ابن الخالة الذي سكن القلب
الفصل الثاني
كان ياسو يكره الاستيقاظ مبكرًا.
ليس لأنه كسول، بل لأنه كان يحب السكون الذي يسبق الفجر، ويشعر دائمًا أن الليل ينتهي بسرعة أكبر مما يجب.
في ذلك الصباح، تسللت أشعة الشمس عبر ستائر غرفته، واستقرت على وجهه بهدوء.
فتح عينيه ببطء.
ظل مستلقيًا لثوانٍ ينظر إلى سقف الغرفة الأبيض.
ثم تنهد وهو يتمتم:
"بدأ يوم جديد..."
نهض من سريره واتجه نحو النافذة.
كانت المدينة تستيقظ شيئًا فشيئًا.
الباعة يفتحون محلاتهم.
السيارات تملأ الشوارع.
والناس يسرعون نحو أعمالهم.
لكن عقل ياسو كان في مكان آخر.
كان يفكر في المستقبل.
دائمًا يفكر في المستقبل.
كان ياسو الابن الأوسط لعائلة بسيطة ومحبة.
والده خالد رجل عرف بين الجميع بأخلاقه وحكمته.
أما والدته سميرة فكانت القلب النابض للمنزل.
امرأة لا تسمح للحزن بالبقاء طويلًا داخل البيت.
كان له أخ أكبر يدعى سليم.
شخصية جادة ومسؤولة.
يعتمد عليه الجميع في الأوقات الصعبة.
كما كانت له أخت صغيرة تدعى لينا.
فتاة كثيرة الكلام، مرحة، ومليئة بالطاقة.
وكانت علاقتها بياسو مميزة جدًا.
كانت تعتبره بطلها المفضل.
منذ طفولته كان ياسو مختلفًا عن أقرانه.
لم يكن يحب المشاجرات.
ولا يحب الضجيج.
كان يفضل الجلوس والاستماع أكثر من الكلام.
ولهذا كان الكبار يحبون وجوده بينهم.
كان يستمع إلى قصصهم وحكاياتهم وكأنه واحد منهم.
لكن أكثر ما كان يحبه في طفولته...
هو التجمعات العائلية.
كل عيد.
كل زفاف.
كل مناسبة.
كانت العائلة الكبيرة تجتمع.
وكان هناك شخص ينتظره أكثر من أي شيء آخر.
ريا.
ابنة خالته.
في طفولتهما لم يفهم معنى ذلك الشعور.
كان يعرف فقط أن يومه يصبح أجمل عندما تكون موجودة.
إذا ضحكت يضحك.
إذا غضبت يحاول إرضاءها.
إذا غابت يشعر أن المناسبة ناقصة.
وكان يظن أن الأمر طبيعي.
فهما أبناء خالة منذ الصغر.
يتذكر يومًا من أيام طفولتهما.
كان عمره عشر سنوات تقريبًا.
وكان عمر ريا ثماني سنوات.
اجتمع أفراد العائلة في منزل الجدة.
كان الأطفال يلعبون في الحديقة.
يركضون ويصرخون ويملؤون المكان ضجيجًا.
وفجأة تعثرت ريا أثناء الجري وسقطت على الأرض.
أسرع الأطفال نحوها.
لكن ياسو كان أول من وصل.
جلس بجانبها.
وقال بقلق:
هل تألمتِ؟
كانت دموعها تتجمع في عينيها.
أومأت برأسها.
فخلع ياسو سترته الصغيرة ووضعها تحت ركبتها المصابة.
وقال بثقة طفل يحاول أن يبدو شجاعًا:
لا تبكي، سأبقى معك.
لم تتذكر ريا ذلك الموقف كثيرًا.
أما ياسو...
فقد ظل يتذكره سنوات طويلة.
مرت الأعوام.
وأصبح الطفلان مراهقين.
تغيرت أشياء كثيرة.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
وجود ريا في حياته.
في المرحلة الثانوية أصبح ياسو أكثر نضجًا.
بدأ يفكر في مستقبله.
في الجامعة.
في العمل.
في المسؤوليات التي تنتظره.
لكن وسط كل تلك الأفكار كانت ريا تظهر دائمًا.
أحيانًا كذكرى.
وأحيانًا كحلم.
وأحيانًا كسؤال لا يعرف جوابه.
في أحد الأعياد.
كانت العائلة مجتمعة كعادتها.
دخلت ريا إلى المجلس مع والدتها.
كانت قد أصبحت شابة.
هادئة.
مرتبة.
واثقة.
ولأول مرة شعر ياسو بشيء غريب.
شيء مختلف عن كل ما شعر به سابقًا.
تسارعت نبضات قلبه.
دون سبب واضح.
حاول إقناع نفسه أن الأمر عادي.
لكن الأمر لم يكن عاديًا.
منذ ذلك اليوم بدأ ينظر إليها بطريقة مختلفة.
صار ينتظر حضورها.
وينتظر حديثها.
وينتظر ابتسامتها.
بل وأصبح يحفظ تفاصيل صغيرة جدًا عنها.
لون دفاترها المفضل.
نوع الكتب التي تقرؤها.
حتى طريقة ضحكتها عندما تكون محرجة.
أشياء لا يلاحظها أحد.
إلا هو.
مرت الشهور.
وكان الشعور يكبر معه.
ببطء.
ودون استئذان.
حتى جاء اليوم الذي فهم فيه الحقيقة.
كان يجلس وحده على سطح منزلهم مساءً.
السماء مليئة بالنجوم.
والهواء بارد قليلًا.
تذكر لقاءه الأخير مع ريا.
تذكر حديثهما القصير.
وتذكر ابتسامتها قبل أن تغادر.
فابتسم دون أن يشعر.
ثم توقف فجأة.
وسأل نفسه:
"لماذا أفكر بها دائمًا؟"
ظل صامتًا طويلًا.
ثم جاءت الإجابة وحدها.
إجابة بسيطة.
لكنها غيرت كل شيء.
لقد أحبها.
شعر بالخوف فورًا.
لم يكن الحب مخيفًا.
لكن الاعتراف به كان مخيفًا.
فهي ابنة خالته.
وجزء من العائلة.
وأي خطأ قد يسبب مشاكل كثيرة.
لهذا قرر أن يحتفظ بمشاعره لنفسه.
وأن يدفنها في قلبه.
على الأقل في الوقت الحالي.
في اليوم التالي التقى بها في مناسبة عائلية.
جلست بعيدًا عنه مع بقية الفتيات.
وكان يجلس مع الشباب.
لم يتحدثا إلا لدقائق معدودة.
لكن تلك الدقائق كانت كافية لتجعل يومه كله أجمل.
حينها أدرك شيئًا آخر.
أن الحب لا يحتاج دائمًا إلى كلمات.
أحيانًا تكفي نظرة واحدة.
أو ابتسامة صغيرة.
أو وجود شخص في المكان.
ليجعل العالم كله يبدو أفضل.
لكن ياسو لم يكن يعلم أن الحياة تستعد لتغيير كل شيء.
لم يكن يعلم أن السنوات القادمة ستحمل فراقًا طويلًا.
وأن المسافة ستضع بينه وبين ريا مدنًا وأحلامًا ومسؤوليات.
ولم يكن يعلم أن حبهما سيُختبر أكثر مما تخيل يومًا.
أما الآن...
فكان كل ما يعرفه.
أن هناك فتاة اسمها ريا.
تسكن قلبه منذ سنوات.
وأنه لا يستطيع إخبار أحد بذلك.