طويلة.
كان يعلم الآن أن مشاعره لم تختفِ أبدًا.
بل كانت تنتظر فقط فرصة لتعود إلى الحياة.
وفي تلك الليلة أيضًا...
كانت ريا مستلقية على سريرها.
غير قادرة على النوم.
كلما أغمضت عينيها تذكرت حديثهما.
وابتسامته.
ونظرته الأولى حين رآها في القاعة.
وعندها فقط...
اعترفت لنفسها بالحقيقة التي حاولت الهروب منها سنوات طويلة.
لقد كانت تحبه.
وما زالت تحبه.