قريب على مدى بعيد - بين مدينتين وقلبين - بقلم Mikami | روايتك

اسم الرواية: قريب على مدى بعيد
المؤلف / الكاتب: Mikami
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: بين مدينتين وقلبين

بين مدينتين وقلبين

الفصل الرابع لم يكن الرحيل يومًا سهلًا. حتى عندما يكون من أجل حلمٍ انتظرته طويلًا. حتى عندما يكون خطوة نحو مستقبل أفضل. كان الرحيل يبقى رحيلًا. وكان الفراق يبقى فراقًا. استيقظ ياسو قبل شروق الشمس في اليوم الذي سيغادر فيه. كان المنزل هادئًا على غير عادته. الحقائب موضوعة قرب الباب. والهواء يحمل ذلك الشعور الغريب الذي يسبق السفر. جلس على طرف سريره يتأمل غرفته. الجدران التي عاش بينها سنوات. الكتب المرتبة فوق الرف. الصور القديمة. المكتب الذي قضى عليه ليالي الدراسة. كل شيء بدا مختلفًا فجأة. كأن الأشياء تعرف أنه سيرحل. دخلت والدته سميرة الغرفة. كانت تحاول أن تبدو قوية. لكن عينيها كانتا تفضحانها. قالت وهي تبتسم: الفطور جاهز. أومأ ياسو بصمت. اجتمع أفراد الأسرة حول المائدة. سليم يحاول إخفاء مشاعره خلف نصائحه المعتادة. لينا تتظاهر بالمرح لكنها كانت حزينة. أما خالد فبقي هادئًا. ينظر إلى ابنه بفخر واضح. قال الأب: الحياة الحقيقية تبدأ الآن يا ياسو. لا تخف من التعب. ولا تتراجع عن أحلامك. أجاب ياسو: سأحاول أن أكون عند حسن ظنكم. بعد ساعات قليلة كان يقف في محطة الحافلات. العائلة كلها جاءت لتوديعه. احتضن والدته طويلًا. وصافح والده. ثم احتضن أخاه وأخته. وحين صعد إلى الحافلة شعر لأول مرة بثقل الغياب. بدأت المدينة تتلاشى خلف النافذة شيئًا فشيئًا. الشوارع. المنازل. الأماكن التي عرفها منذ طفولته. كلها أصبحت بعيدة. لكن هناك شيئًا واحدًا ظل قريبًا. ذكرى ريا. لم يتمكن من رؤيتها قبل سفره. كانت منشغلة ببعض أمور الجامعة. ولم تسنح له الفرصة لتوديعها. وهذا ما أزعجه أكثر من أي شيء آخر. كان يتمنى لقاءً أخيرًا. حديثًا قصيرًا. أو حتى نظرة واحدة. لكن القدر لم يمنحه ذلك. وصل ياسو إلى المدينة الجديدة مع حلول المساء. كانت أكبر من مدينته. أكثر ازدحامًا. وأكثر صخبًا. الناس هنا لا يعرفونه. ولا يعرف أحد قصته. كان مجرد شاب آخر يبحث عن مستقبله. بدأ العمل بعد أيام قليلة. كان العمل مرهقًا. طويل الساعات. ويحتاج إلى تركيز دائم. وفي البداية ظن أن الانشغال سيجعله ينسى. لكنه كان مخطئًا. كلما عاد إلى شقته الصغيرة بعد يوم عمل طويل... شعر بالوحدة. كانت الوحدة مختلفة عن التعب. أقسى منه أحيانًا. فالتعب يزول بالنوم. أما الوحدة فتظل مستيقظة. في بعض الليالي كان يجلس قرب النافذة. يتأمل أضواء المدينة. ويتذكر أيام العائلة. ضحكات لينا. نصائح والده. طعام والدته. ثم يتذكر ريا. دائمًا تنتهي أفكاره عند ريا. أما ريا... فكانت تعيش بداية مختلفة تمامًا. دخلت الجامعة أخيرًا. وكانت متحمسة لهذه المرحلة الجديدة. الحرم الجامعي الكبير. المدرجات. المكتبة. الأساتذة. كل شيء بدا مميزًا. في البداية شعرت بالخوف. لكنها سرعان ما تأقلمت. تعرفت إلى زميلات جديدات. وأصبحت أكثر استقلالًا. وأخذت تبني حياتها خطوة خطوة. كانت تستيقظ مبكرًا كل يوم. تراجع محاضراتها. وتساعد والدتها في بعض الأعمال المنزلية. ثم تتجه إلى الجامعة. وبعد العودة تقضي ساعات طويلة في الدراسة. كانت أيامها مزدحمة. لكنها كانت سعيدة. ومع ذلك... كانت هناك لحظات صمت غريبة. لحظات تجد نفسها خلالها تفكر في شخص معين. دون أن تخطط لذلك. في إحدى الأمسيات كانت العائلة مجتمعة لتناول العشاء. قال عمر فجأة: سمعت أن ياسو بدأ عمله الجديد. رفعت ريا رأسها بسرعة. دون أن تشعر. لاحظت أمها ذلك. لكنها لم تقل شيئًا. سأل فؤاد: وكيف حاله؟ أجاب أيمن: يبدو أنه بخير. سليم أخبرني أنه يتأقلم مع العمل. ابتسمت ريا بهدوء. ثم عادت إلى طعامها. لكن قلبها كان مشغولًا. مرت الشهور. ثم تحولَت إلى عام كامل. أصبح ياسو يعود إلى مدينته في الإجازات فقط. وأحيانًا لا تسمح له ظروف العمل حتى بذلك. أما ريا فكانت تزداد انشغالًا بدراستها عامًا بعد عام. في كل مرة يعود فيها ياسو... يحاول حضور أي تجمع عائلي. على أمل أن يراها. وأحيانًا ينجح. وأحيانًا لا. كانت اللقاءات قصيرة. سريعة. عابرة. لكنها تترك أثرًا كبيرًا. وفي كل مرة كان يلاحظ شيئًا جديدًا. كانت ريا تنضج أكثر. تصبح أكثر ثقة. وأكثر جمالًا. وأكثر قربًا من الصورة التي رسمها لها في أحلامه. أما هي فكانت تلاحظ التغيير فيه أيضًا. أصبح أكثر رجولة. أكثر هدوءًا. وأكثر مسؤولية. لكن أحدًا منهما لم يقل شيئًا. مرت ثلاث سنوات كاملة. ثلاث سنوات من الانشغال. والأحلام. والمسافات. واللقاءات القليلة. وفي إحدى الليالي جلس ياسو وحده في شقته. كان المطر يهطل خلف النافذة. فتح درج مكتبه بحثًا عن بعض الأوراق. فتوقفت يده فجأة. وجد كتابًا قديمًا. ذلك الكتاب الذي أهدته له ريا يوم نجاحه في الثانوية. ابتسم دون أن يشعر. مرر أصابعه فوق الغلاف. وقال بصوت خافت: ما زلت أحتفظ به... فتح الصفحات ببطء. فسقطت ورقة صغيرة من داخله. كانت قديمة جدًا. وعليها بخط ريا: "أتمنى لك النجاح دائمًا." ظل ينظر إلى الكلمات طويلًا. كأنها رسالة وصلت متأخرة سنوات. في تلك اللحظة أدرك شيئًا مهمًا. رغم المسافات. ورغم السنوات. ورغم انشغال الحياة. لم يغادر حب ريا قلبه يومًا. بل كان يكبر بصمت. في مكان لا يراه أحد. وفي الجهة الأخرى من المدينة البعيدة... كانت ريا تنظر من نافذة غرفتها نحو السماء المظلمة. وتشعر لأول مرة أن هناك فراغًا لا تستطيع الدراسة ولا الأيام أن تملأه. فراغًا يحمل اسمًا واحدًا. ياسو. لكنها لم تكن تعلم أن القدر بدأ يحضر لهما لقاءً سيغير كل شيء.