سنوات تتشكل فيها الاحلام
الفصل الثالث
مرت السنوات بهدوء.
هدوء يشبه مياه نهر تسير ببطء نحو مصيرها دون أن يشعر بها أحد.
كبر ياسو.
وكبرت ريا.
وكبر معهما ذلك الشعور الصامت الذي لم يجرؤ أي منهما على تسميته.
كان ياسو قد دخل سنته الأخيرة في الثانوية.
أصبحت المسؤوليات أكبر من السابق.
لم يعد الطفل الذي ينتظر العطلة ليلعب مع أبناء العائلة.
أصبح شابًا يفكر في الجامعة والعمل والمستقبل.
كان والده خالد يكرر عليه دائمًا:
الرجل لا يُقاس بعمره يا ياسو، بل بما يستطيع تحمله من مسؤوليات.
وكان ياسو يستمع إليه باهتمام.
فهو يعلم أن والده يريد له حياة أفضل.
أما ريا فقد كانت قد بدأت المرحلة الثانوية.
وكانت معروفة بين معلماتها بتفوقها.
لم تكن من الطالبات اللواتي يدرسن فقط من أجل العلامات.
بل كانت تحب المعرفة نفسها.
تحب القراءة.
وتحب تعلم أشياء جديدة كل يوم.
وكان والدها فؤاد يفتخر بها أمام الجميع.
في كل مناسبة عائلية تقريبًا كان يقول:
ابنتي ستصبح من أوائل الجامعة يومًا ما.
فتبتسم ريا بخجل.
رغم انشغال كل منهما بالدراسة، بقيت المناسبات العائلية نافذتهما الوحيدة للقاء.
كانت اللقاءات قليلة.
لكنها تحمل من المعاني ما يكفي لأشهر طويلة.
في أحد الأعياد اجتمعت العائلة في منزل الجدة.
كان المنزل مزدحمًا كعادته.
أصوات الضحكات تملأ المكان.
ورائحة الطعام تنتشر في كل زاوية.
جلس الرجال في المجلس الكبير.
واجتمعت النساء في الصالة المجاورة.
أما الشباب والفتيات فتوزعوا بين الحديقة وساحة المنزل.
وصل ياسو متأخرًا قليلًا.
وما إن دخل حتى بدأت عيناه تبحثان عنها تلقائيًا.
وجدها تجلس قرب إحدى النوافذ تتحدث مع ابنة عمتها.
كانت تضحك.
ضحكة هادئة.
صادقة.
تشبهها تمامًا.
توقف للحظة.
ثم تابع سيره وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن قلبه كان يعرف الحقيقة.
لقد اشتاق إليها.
في ذلك اليوم تبادلا حديثًا أطول من المعتاد.
تحدثا عن الدراسة.
عن الامتحانات.
عن الأحلام التي يريد كل منهما تحقيقها.
قالت ريا:
أريد أن أكمل دراستي مهما كانت الصعوبات.
ابتسم ياسو.
وأنا أريد أن أؤسس مستقبلي بيدي.
يبدو أننا سننشغل كثيرًا في السنوات القادمة.
أجابها وهو يحاول إخفاء حزنه:
ربما.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم انتقل الحديث إلى موضوع آخر.
لكن شيئًا ما بقي معلقًا بينهما.
شيء لم يقله أي منهما.
بعد أشهر قليلة حصل ياسو على شهادة الثانوية بدرجات ممتازة.
كان ذلك يومًا مليئًا بالفخر.
احتضنته والدته وهي تبكي من الفرح.
أما والده فربت على كتفه قائلاً:
كنت أعلم أنك ستنجح.
في تلك الليلة أقامت العائلة احتفالًا صغيرًا.
وكانت ريا من أوائل المهنئين.
قدمت له كتابًا أنيقًا كهدية.
وقالت بابتسامة:
أعرف أنك تحب القراءة.
تفاجأ ياسو.
لم يكن يعلم أنها تتذكر هذه التفاصيل الصغيرة عنه.
أخذ الكتاب وهو يشعر بسعادة غريبة.
وقال:
سأحتفظ به دائمًا.
ولم يكن يعلم حينها أنه سيحتفظ به سنوات طويلة.
التحق ياسو بالجامعة.
وبدأت مرحلة جديدة من حياته.
أصبح وقته موزعًا بين الدراسة والمشاريع والبحث عن فرص العمل.
تعرف إلى أشخاص جدد.
واكتسب خبرات جديدة.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
كلما اقترب موعد مناسبة عائلية كان يشعر بالحماس.
ليس بسبب المناسبة نفسها.
بل لأنه سيشاهد ريا.
أما ريا فقد أصبحت في سنتها الأخيرة من الثانوية.
كانت تقضي ساعات طويلة في الدراسة.
أحيانًا حتى منتصف الليل.
كانت تحلم بدخول الجامعة التي اختارتها.
وكانت مستعدة لبذل كل ما يلزم لتحقيق ذلك.
مرت الأيام بسرعة.
وأصبحت لقاءاتهما أقل مما كانت عليه.
فهذا مشغول بجامعته.
وتلك غارقة في امتحاناتها.
لكن الغريب أن المسافة لم تقلل المشاعر.
بل جعلتها أكثر وضوحًا.
في إحدى الأمسيات العائلية جلس ياسو وحده في الحديقة.
كان يتأمل السماء المظلمة.
فجاءت ريا وجلست على المقعد المجاور.
قالت بهدوء:
سمعت أنك أصبحت من المتفوقين في الجامعة.
ابتسم.
وأنتِ؟ سمعت أنكِ الأولى في صفك.
ضحكت.
يبدو أن الأخبار تصل بسرعة.
العائلة كلها تتحدث عنك.
خفضت رأسها بخجل.
ثم قالت:
أتمنى أن أنجح في تحقيق أحلامي.
نظر إليها للحظة.
ثم قال بصوت صادق:
ستنجحين.
أنا متأكد من ذلك.
شعرت بشيء دافئ في كلماتِه.
شيء جعلها تبتسم دون أن تشعر.
مر عام آخر.
وحصلت ريا على شهادة الثانوية بمعدل مرتفع.
كان المنزل يعيش أجواء احتفالية.
التهاني لا تتوقف.
والفرحة تملأ المكان.
أخيرًا أصبحت طالبة جامعية.
لكن الحياة كانت تستعد لتغيير مسارها.
فبينما كانت ريا تبدأ طريقها الجامعي...
كان ياسو يقترب من نهاية دراسته.
وكانت أمامه فرصة قد تغير حياته بالكامل.
في أحد الأيام عاد إلى المنزل حاملاً خبرًا مهمًا.
جلس مع والديه.
وقال:
حصلت على عرض عمل ممتاز.
ابتسمت والدته بسعادة.
هذا خبر رائع.
لكن والده سأل:
أين؟
تردد ياسو قليلًا.
ثم أجاب:
في مدينة بعيدة.
اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجه والدته.
أما هو فظل صامتًا.
كان سعيدًا بالفرصة.
لكنه يعلم أن قبولها يعني شيئًا آخر أيضًا.
يعني أن لقاءاته بريا ستصبح نادرة جدًا.
في تلك الليلة لم يستطع النوم.
ظل يفكر طويلًا.
في مستقبله.
في أحلامه.
وفي تلك الفتاة التي أصبحت جزءًا من كل أحلامه دون أن تدري.
ولأول مرة شعر بالخوف من المسافة.
الخوف من أن تأخذ السنوات كل شيء.
وتترك الذكريات وحدها.
أما ريا...
فكانت في غرفتها ترتب كتب الجامعة الجديدة.
ولا تعلم أن الأيام القادمة ستبدأ بكتابة فصل مختلف تمامًا من حياتهما.
فصل اسمه...
الفراق.